|
كلمة الأستاذ المرحوم أحمد حسين
العاملون في هيئة العمل المشترك . . في ألمانيا . . أما
بعد :
عندما دُعيْتُ للمشاركة في نشاطات وفعاليات الهيئة ، اعتقدْتُ أنني سألتقي
بحزبيين مختلفين تمام الإختلاف عن أؤلئك الذين يعيشون بين سندان الجوع ،
والمعاناة ، والمساءلة ، والمضايقة ، والملاحقة ، والسجون ، وبين مطرقة
المافيات ، واللصوص ، وقطاع الطرق ، والقواويد ، والزعار .
وفي ظل الأعاصير ، وفي سواد الليل الكردي الطويل ، يبقى المناضلون متشبثين
بالأرض والشجر والحجر ، ومتطلعين دوماً للوصول إلى " الشعاع " في آخر النفق . .
واعتقدْتُ أيضاً بأن عاملَ الجغرافية قد فعلَ فعَلَهُ ، وفضاءات الحرية خلصت
العقول من تكلسها ، والضمائر من أدرانها ، والمناخات الثقافية أنضجت الوعي ،
وطهرت اللوثة الستالينية ، والبعثوية ، والإسلاموية التي امتزجت مع دمائنا .
غير أن مارأيناه لدى العاملين والمرتدين أثواب السياسة ـ أو كما يدعون ـ
إستغراقهم في نومهم الكهفي ، وضمن القواقع التي نجروها لأنفسهم ، والإسترخاء
الأرستقراطي في مخادعهم بعد أن صدقوا أنفسهم ـ وعلى الطريقة الغوبلزية ـ بأن
المسيرات الهزيلة ، والفقيرة ، والفاشلة قد حققت غاياتها . ولكن الحقائق على
الأرض تصفع وجوههم . لأن هؤلاء الأفذاذ لم يبذلوا قدر " حبة خردل " من الجهد
لمعرفة حقائق الوضع ، وكيف يعرف من يعتقد أنه وُهِب كنوز المعرفة ، وامتلك
نواصي العلم والثقافة ، وكُشف أمامه الأسرار الربانية . لذلك سد أذنه ، وأغلق
بصره وبصيرته ، لاعتقاده بأن هناك رباً سيتكفل بالدفاع عن البائسين الجائعين
المرميين على قارعات الطرق الفخمة في دمشق وغيرها .
إن كل من عايش واحتك وتمعن في طبيعة النخب السياسية والثقافية والإجتماعية
الألمانية ، سيخرج من حالة تأمله مقتنعاً بأنه يمكن الوصول إلى وعيهم ، ومداعبة
مصالحهم ، و إيصال الصوت إلى آذانهم عبر إسلوبين حضاريين :
أولاهما : عن طريق لجان مختصة تتقن الثقافة والفكر المحلي ، وتواصل اللقاءات ،
والإجتماعات ، وإقامة الندوات المشتركة مع الفعاليات السياسية والثقافية بهدف
وضع المعنيين ضمن لوحة معاناة شعبنا الكردي ، وعبرهم إيصال هذه المآسي
والمعاناة إلى المراكز السياسية ، والثقافية ، والفنية ، والكنسية في الدول
الأوربية .
وثانيهما : يتعلق بالعامل المالي الذي يعد رافعاً قوياً للأسلوب الأول ـ وهو
غير متوفر لدى من يتقنون فن الجعجة ـ وكان يمكن استثماره في التعامل مع الصحافة
والصحفيين لإضاءة مساحات من مآسي أبناء شعبنا ، وبالتالي تثبيتها في وعي
الأكثرية على الأقل من أبناء الشعب الألماني . أفضل على المستويين العام والخاص
، وأفضل بألف مرة من تلك " الهوسات والهلوسات " التي تعكس سيكولوجيتنا البائسة
.
وثمة رأي واقعي كان يطرح دوماً وهو أن يتكرم العاملون في السياسة بالنزول من
أبراجهم العاجية المتخيلة ، إلى الجزر التي يعيش فيها أبناء جاليتنا الذين ـ
وبسبب غياب عامل التنظيم لديهم كبقية الجاليات الأخرى التركية العربية
الإيرانية . . إلخ ـ آثروا التقوقع ، والعودة إلى أعماق ذاكرتهم واستخلاص عادات
وتقاليد تعود لعصور زراعية رعوية ، بدلاً من الإستفادة بما هو كائن وحاصل في
هذا الواقع الثقافي ، والعلمي ، والإجتماعي ، والإقتصادي الفذ الذي نعيشه .
والأقبح من كل ذلك أن البعض ممن كان يعتبر نفسه في الوطن ديمقراطياً ، أو
ماركسياً ، أو علمانياً تراه يصوم الثلاثين ، ويقيم نهاره خاشعاً متعبداً ،
ويقضي ليله ذليلاً خاشعاً متهجداً ، ولاترى من قوانا السياسية إلا التقوقعَ في
قواقعها المتكلسة، والنقيقَ في بِرَكِها الضحلةِ ، والصياحَ على مزابِلها
النتنةِ .
ندمت كثيراً لقضائي عاماً ونصف العام نعلك الكلام ، ونهرس الفراغ ، ونضيع الوقت
في مناقشات سفسطائية ، وتنظيرات بيزنطية ، لاتعكس إلا ثقافة ضحلة ، وفكراً
مطبوعاً بالنكهة الدينية المتزمتة .
لن أندم أبداً عن الإنفكاك عن إسار الهيئة ، وعليكم بمسح إيمايلي عن موقعكم .
في 27 ـ 9 ـ 2009 ليلاً أحمد حسين ألمانيا ـ ايسن . |