حوار مع الأستاذ شمس الدين حمو

عضو اللجنة السياسية لحزب يكيتي الكردي في سوريا

حاوره (  أنترنيتياً  ) : زارا سيدا

 1-      منذ فترة احتفلت الحركة الكردية بيوبيلها الذهبي , ماذا يعني لكم ذلك ؟

       يعتبر ميلاد البارتي عام 1957 حدثاً هاماً ومنعطفاً خطيراً في تاريخ الشعب الكردي في سوريا . إذ ظهر ممثل سياسي لهذا الشعب و لأول مرة في تاريخه , يسعى للتعبير عن طموحاته . أما الإرهاصات السابقة له  لم ترتق لمستوى التمثيل السياسي لقضيته.رغم عدم تمكن الحزب , من تحقيق أهدافه , في الحرية , لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية .إلا أنه يمكننا القول بأن ولادة الحزب , كانت إيذاناً بولادة ونمو القضية و الوعي القومي الكرديين. والأحزاب الكردية الحالية في غالبيتها سليلة ذاك الحزب الأم , وكوادرها , هم ربائبه , وادعاء البعض بتمثيل الحزب الأم, لا يغير من الحقيقة التاريخية , المتمثلة في كوننا جميعاً , امتداداً لذلك التاريخ , بكل إخفاقاته و نجاحاته , الكل يتقاسم المسؤولية عن الإخفاقات , وشرف الانتماء إلى الأصل ذاته , دون أن يكون ذاك الانتماء مانعاً أو طعناً أو مطعوناً به , تبعاً للتغيرات التي حدثت في أوساط الحركة الكردية , وتنوع خطابها وبرامجها و أنظمتها الداخلية كحصيلة طبيعية لتغير و تطور الظروف الموضوعية .إذا كان الرعيل الأول بإمكاناته المتواضعة وظروفه الصعبة , امتلك الجرأة والإرادة للتصدي للقضية وتحمل أعبائها ,فعلى الأجيال الحالية , أن تستفيد من تراثهم , وتستثمر الظروف الدولية والإقليمية المستجدة , وتتصدى للقضية بوسائل أكثر ملاءمة , و بفهم أكثر تطوراً , ومن القصور أن يعمل البعض , في القرن الحادي والعشرين بعقلية ومفاهيم وشخوص خمسينيات القرن الماضي, أو أن يعمل البعض (هنا الكارثة) على إعادة إنتاج المشكلات ذاتها وبذات العقليات .

في الكثير من المناسبات الاحتفالية تهيمن مفردات تلك المرحلة على الخطابات . وكأنما يراد للجيل الصاعد ,أن يعيد اجترار اختلافات لم يعشها , ولن يستفيد منها , وليس معنياً بها, وكأنما لا يزال أطراف تلك الخلافات , يبحثون عن تبريرات لها بعد كل تلك السنوات ولو كان على حساب الأجيال والقضية, وهذا يدل على الحجم الكارثي للإخفاقات التي يراد التغطية عليها بإلقاء أوزارها على الطرف الآخر.

من جهتي أرى أن لا أحد مستثنى من المسؤولية , فالكل أخفق وأصاب شأن العاملين في كل الحركات عبر التاريخ , وليس عيباً لتاريخنا أن تكون هناك إخفاقات , فيكفي لذاك الجيل شرفاً , أن أظهروا القضية من العتمة إلى النور , رغم ظروفهم الموغلة في القهر والجهل , ومن ثم يكفيهم تمسكاً بمصير القيادة والقضية , فللجيل الصاعد حق أيضاً في أن يقوم بدوره , ويتبوأ مكانه في مقدمة النضال , ممتطياً إمكاناته العقلية , المتجددة , حاملاً لمسؤولياته التاريخية , متخلياً عن اجترار السير التاريخية , وقتذاك سيكون وفياً ,لتضحيات الآباء , والرعيل الأول .

 2-   عقد مؤتمركم الرابع /2003/ تحت شعار  " نحو حزب مؤسساتي " . كيف رفعتم  هذا الشعار في دولة تعاني من شح في مؤسساتها التموينية ( الغذائية) هل كان هذا حلماً راودكم ؟

       نحن كحزب كردي يعمل داخل سوريا , لا بد أننا نعتبر وجودنا , ضرورة من ضرورات تقدم وازدهار بلدنا ومجتمعنا , أو على الأقل تفعيل العمل من أجل ذلك . ولو أن الأمور كانت بخير , وأن البلد يسير بشكل جيد وأن مؤسسات الدولة نظيفة  وفي خدمة المواطن , لما كانت من حاجة تبرر وجودنا . إلا أن حرمان شعبنا الكردي من حقوقه القومية , ومعانات البلد برمته , من سلطة الاستبداد ، وإفرازاته , من فساد وخراب في مؤسسات الدولة , وإهدار حقوق الإنسان ... الخ  هي التي دفعتنا إلى النضال والعمل من أجل التغيير.

وهذا يستدعي , بالضرورة ممارسة سلوك مغاير لسلوك النظام وبوسائل مختلفة , فلا يمكننا الإدعاء بأننا ضد الفساد المستشري في الدولة إن كنا نمارس الفساد ذاته ,لا يمكننا العمل من أجل بناء دولة القانون , إن لم نلتزم نحن بقوانيننا التي نتواضع عليها , ( البرنامج والنظام الداخلي ) . فالمقصود بالحزب المؤسساتي هو تخليص الحزب من الشخصانية , التي هي سمة تكوينات الشرق عموماً .والفرق بين المشخصن و المؤسس , هو أن الأول يقوم على إنشاء المؤسسة على قياس الشخص , فلا وجود للمؤسسة في غياب الشخص , أما الثاني يقوم علة أساس , أن كيان المؤسسة هو أصل القيمة , وان تبدل الأشخاص الذين يشغلون مواقع محددة في المؤسسة ,لا يؤثر في قوامها و مركزها و فاعليتها ,فالفرد في هذه الحالة جزء من الجماعة و مسؤول أمامها , ولا يمكن لأي فرد من أفراد الجماعة , أن يتعالى عليها  أو يجيّرها لصالح فردانيته , فالحزب يقوم أصلاً على مبدأ التعاقد , ومقررات محافله العامة هي عقد بين أعضائه فهي شريعتهم , فكل التشكيلات الحزبية , والهيئات المنبثقة عن النظام الداخلي و اللجان الاختصاصية , عليها أن تتنطع لمسؤولياتها , وتمارس صلاحياتها, دون تعطيل طرف لآخر , وهذا يستدعي توازناً في المسؤوليات وتحديداً للصلاحيات داخل الحزب , وفهماً متوازناً لعلاقات الحزب مع المجتمع , ومحيطه الخارجي , والمؤسسات  الاجتماعية الأخرى , فلكل ٍ دوره المعتبر الذي يجب إيلاءه الأهمية اللازمة .

قد يفهم البعض أن شعارنا نحو حزب مؤسساتي , يعني أننا سنقوم بإنتاج مؤسسات اجتماعية  أو اقتصادية أو كما جاء في سؤالكم ( تموينية ) . إن الحزب هو بذاته أحد مؤسسات المجتمع , وهو أداة سياسية  ورافعة نضالية , ولن يكون بديلاً عن المجتمع و مؤسساته , بل مطلوب من الحزب أن يعمل على صيانة استقلالية مؤسسات المجتمع المدني وتنميتها .

شعارنا نحو حزب مؤسساتي , يهدف أولاً إلى إعادة بناء ثقافة التعاطي, وإعادة المشروعية للمؤسسات الاجتماعية المدنية و أصحاب الاختصاص وصيانة الحقوق , والاستفادة من القدرات الاجتماعية المتاحة .

 وبكلمة مختصرة نقول, لا يجب اختزال المجتمع في حزب , واختزال الحزب في شخص كي لا يؤدي سقوط الشخص تالياً إلى سقوط الحزب والمجتمع . ويكون ذلك عبر تمكين كل فرد من ممارسة حريته و التعبير عن آرائه , عبر خلق توازن حقيقي بين الفرد والجماعة .

 3-      تطمحون في الشارع الكردي لكسر حاجز الخوف . بعد كل  اعتصاماتكم  و احتجاجاتكم  ومسيراتكم . إلى أين وصلتم ؟

      نعم عملنا جاهدين على تحطيم جدار الخوف , الذي بناه النظام , عبر الاستبداد والقهر المنظم ,الذي مارسه مع شعبنا , وفي كل خطوة قمنا بها , كان النظام يحاول إعادة بناء جدار الخوف من جديد , عبر آليات القمع والتنكيل والاعتقالات , ومحاكمه الاستثنائية ( محكمة أمن الدولة – المحكمة العسكرية ) التي حكمت على العديد من رفاقنا بالسجن لمدد مختلفة .نحن في سباق مع النظام , وحسب اعتقادنا أننا حطمنا في السنوات الأخيرة , بنضالاتنا السلمية , أجزاء كبيرة من جدار الخوف , لدرجة أن النظام عجز عن ترميم الثغرات التي فتحناها في ذاك الجدار , رغم تكريسه إمكاناته الأمنية وخبراته القمعية , وأساليبه الترويضية ... مسيرتنا لم تتوقف , والنظام لم يتخل عن زرع الخوف والرعب في نفوس الناس , ظناً منه , أن بقاءه مرهون ببقاء الخوف والرعب في النفوس . أود التنويه هنا إلى نقطة هامة , وهي أن البعض يظن أنه كان يجب أن يؤدي عملنا إلى تحقيق مباشر لأهداف شعبنا , وإلا نكون قد فشلنا , سبب هذا الظن هو الفهم القاصر لطبيعة نضالات الشعوب , فنحن لم نكن ولسنا نعتقد أننا من خلال مظاهرة واحدة , أو عدة مظاهرات أو اعتصامات , سنحقق كل الأهداف التي, نعمل على تحقيقها , إنما هدفنا هو إحداث تغيير في فهم الناس وموقفهم من إمكانات الشعب وقدراته, وتغيير الرؤية إلى المعادلة, النظام -المجتمع , إذ كان شعبنا قد فقد الثقة بقدراته على تغيير أوضاعه , ونحن عملنا ونعمل على إعادة هذه الثقة إلى الشارع السوري عامة والكردي خاصة , نجحنا قليلاً, ولازلنا بحاجة إلى الكثير .  

 4-   البعض يصف حزبكم /العلني/ بشيء من البهلوانية أو المراهقة السياسية ؟ ويراهنون على انضوائكم إلى صفوف التحالف أو الجبهة , هل في ذلك شيء من الحقيقة ؟

       أفهم من سؤالكم , أن العلنية بالنسبة للبعض تعني البهلوانية , أو المراهقة السياسية , وأن المراهنة في تراجعنا عن العلنية , والعودة إلى العمل السري يكون بانضوائنا في التحالف أو الجبهة !. وبذلك نكون قد تخلينا عن البهلوانية ونضجنا سياسياً .

لا أظنني معنياً بهوية هؤلاء البعض , وما هي مصلحتهم , أو من تخدم طروحاتهم هذه , وإذا ما كانت دوافعهم , هي مصلحة شعبنا , أم مآرب أخرى , بقدر ما نحن في حزبنا معنيون بمدى ملاءمة سلوكنا السياسي , لطبيعة نضالنا القومي والوطني الديمقراطي , و توافقه مع خطابنا السياسي , الذي نسعى إلى تأسيسه على قاعدة وجود شعبنا وقضيته , كقضية أرض وشعب. في هذا نحن نرى بأن وجود شعبنا ليس وجوداً طارئاً أو سرياً , لتطرح قضيته سراً بل نرى بأنه لا بد من الممارسة العلنية , والمطالبة الواضحة والصريحة بحقوق شعبنا ومواجهة النظام بالاستحقاقات المترتبة على هذا الوجود ,و إيماناً منا بعدم جدوى الوسائل و الأساليب غير السلمية ,تبنى حزبنا النضال الديمقراطي السلمي, وهذا النضال له وسائله وأدواته التي تتمثل في المظاهرات والاعتصامات  والاحتجاجات الشعبية,وصولاً إلى العصيان المدني ,وكل هذه الممارسات لا يمكن ممارستها إلى بالعلن , فما جدوى السّرانية في العمل العلني. أما ما يثار حول هذه الأنشطة السلمية , بأنها تعرض شعبنا للقمع والتضحية فهو بغاية التضليل والافتراء على شعبنا , فكأنما يريد أصحاب هذه الدعايات أن يقولوا أن النظام لا يقمع ولا يضطهد شعبنا , ولم يكن يفعل ذلك إلا لأن حزبنا شرعن النزول إلى الشارع , ومارس نضالاً ديمقراطياً سلمياً ((  بالمناسبة أجهزة الأمن أيضاً ّتدعي , بأن الملف الكردي كان على طاولة الرئاسة , وكان في طريقه إلى الحل لولا أن حزباً كردياً أصدر بياناً حاداً أو أن جماعة كردية بعينها مارست سلوكاً ما )) وكأنما لكي يتراجع النظام عن اضطهاد شعبه يتطلب تخلي الشعب عن ذاته , وأن يصمت صمت الأموات . هذا موقف نتفهمه من أجهزة النظام , فهو يهدف ويعمل على جعل الصمت أبدياً , لأن تأبيد حكمه مرهون بتأبيد الصمت ولكن ليس مفهوماً أن يعمل من يفترض به , أنه يناضل ضد سلوك النظام ,على تكريس الخنوع والصمت في أوساط المجتمع .

أما بالنسبة إلى انضوائنا إلى الجبهة أو التحالف , فنحن من جهتنا نعي ضرورة العمل الجماعي و وحدة الصف الكردي, ونعمل من أجل ذلك , ولكننا نعي أيضاً أن أي تجمع أو مظلة , ينضوي فيها مجموعة أحزاب , يجب أن توفر إمكانية الارتقاء بالعمل الكردي , وأن يكون رافعة نضالية , وهذا يستدعي بالضرورة تحقيق خطوات حقيقية من أجل إنجاز أي إطار مرتقب . من وجهة نظرنا أن أي إطار كي يتحول إلى رافعة نضالية يجب أن يحقق ما يلي :

1-    أن يكون واضحاً في رؤيته السياسية , بحيث تعبر هذه الرؤية عن حقيقة قضية شعبنا الكردي , كقضية أرض وشعب .

2-    أن يقوم الإطار على أسس واضحة توفر آليات عمل لأجل رفع وتيرة النضال والارتقاء به .

3-    أن يتيح المجال لحرية الحركة لمكوناته ولا يتحول إلى كابح للأحزاب المنضوية فيه .

أما أن يتحول الإطار إلى وسيلة للاحتواء والكبح فلا نكون وقتها نعمل من اجل وحدة الصف الكردي 

 5-      يقول البعض أن الحركة الكردية ارتكبت العديد من الأخطاء , هل تمتلك الشجاعة لتقول البعض من أخطاء حزبكم / يكيتي / ؟

       أعتقد أن الاعتراف بالأخطاء يحتاج إلى الوعي قبل الشجاعة .لأن المراجعات النقدية الواعية , هي التي, تكشف مواطن الخلل,فيما مورس ولم يمارس , أما الشجاعة وحدها فلا تكفي لإعادة النظر في سلوكنا . وحسب إدراكي لمرحلة ما بعد الانطلاقة الثانية , لحزبنا / يكيتي الكردي في سوريا / منذ عام /2000/ وحتى الآن ,لا أظنه ارتكب أخطاءً إستراتيجية بالمعنى الدقيق ل ( الخطأ ) ولكننا قد نكون راهنا على بعض المواقف أكثر مما يلزم , ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر , أننا راهنا على إمكانية الارتقاء بالموقف الكردي عبر مجموع الأحزاب الكردية في مرحلة ما بعد الانتفاضة , أكثر مما كان يجب , وقد صرفنا وقتاً أكثر من اللازم في ذلك , ثم كان رهاننا على قوى المعارضة ومحاولتنا تشكيل إطار وطني , رهاناً خاسراً , فرغم أننا كنا من مؤسسي لجنة التنسيق الوطنية . إلا أن الأطراف ذاتها عملت على تأسيس ( إعلان دمشق ) من خلف ظهرنا , وقد تحججوا بأننا نتشدد في التوكيد على صياغة البند المتعلق بالقضية الكردية .على العموم , المراجعة النقدية ضرورية لإعادة بناء السياسات السليمة وهذه مهمة الهيئات والمحافل الحزبية من جهة , ومهمة النخب المثقفة والإعلام من جهة أخرى .    

 6-      هل تعتقد أن الحركة الكردية أنجبت 12 آذار , وكيف تفسرون ركون الحركة إلى التهدئة آنذاك ؟

           إذا كنتم تقصدون بالحركة الكردية فقط الحالة الحزبية, فلا .أما إن كنتم تقصدون الحركة الكردية, كل الطاقات الشعبية, وكل المعنيين بالقضية, فنعم . ومن وجهة نظري أن مفهوم الحركة الكردية, أوسع من أن يحصر في مجرد الحالة الحزبية . وانتفاضة آذار,هي حصيلة التراكم التاريخي , للاحتقان الناتج عن الاضطهاد القومي وتنكر النظام لوجود شعبنا , وسلبه لحقوقه وحجره لحريته,أما التطورات الإقليمية والدولية و انتشار وسائل الإعلام والتواصل , كان لها دور مهم في إنتاج الآليات التي مكنت شعبنا من تحقيق انتفاضته , مع العلم أن للحركة الحزبية ,دور فاعل في بناء الوعي القومي , سابق للانتفاضة ,خاصة النضالات الميدانية التي قام بها حزبنا وبعض الأحزاب الأخرى قبيل اندلاع الانتفاضة .

أما عن التهدئة التي قامت بها الأحزاب الكردية , فلا أظن أن الانتفاضة كانت ستستمر أكثر لولا تلك التهدئة, بسبب أنها كانت ردة فعل على الفتنة التي افتعلتها أجهزة السلطة في الملعب ,وهي تراجعت سريعاً عن مخططها التصعيدي أمام الانتفاضة العارمة التي لم تكن في حساب تلك الأجهزة , وتراجعها كان أحد أهم أسباب التهدئة , فالانتفاضة لم يخطط لها أحد , أو أية جهة كردية ,كي يقال بأنه تم التراجع عنها , وإنما كانت انتفاضة عفوية , عبّرت عن عدم قبول شعبنا العدوان على وجوده . أما محاولة البعض المزاودة في موضوع الانتفاضة , وكأن الانتفاضة كانت ستنجز كل المهام المترتبة على القضية الكردية ,لو لم تقم الأحزاب الكردية بالتهدئة ؟, أظنها محاولات لا معنى لها سوى تبرير تقاعس البعض عن الانخراط في العمل النضالي القومي.

إنا نقول بأن الانتفاضة شكلت منعطفاً خطيراً في تاريخ الشعب الكردي في سوريا لا تقل أهمية عن تأسيس أول حزب في تاريخه عام 1957 وقد تزيد أهمية, ولكن لم يكن مطلوباً من الانتفاضة , أن تنجز أكثر مما أنجزت , فهي أوقفت مؤامرة النظام , ونقلت القضية الكردية في سوريا ولأول مرة , إلى مستوى الاهتمام العالمي,الإعلامي,والدبلوماسي. ورسمت خارطة التواجد الكردي الجغرافي والديمغرافي ,وأعادت ثقة المواطن الكردي بنفسه, وبقدرات شعبه ومن ثم لها نتائج كثيرة أخرى بحاجة إلى المزيد من التوسع والبحث . ولكن مخطئ من يظن بأن الانتفاضة بالشكل الذي اندلعت به لو استمرت لأنجزت أكثر , ومخطئ من يظن بأن الأحزاب الكردية كانت قادرة على جعلها تستمر أكثر لو أرادت , بدليل أن الأحزاب الكردية مجتمعة , دعت إلى إضراب عام , في أربعينية الشهداء , فلم يستجب لدعوتها سوى بعض الملتزمين بأحزابها , ومخطئ من يظن أن الحركة كانت قادرة على تهدئتها لو أن عوامل استمراريتها بقيت حافزة على استمرارها. ومخطئ من يعتقد بأن واجب الأحزاب الكردية يقتضي أن تكون قادرة على التحكم بانتفاضة عفوية .         

 7-      الكرد في سوريا موجدون  في أطر المعارضة . أنتم إلى أي الأطر تميلون  ؟

          نحن أصحاب قضية , وقضيتنا هي مقياس المسافة بيننا وبين الآخرين .ولما لم تستطع القوى العربية لحد الآن, الخروج من شرنقتها العروبية , ولا تستطيع أن تتفهم أن حريتنا شرط لحرية الشعب السوري بشكل عام , وأن الديمقراطية لا تتحقق دون حصولنا على حقوقنا غير منقوصة , وأن عليها أن تناضل من أجل حريتنا دفاعاً عن حرياتها , فلا أظن أن انتماءنا إلى أي الأطر ممكن والحال هذه ,لأننا وقتذاك لا نضر بالقضية الكردية وحسب, بل نساهم في عدم نضج المعارضة الوطنية الحقيقية, ولذلك نحن مستمرون في العمل على التمسك بثوابت قضية شعبنا , حتى انتزاع اعتراف القوى الأخرى بحقوقنا غير منقوصة . ولا يجب أن ننسى أن الموقف الأخير الصادر عن التجمع القومي الموحد يعتبر سابقة هامة في تاريخ المعارضة السورية ونقلة نوعية باتجاه تفهم موضوعي للقضية الكردية .

 8-      هل هناك مرجعية فكرية للحركة الكردية , وهل فكرتم في مثل هذا الأمر ؟

      إذا كان المقصود بالمرجعية الفكرية,هو الارتهان لقاعدة عقلية ,أو نظرية أيديولوجية , فأننا نعتبر ذلك تعطيلاً للعقل , ومن ثم تنميطاً للفكر ,لا يمكن أن يسهم في بناء العقل السياسي المبدع , فخير مرجعية فكرية هي اللا مرجعية  والارتكاز إلى قواعد العقل الحر.

أما إذا المقصود هو الدليل العلمي والنضالي,فأننا نعتمد البرامج السياسية التي تقرها مؤتمرات الحزب ومحافله العامة , لترشيد سياستنا , مع التوكيد على ضرورة أن تكون هذه البرامج موضوع مراجعة وتطوير دائمين للتلاؤم مع المتغيرات المحلية والعالمية .             

 9-      الديمقراطية ثقافة,  تتطور بالممارسة , هل تمارسون ذلك , وهل يمكننا معرفة بعض ممارساتها لديكم  ؟

          نعم الديمقراطية ثقافة وسلوك , وهي تنجز في كل لحظة من لحظات العمل والممارسة ولا يمكن لأحد الادعاء بأنه أصبح ديمقراطياً وكفى . فهي ليست وضعية أو حالة نسعى للوصول إليها ونكتفي ,بل في كل لحظة يمكن للسلوك الممارس أن ينحدر ويهوي في رذائل اللا ديمقراطية , إن لم تنتظم العلاقات بين الوحدات الاجتماعية في كيفيات ضامنة لممارسة الحرية , التي هي, شرط الديمقراطية , والتي لا تتحقق بدورها , إلا بالثقافة و المعرفة .

نحن كحزب ندعي ونزعم أننا نعمل من أجل التحول الديمقراطي , لا يمكننا أن نكون كذلك , إن لم نعمل على ممارسة السلوك الديمقراطي داخل الحزب , وهو سوف لن يمارس إلا من خلال مأسسة الحزب وتنظيم آلياته , بحيث تمكن العضو الفرد من التعبير عن رأيه بحرية ولا تسمح لفرد أو هيئة , من  مصادرة الرأي الآخر , أو الاستئثار بالقرار أو التمترس في موقع حزبي أو تأبيده أو توريثه , كما هو شائع في عالمنا الشرقي .

نحن  خطونا خطوات هامة في هذا المجال , عبر وضع آليات تنظيمية , تحقق الكثير من الديمقراطية  في العلاقات  ,  كتحديد فترة السكرتارية بدورة واحد , وآليات تشكيل الهيئات القيادية , بالانتخاب مباشرة من القاعدة , واحتفاظ الهيئات بحق تغيير ممثليها في الهيئات الأعلى . وآليات ضبط اتخاذ القرارات و الإجراءات بحق الأعضاء. ونعمل باستمرار على اكتشاف آليات أكثر تحقيقاً للديمقراطية , ونرحب بكل مقترح مفيد من داخل وخارج الحزب يعزز هذا التوجه يعزز هذا التوجه .     

10-  تأثرت الحركة الكردية  و الكردستانية بالماركسية اللينينية في ما خلت  من عقود . كيف تقيمون تلك المرحلة ؟

 في ظل الحرب الباردة , حيث كان العالم منقسماً إلى شرق وغرب ,كان لابد للحركة الكردية أن تبحث لها عن موضع في أحد المعسكرين , ولما تعرضت ثورة البارزاني إلى مؤامرة دولية تمثلت في اتفاقية الجزائر عام 1975 بين شاه إيران وصدام العراق , وبمباركة غربية, وكان المعسكر الشرقي يروج لشعارات مثل حق الشعوب في تقرير مصيرها , ودعم المعسكر لحركات التحرر في العالم .هذه الأمور مجتمعة دفعت بالحركة الكردية بالاتجاه صوب المعسكر الاشتراكي , واستيراد أيديولوجيتها وفكرها.

ولكن ما حدث هو أنه بدل أن تتمكن الحركة من تجيير إمكانات المعسكر الاشتراكي لخدمة قضيتها- لتعذر الإمكانية أصلاً- بسبب أن المعسكر نفسه لم يكن أميناً لمبادئه و شعاراته , وكان لا أخلاقياً في تعامله خاصةً مع القضية الكردية  , بدل ذلك تحولت الحركة إلى أسيرة للأيديولوجية, واستحضرت الجوانب الأكثر إضراراً بمصالحها , خاصة تلك المفاهيم التي تمجد الفقر , وتبتذل الغنى , مما حرمت الحركة من استثمار طاقات الشعب الكردي , وإمكاناته المادية , وعملت على شرخ المجتمع .

ونتيجة لانتشار الإلحاد المرافق لانتشار الماركسية اللينينية وتصريح كوادر الحركة بإلحادهم , ابتعدت الفئة المتدينة , عن قضية شعبهم بعد أن كانوا في مقدمة الحركات التحررية الكردستانية . ولكن تبقى لتجربة الحركة مع الماركسية اللينينية أبعادها الايجابية أيضاً , إذ ساهمت في تكوين بيئة اجتماعية , قابلة للتجديد والتحديث , وما بروز التيارات الحداثوية , في المجتمع الكردي , في الآونة الأخيرة , إلا إحدى نتائج انتشار الماركسية اللينينية , ومفاهيمها المتعلقة بالعدالة الاجتماعية , والمساواة الإنسانية .

 11-  هل صحيح كما يقول البعض , أن الإسلام أعاق تطور الكرد معرفياً وسياسياً .كيف تفهمون العلاقة في حزبكم بين الإسلام و الكرد ؟

 

   حزبنا حزب علماني ( بفتح العين) والعلمانية تعني فصل الدين عن الدولة وهذا يعني أن الحزب في حالة حياد تجاه الأديان , أي أن لكل فرد حق التدين بدينه الذي يؤمن به , ولكن شرط أن لا يتجاوز أحد على معتقد الآخر. كان الأجدر بكم أن تسألوا , كيف أفهم أنا ,كفرد, وشخص العلاقة بين الإسلام والكرد ؟. لأن الدين علاقة شخصية , فأنا أرى أن الإسلام كغيره من الأديان يدعو إلى منظومته الإيمانية والأخلاقية وأنه ما جاء إلا خدمة للناس أجمعين فالقرآن الكريم يقول (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )) وعلى الناس تتوقف إمكانية الاستفادة منه. فأرى كما رأى شيخ شهداء الكرد محمد معشوق الخزنوي  إذ قال : " إن كل الشعوب استثمرت الإسلام لخدمة مصالحها ( العرب – الفرس – الترك ) إلا الكرد " قاموا بخدمة تلك الشعوب ظناً منهم أنهم يخدمون الدين , فالكرد قد يكونون فهموا العلاقة بشكل خاطئ, فلا ُنحملّنّ الآخرين أو الدين تبعات فشلنا , فمثلاً رجالات الدين الكرد أفهموا شعبهم أن العرب هم آل محمد الذين يجب تقديسهم وتمجيدهم فابن سيرين وهو علامة يقول في كتابه تعبير المنامات أن من يرى في رؤياه شجرة ذات ساق هي دالة على رجل عربي لأن العرب لهم أصل وجذع , أما من رأى شجرة لا ساق لها فهي دالة على أعجمي لأن العجم لا سوق لهم , في حين أن القرآن الكريم يقول : (( إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا  إن أكرمكم عند الله أتقاكم )) أهناك أظلم من ابن سيرين الكردي وهو يظلم قومه .

أظن أن عدم قدرة الكرد على صيانة كيان لهم عبر التاريخ هو الذي جعل كل المنظومات القيمّية وغيرها تصبح أدوات في أيدي الآخرين لاستعبادهم  ولم تكن الثقافة يوماً سبباً في إعاقة تطور الشعوب وإنما عدم إدراك الثقافة هو الذي يؤخر الشعوب عن ركب الحضارة  , ولكن لو قيل بأن المسلمين من غير الكرد هم من أعاقوا تطور الشعب الكردي فهذا جائز فهم كرجال دول ( الأموية  والعباسية والصفوية و العثمانية ) عملوا على توطيد أركان حكمهم وهذا شأن كل الحكام وكان واجباً على الكرد أن يعملوا على إقامة دولتهم والحفاظ عليها وتحقيق تقدم أمتهم .          

 12-  هل للعولمة دور في حل القضية الكردية , أو لنقل هل للكرد موطئ  قدم  في  النظام العالمي الجديد , الذي لا يزال قيد التكوين ؟

 العولمة ظاهرة كونية ناتجة عن تراكم تاريخي -حضاري- علمي- تكنولوجي ..الخ , لها تمظهرات عديدة ومختلفة , وسيكون لها تأثير على كل نظم الحياة العالمية ومن ضمنها النظام العالمي أو الدولي, ولا بد أنها تستدعي تغيير الكثير من المفاهيم الاقتصادية– السياسية – الثقافية والعلاقات البينية فيما بين المجتمعات , وهذا يتيح المجال للشعوب لإعادة تحديد وتعيين مركزها السياسي والحقوقي, على ضوء المتغيرات العالمية والإقليمية, والأمة الكردية تتطلع إلى تبوء مكانها اللائق بين الأمم , ولا بد أن ظاهرة العولمة ستفرض على الأطراف والدول ذات العلاقة , صياغات جديدة لطبيعة علاقاتها مع المجتمع الدولي, وكذلك على المستوى الداخلي للدول . ولا بد أن تكون هناك إعادة نظر في الدساتير والقوانين الداخلية ,لأن الدولة ذاتها كوظيفة , هي قيد التغيير , فمفاهيم مثل سيادة الدولة على أراضيها , وحريتها في التصرف الداخلي وعلاقة الدولة بمواطنيها وشعوبها , لا بد أن تكون قيد المراجعة , وإعادة الصياغة من جديد , والعولمة كظاهرة كونية تستدعي من وجهة نظري , ظهور نظريات جديدة في السياسة والاقتصاد والاجتماع  . ومفهوم المواطنية العالمية يظهر إلى السطح أكثر من أية مرحلة سابقة , فالشركات العملاقة ,لم تعد تعرّف ذاتها على أساس موطن نشأتها وكذلك الجماعات المعنية بالبيئة وحقوق الإنسان والسلم العالمي ..الخ , والعديد من المهمات التي لا يمكن مواجهتها إلا على الصعيد العالمي, تدفع باتجاه تشكيل هيئات دولية ذات صلة وصلاحيات عالمية , ففي المستوى الاقتصادي تنتقل الرساميل   بين بورصات العالم بسرعة الضوء , والمعلومة تنتقل بذات السرعة وتنتشر في العالم يتبعهما انتقال الأشخاص والبضائع والتكنولوجيا .. والقائمة تطول . كل هذه المتغيرات تعني أننا أمام نشوء عالم جديد بسمات ومفاهيم جديدة وفيما إذا كان للكرد موطئ قدم في العالم الجديد , ذلك يتوقف على مدى إمكانية تفهم الأمة الكردية لطبيعة هذا العالم الجديد ومواءمته والانخراط فيه . وحسب معرفتي بطبيعة الأمة الكردية , أعتقد أنها أكثر قدرة من الأمم المجاورة على الانفتاح والانخراط في المجتمع الإنساني العام , لامتلاكه إرثا تاريخياً في التسامح وقبول الآخر, وهذه ميزة ضرورية لمواءمة العلاقات التي بدأت تتكون في ظل ظاهرة العولمة. فأتوقع أن تتبوأ الأمة الكردية موقعاً ريادياً إقليمياً في انجاز المهمات التاريخية المترتبة في عالم ينتقل من نظام استعماري إلى نظام استثماري, إلى نظام تنمية مستدامة اقتصادياً – بشرياً – حضارياً ... الخ وهذا يقتضي الانفتاح على الآخر والقبول به , والمحافظة على توازن الحقوق .                            

 13-  يقول هنتغتون في كتابه  صدام الحضارات " إن الحرب العالمية القادمة – إن نشبت فستكون بين الحضارات" , هل هذا صحيح  ؟

 أعتقد أن هنتغتون هو الذي يرغب في أن تكون هناك صراعات وصدامات دائمة حفاظاً على تفوق الغرب و أمته الأمريكية المهددة بالاضمحلال في ظل العولمة , حيث أن الأمة الأمريكية أمة من المهاجرين الوافدين من كل بقاع العالم وهي في حقيقتها أمة غير موجودة كأمة في ظل تداخل العالم في العالم , فالأمريكي الأوربي يشعر بأوربيته والأسيوي بأسيويته وكذلك الأفريقي , ومن ثم ينقسم الأمريكيون إلى انتماءات أصغر , فذوي الأصول الأوربية ينتمون إلى أمم مختلفة , فهناك الانكليزي والفرنسي والايطالي ... الخ وكذلك الأسيويون والأفارقة. في الحقيقة ليست هناك أمة أمريكية , هي أمة مفترضة في أذهان هنتغتون وزملائه من دعاة القومية الأمريكية , وهو و زملاؤه القوميون أكثر معاداةً للعولمة والنظام العالمي المرتقب وهو يتهم العولمة بأنها  تخدم الأمم الأكثر تخلفاً في العالم – وهو محق في اتهامه – لذلك يبحث هنتغتون ويعمل جاهداً على اكتشاف صراعات جديدة , من أجل ديمومة أمته الأمريكية المزعومة لأن الحروب من وجهة نظره تخلق الأمم , أما عن افتراضه بأن الحرب العالمية إن وقعت فستكون بين الحضارات , فأنا لا أعرف أن في العالم أكثر من حضارة و أعتقد أن البشرية كلها تعمل على انجاز حضارة واحدة , هي حضارة الإنسان , أما الثقافات المختلفة هي طرائق متنوعة متعددة للسير نحو الحضارة , أما الحروب فلا تعبر عن الحضارة بل تعبر عن اللا حضارة , والبشر المتحضرون يفضون نزاعاتهم بالعقل والسلم , أما الحرب والقتل والتدمير هي تعبيرات اللا عقلانية المعيقة لتقدم الحضارة البشرية , أما الحرب العالمية فهي قائمة لم تتوقف , فهي حرب اللا عقل على العقل والإرهاب على السلم و الظلم ضد العدل واللا حضاري ضد الحضاري , والبشر يتوزعون بين جبهتي الحرب إن شاءوا أم أبوا . أرى أن الشعب الأمريكي يمكن أن يكون أمة حقيقية , عندما يلتحق بالأمة العالمية , فتكوينه كذلك , ولذلك فإن النخب الثقافية والسياسية والاقتصادية , تقف إلى جانب تسريع وانجاز مهمات العولمة ,عكس هنتغتون و زملائه الذين يعادون العولمة, بحجة أنها تساهم في هجرة الرأسمال من الدول الغنية إلى الدول الفقيرة , مما تساهم في تقليل فرص العمل لديهم , وانخفاض نسب النموالإقتصادي في مقابل ارتفاع نسبة النمو في دول فقيرة مثل الهند والصين وتركيا .. وغيرها متناسين أن هذه الرساميل التي تمركزت في الدول الصناعية , كانت قد هاجرت إلى الدول الرأسمالية من أطراف العالم , وعلى حساب فرص العمل لدى تلك الدول التي أصبحت فقيرة ابان النظام العالمي القديم , وإذا كانت العولمة تقتضي هجرة معاكسة , فلأن التوازن العالمي كان قد اختل اقتصادياً ,مما يهدد العالم بأزمات حقيقية تطال مختلف مناحي الحياة . 

 14- يقول الكاتب الألماني هنريك  بوردو  " أوربا كم أنت غارقة في المهادنة "  ويقول مواطنه ماتيوس دويبفنر " أوربا كم أنت جبانة "  ,هذه السياسة المعتدلة لأوربا تجاه الأنظمة , هل تشعركم  بعدم طمأنينة  ؟

 لا أظن أن أوربا مهادنة أو جبانة , وإنما ذاكرتها حافلة بمآسي الحروب وويلاتها , فقد دفعت أثماناً باهظة لمغامراتها العسكرية وطموحات قادتها المغامرين , ولا زالت الحرب العالمية الثانية , ماثلة بكل بشاعتها , في ذاكرة الأوربيين , وقد وعى المواطن الأوربي حقيقة الحرب , وأن ليس فيها منتصر ومغلوب , فالكل في الحصيلة من الخاسرين . ولذلك فإن أوربا تفضل الاستيعاب على الصدام والصراع , وكان حرياً بشعوب منطقتنا , المتاخمة لأوربا , الاستفادة من الدرس الأوربي , والعمل على تفادي الوقوع في فخ النزاعات الدموية لحل المشاكل العالقة , وبكل أسف لم تستطيع دول المنطقة بأنظمتها وشعوبها وحتى نخبها من الاستفادة من ذاك الدرس والحيلولة دون الوقوع في الحروب وعلى سبيل المثال لا الحصر لا تزال الأنظمة الحاكمة في تركيا وسوريا وإيران وبعض القومويين العراقيين , ترى أن بإمكانها حل القضية الكردية بالقوة وإسكات أمة بكاملها .

 أعتقد أن الجبن الحقيقي والساسة الجبناء هم أولئك الذين يفرون إلى العسكر لمواجهة مشاكلهم السياسية , بدلاً من التصدي لها بجرأة القادة الشجعان .  

15-  التحالف السني الكردي (في العراق ) هل هو بداية لمعادلات جديدة في المنطقة . كيف تقيمون بوصفكم سياسياً كردياً سورياً , سياسة الحزبين الكرديين في العراق   ؟

       من الطبيعي أن تكون هناك تحالفات بين الكتل البرلمانية في بلد ذو نظام برلماني يقوم على أساس التوازن بين السلطات مثل العراق الجديد. ومن الطبيعي أن تكون هذه التحالفات غير ثابتة وغير مستقرة , وأن تتغير تبعاً لتغير المصالح , ومن حق الكتل لبرلمانية – ضمنهم السنة والكرد – أن يحلوا تحالفات ويقيموا أخرى بدلاً منها , وأعتقد أن الحزبين الكرديين يبنيان علاقاتهما وتحالفاتهما مع الكتل النيابية الأخرى وفقاً لما تقتضيه مصلحة إقليمهم كردستان , وأجزم أن الحالة الكردية ستكون بخير طالما أن التحالف الكردستاني موحد وقوي ,أما فيما إذا كان التحالف السني/ الكردي العراقي مؤشراً لمعادلات جديدة في المنطقة , فأقول ليس بالضرورة أن يكون كذلك ,رغم أن الأوساط الإعلامية مهتمة جداً بالنية الأمريكية في تشكيل جبهة سنية مواجهة للجبهة الإيرانية الشيعية , فلا أعتقد أن للكرد مصلحة في تبديد تحالفاتهم الداخلية على أصداء المواجهات الإقليمية خاصة وأن تركيا السنية اليوم هي الأكثر خطراً وتهديداً لإقليم كردستان وللأمة الكردية قاطبة , ولكن إذا كانت الكتلة السنية أكثر تجاوباً مقارنة بالتحالف الشيعي مع حقوق الكرد ومع تطبيق المادة 140 فما العيب في أن يتحالف الكرد مع السنة , هكذا هي التحالفات البرلمانية .    

 16-  ما موقفكم من حزب العمال الكردستاني /PKK/ وهل فعلاً هو حزب إرهابي ؟

 رغم قناعتنا بأن القضية الكردية في كردستان تركيا لن ترى طريقها إلى الحل في النهاية إلا عبر المفاوضات و الطرق السلمية الديمقراطية . إلا أننا نرى أن سبب وجود PKK   والتجائه إلى الكفاح المسلح هو تعنت النظام التركي وإصراره على عدم حل القضية الكردية هناك بالطرق السلمية , وجنوحه نحو الحسم العسكري , وأن النظام التركي هو الذي يتحمل مسؤولية إزهاق أرواح الآلاف من الشبان الكرد والترك , وهو الذي يجب أن يُنعت بالإرهاب لكونه يمارس إرهاب دولة ضد شعب كردستان فهو كل يوم يقتاد قادة الشعب الكردي الذين يمارسون النضال الديمقراطي هناك , إلى المحاكمات والسجون  , ولم يسلم حتى البرلمانيون المنتخبون ديمقراطياً من اعتداءات أجهزة المخابرات التركية ومحاكمها العنصرية , فلو أن النظام التركي جنح للسلم , وأصر PKK  على الكفاح المسلح كان جائزاً وصفه كذلك , أما وقد أوقف الحزب من جانبه الحرب أكثر من مرة داعياً النظام إلى الحل السلمي , هو يدعوه دائماً إلى حل القضية الكردية , و يعلن استعداده للتخلي عن السلاح فيما لو أن النظام أبدى استعداده , للحل السلمي , فلا أحد يحق له أن ينعت الحزب بالإرهاب ويخلي ذمة النظام التركي , في الوقت الذي يدافع فيه الحزب عن قضية عادلة فيما النظام التركي يصر على إنكار حق شعب بأكمله في الوجود .  

17-  كيف تقرؤون  مستقبل سوريا القريب سياسياً  ؟

       سوريا تتأرجح بين العقلانية و اللاعقلانية تارة تسعى للمصالحة مع المحيطين العربي والدولي , راغبة في فك الحصار المضروب عليها , وأخرى تتمترس في محور العزلة مع إيران وحزب الله .  فعندما تسعى إلى المصالحة هي تدرك ما ينتظر محورها المذكور ولكنها في الوقت ذاته تدرك أنها عاجزة عن أداء فاتورة المصالحة مع المحيطين العربي الإقليمي والدولي بسبب ارثها من العلاقات المنسوجة مع أطراف إقليمية ضالعة في الإرهاب, والسياسات غير المرغوبة إقليمياً ودولياً وبسبب الفساد المستشري في مؤسساتها الداخلية.إن نظامها عاجز عن المصالحة مع الداخل , فسوريا اليوم عاجزة عن المصالحة لا مع ذاتها ولا مع محيطها .إن هذا العجز يزيد من تنازعها وتأرجحها بين النقيضين مما يزيد من تآكل إمكاناتها وخسارة أوراق إضافية .

إزاء هذا الوضع لا يزال النظام في سوريا يتوهم بإمكانية إعادة ترتيب أوراقه بالاعتماد على توازن القوى كما كان يفعل في ظل الحرب الباردة , فهو بحق نظام توازنات مارس هذه السياسية طيلة عقود في لبنان والمنطقة , فهو راهن على الاستفادة من الخلافات بين الأطراف , فتارة كان يراهن على الدور السوفياتي ثم الفرنسي وتارة الإيراني فالتركي ناسياً أن , كل تلك الأطراف إنما تعمل وفق أجندتها . المشكلة الكبرى هي ليست في رهانه على دول وقوى أخرى , فهذه سياسة , المشكلة تكمن في عدم مراهنته على شعبه و على إمكانات سوريا ذاتها , فهو غير مكترث بترميم الداخل ولا بمؤسسات الدولة  فكأنما الخارج هو مصدر الشرعية ,حتى المؤسسة العسكرية التي هي القاعدة الأساسية والركن  والحصن الحصين ,الذي خرج النظام منه وبه حكم .هذه المؤسسة دمرها الفساد والفوضى, من التفييش إلى الرشوات إلى السرقات ,هذه أمور باتت معلومة للقاصي والداني , وكأنما يريد النظام أن يعلن إفلاسه الداخلي , ليبقى مرتكزاً على أوراقه الخارجية ,على اعتبار أن جيش الفاسدين في الداخل لا يمكن الوثوق بهم , والاعتماد عليهم ,  وقد يكونون هم أدوات للمتربصين بالبلاد , أو المتربصين بالنظام ,فالفاسد لا يمكن الوثوق به . إن النظام بسياساته هذه يضع البلاد في طريق مجهول , تحفه المخاطر من كل حدب وصوب .

 
Link

News

Kdps

Gotar

W๊ne

Stran

T๊kil๎

أتصل بنا

أغاني

صـور

مقالات

ك.د.ب.س

أخبار

مواقع الكترونية