مواقع أخرى     أخبار   ك.د.ب.س   مقالات   صور   أغاني   أرشيف   أتصل بنا          link   news   kdps   gotar    wêne   stran   arshiv   têkilî

  

يَـداكَ أَوكَـتـا وفـُوكَ نَـفََـخْ ...ياصدّام!؟.

   نـوري بـريـمـو

  * جريدة الصباح الجديد

 المتتبع للأساليب العسكريتارية التي كان معمولٌ بها مِنْ قِبَل الأنظمة السياسية المتناوبة عنفياً على مقاليد الحكم في معظم بلدان منطقتنا الشرق أوسطية والعديد من دول العالم طوال عقود القرن الماضي...!؟، يتوصل إلى قناعة شبه أكيدة بأنّها لم تكنْ سوى عمليات إغتصاب للسلطة وفق قنوات وفبرَكات إستخباراتية إتسمَتْ بطبائع شمولية لا ديموقراطية وغير شرعية...!؟، رغم محاولة بعض الأبواق تجميلها عبر توصيفها بمختلَف النعوت الزائفة كـ (ثورة شعبية، حركة تصحيحية، حكومة وحدة وطنية، تيار إستقلالي، طليعة عقائدية...إلخ)...!؟، فقد كانت معظم الأطقم ((الصاعدة ـ المنتصرة)) تنتظر أية فرصة مباغتة كي تستولي على كرسي الرئاسة عبر إتناهج منطق الغزو والإغارة والعربدة الأمنية وهدر دماء سابقتها ((الساقطة ـ المهزومة)) سواءً بقتل رئيس الدولة المخلوع أو بإعتقاله مع حاشيته لمدى الحياة أو بتجريدهم جميعاً من كافة حقوقهم وملاحقتهم ونَفيهم خارج البلاد...!؟، أي أنّ ظاهرة السلطنة من خلال التنكيل بالقيادات المنهزمة بلا أية محاكمة قضائية حتى ولو كات صورية، قد كانت تقليداً شبه متكرّراً أوموضة دارجة في بلداننا التي لم تتعم شعوبها يوماً بأنوار ثقافة التداول السلمي الحضاري للسلطة كما جرت العادة والعُرْفْ في البلدان الديموقراطية...!؟، ليس هذا فحسب لابل إنّ الفئة القادمة إلى دفة الحكم كان لا ينتابها الشعور بنشوة الإنتصار أو اللذة السلطوية إلا عندما تتخلّص نهائياً من أقطاب السلطة الراحلة وتتربّع على أنقاضها...!؟، في حين نجد أنّ تجربة العالم الديموقراطي قد أثبتت وتثبت يوماً بعد آخر بأنّ هكذا أساليب لا قضائية في التعامل مع الآخر تبقى ضارّة ولن تجلب سوى الأذية لحقوق الإنسان في البلد المعني...!؟، والأمثلة كثيرة في هذا المجال لكننا سنتطرّق إلى عدة نماذج قد تكون خير شاهد على ما ندّعيه.

فالبلاشفة مثلاً فتكوا بلا أية محاكمة تُذْكَر بكل القياصرة الذين دافعوا عن أنفسهم وحصونهم ووقفوا في وجه الثورة الشيوعية التي دكّت بنفوذهم في روسيا...!؟، أما دول التحالف التي فازت بنتيجة الحرب العالمية الثانية فلم تفك حصارها عن برلين إلا حينما تأكدت من خبر إنتحار هتلر أو إختفائه من الوجود الألماني والعالمي...!؟، وفي باكستان لم يصغي الجنرال ضياء الحق لكل نداءات العالم ولم يهدأ باله إلا عندما أقدم على إعدام الزعيم الوطني ذوالفقار علي بوتو...!؟، وفي رومانيا لم يعطِ المطيحون بالرئيس الأسبق نيكولاي تشاوتشيسكو أية فرصة لمحاكمته كرئيس دولة وإنما جرى نحره مع زوجته في القصر الرئاسي...!؟، وفي اليابان لم يتركوها وشأنها إلا بعد أن قصفوا مدينتي هيروشيما وناغازاكي بالقنابل الذرية المحرّمة دولياً،...وفي...، وفي...، وإلى ما هنالك من الفيّات والوفيّات التي قد يتم إعتبارها لطخات عار في جبين البشرية بعد أن يتم تحضّرها لاحقاً...!؟، بينما وجدنا كيف إنقلبت الآية مؤَخَراً في كثير من الأنحاء حينما جرت محاكمات علنية دولية لكل من طاغية يوغسلافيا: سلوفودان ميلوزوفيتش المنتَحر في زنزانته وديكتاتور التشيلي: بينوشيه المتوفى أثناء خضوعه للعدالة...، وغيرهما من الرؤساء الذين تم التعامل معهم وفق القانون رغم سجلاتهم المكتظة بالمظالم البشرية وجرائم الحرب والإبادة الجماعية.

وفي سوريا التي يهمنا شأنها السياسي العام لكوننا مكوّن أصيل محروم فيها من أبسط حقوقه القومية والديموقراطية...!؟، فقد رافقت كل التقلبات الحاصلة فيها أنهر لا بل بحور من الدماء البشرية...!؟، بدءاً بحقبة الخمسينات من القرن الماضي المشهورة بالإنقلابات المتلاحقة...!؟، ومروراً بإطاحة البعث بعهد الإنفصال الرجعي عام 1963 وإنقلاب البعث على البعث نفسه عام 1965...!؟، وإنتهاءً بحركة الرئيس حافظ الأسد التصحيحية التي زجّت بالرئيس نورالدين الأتاسي وأعوانه في المعتقَلات والسجون حتى وفاتهم جميعاً دونما أية مقاضاة...!؟.

أما في العراق الذي هو موضوع مقالتنا هذه فحدّث بلا حرج...!؟، خصوصاً وأنّ تاريخه القديم ـ أي قبل الحكم الديموقراطي الفدرالي الحالي ـ يشهد بأنّ سجلّ تداول السلطة فيه يكاد يخلو مِنَ أية مسلكية سلمية لدى فتح ملف التعامل مع الرؤساء والملوك المهزومين ماضياً...!؟، لكنّ تقديم الدكتاتور صدام إلى القضاء العراقي بشكل علني عبر شاشات التلفزة الفضائية وأمام أنظار الرأي العالم المحلي والعالمي...، لهوَ خيرُ شاهدٍ وسابقة على أنّ العراق الجديد قد أضحى يخوض مرحلة سياسية مغايرة تماماً لسابقتها البعثيوية التي كان يندى لها جبين البشرية، فصدام لم تلحقه أية أذية في زنزانته قبل أن تُصدر محكمة الجنايات العليا حكم الإعدام بحقه...!؟، علماً بأنّه لم يستثني أحداً من أذاياه وبلاويه التي حوّلت بلاد الرافدين إلى مملكة مرعبة وشهيرة بلقبور الجماعية التي وسِعَتْ تربتها لكل من خالف زمرة البعث في الرأي...!؟.

ورغم هكذا تعامل دستوري محاكمي عادل ناله صدام دون أن يستحق ذلك...!؟، إلا أنّ المؤسف في الأمر هو إنبعاث أصوات سلبية كثيرة من هنا وهناك وخاصة من خارج العراق تباكتْ ولاتزال تتباكى على إعدامه الذي نال رضى أكثرية شعب العراق المكتوي بنيران النظام البائد...!؟، وهذا إن دلّ على شيئ إنما يدلّ على أنّ هؤلاء المتباكون يحلوَ لهم أن تستمر عجلة التاريخ في بلداننا كما تتطلّبه مصالحهم الذاتية التي تقتضي إستلاب حرية وحقوق الإنسان والشعوب...!؟، وإنّ أبسط ما يمكن أن يُقال عن أصحاب هكذا عقليات عفنة هو أنهم يفتقرون إلى الثقافة الديموقراطية القادمة إلى ديارنا رغم أنف المتضررين من نتائجها وتداعياتها الإنسانية النبيلة.

إنّ تنفيذ حكم الإعدام شنقاً بصدام في نفس المكان وبنفس تلك  الحبال التي أعدم بواسطتها مئات الآلوف من بنات وأبناء العراق المقهور سابقاً والجريح حالياً...!؟، قد أسدل الستار على إحدى أشدّ الحُقَبْ الظلماء في عالمنا المعاصر...!؟، لأنّ المشهد بمجمله قد يصبح بداية مكاشفاتية جريئة لمحاكمة أي نهج (شوفيني ـ فاشي) يتحكم بمصير شعوب أية بقعة في معمورتنا.

وبهذه المناسبة لا يسعنا سوى أن نؤكد للقاصي والداني بأنّنا ككورد لسنا قوماً شمّاتون بالأموات مهما كانوا أندّاء لنا...!؟، لأننا نؤمن بأنّ  الموتى لا تجوز عليهم سوى الرحمة...!؟، وصحيح أنه كما يقال: إذكروا محاسن أمواتكم...!؟، لكنّ الطاغية صدام لم تكن له أية محاسن تُذكر...!؟، فقد تخطىّ إبّان حكمه الدموي كل القوانين الوضعية والأعراف البشرية والشرائع السماوية و...إلخ...!؟، لذلك نعطي الحق لأنفسنا ونقول لهكذا جلاد طغى بلا رحمة: يَداكَ أَوكَتا وفُوكَ نَفََخْ...ياصدّام!؟، إذ يبدو أنّ الرجل كان يسعى منذ بدايات مسيرته الجبروتية عن حبل المشنقة الذي لم يكن يلفُّ حول عنقه لولا طغيانه الجنوني على البلاد والعباد ودول الجوار...!؟.

أما فيما يتعلّق بهذا القول المأثور الذي أوردناه في هذا المجال فقد كان يجري تداوله بشيوعة وسط الأعراب الأولين...!؟، والحكاية هي أنه ذات يوم...، صَادَفَ أنْ مَرّ أعرابيٌّ عارِف أوعرّاف زمانه...، بقرية واقعة على مقربة من نهرٍ غزير، وعندما إقترب من الموقع رأى جموع الأهالي محتارين محتشدين حول جثة هامدة لرجلٍ قذفت بها الأمواج العاتية على الضفاف بعد أن مات صاحبها غرقاً...!؟، وحينما سألهم عن سبب حيرتهم وإرتباكهم في أمرِ غريقهم...؟!، أجابوه بأنهم يبحثون عن حكيم قد يرشدهم إلى الجاني الذي إرتكب جرم الغرق...!؟، فلم يجد ضيفهم أمامه مِنْ بُدٍّ سوى التعريف بنفسه وأعطى الحقّ لنفسه بالبحث الجنائي عن أدوات وآثار الجريمة، وبعد جهدٍ جهيد...، عثرَ الرجل على قُرْبة ماءٍ فارغة ورباطٌ قماشي محلول وعصى مرمية بالقربِ مِنَ الجثة...!!؟؟، وبدون أي عناءٍ في التفكير بادر الحكيم (عابر السبيل) بالقول مخاطباً الجثة: يداكَ أوكتا وفوكَ نفخ ياهذا...!؟، ثمّ توجه إلى أهله قائلاً: إنّ فقيدكم قد جنى على نفسه بنفسه عندما أراد عبور النهر راكباً هذه القُرْبة التي نَفَخَها بِفَمِهِ لكنّ يداهُ خانَتهُ حينما لم تشدّا رباطها بإحكام...!؟، عليه رحمة الله إدفنوه فوراً...!؟، فإكرامُ هذا الميت هو دفنهُ دون توجيه أية تهمة لأية جهة لأنّ ضحيتكم هو الذي أفنى نفسه...!؟.

في الختام نتساءل بقصد التذكير والمنفعة المتبادلة: هل في سيرة صدام الشنيق وفي حكاية الإعرابي الغريق وفي معاني هذا القول المأثور أية موعظةٍ لأي حاكم جائر...؟!، أم أنّ البعض من حكامنا لا يزالون بحاجة سكرى إلى مزيدٍ من الدروس والمواعظ والحكايات والتجارب والمقاصل والمشانق و...إلخ؟!، على كل حال لابد من القول: العِبْرةُ لِمَنْ إعتبَر وإسترشَد...!؟، وأيضاً: كلُّ شاةٍ معلّقةٍ بعِرْقوبها...!؟، ...وإلى لقاء آخر في مشهدٍ قضائي آخَر لإعدام جلادٍ آخر...!؟، ويداً بيد على طريق إسقاط ديكتاتورياتنا لإعتاق شعوبنا ودمَقرَطة بلداننا.

=============================================

* الصباح الجديد:  جريدة (يومية، سياسية، مستقلة)، تصدر في بغداد، العدد (758)، الأربعاء /10/1/2007 م.