|
تركيا والوهم القاتل
عبدالوهاب طالباني
اكدت الانباء التي تسربت بعد عودة السيد
رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي من تركيا انه ، اي رئيس الوزراء
رفض مقترحا من رئيس وزراء النظام التركي اوردوغان بخصوص تمديد
الاتفاقية الامنية التي وقعها النظام الدكتاتوري السابق مع النظام
التركي ، بعد ان طلب اوردوغان ، حسب- سوبر نيت- (تسليم تركيا 150
شخصا قيل انهم مطلوبون من تركيا ، وحسب الانباء ان الجانب العراقي
اكد ان غالبية هؤلاء الاشخاص غير متورطين في اعمال جنائية او
ارهابية وليس لدى تركيا معلومات كاملة بشأنهم). كما تناهت الى
الاسماع بأن رئيس الوزراء العراقي اسمع مضيفيه الاتراك كلاما لم
يستحسنوه بخصوص كركوك والمادة 140 كونها قضية داخلية . بالتأكيد ان
هذه المواقف ان صح ان السيد نوري المالكي اتخذها ازاء تعنت الحكومة
التركية ومطاليبها الغبية وتدخلاتها السافرة في الشأن العراقي
وخصوصا فيما يتعلق بكوردستان ، اقول ان هذه المواقف تعتبر نقاطا
مضيئة لصالح التعامل الايجابي مع حكومة السيد المالكي التي تتعرض
الان الى ضغوطات شديدة ودموية من قبل العصابات الارهابية من
التكفيريين والصداميين والعروبيين ومن مجرمي القاعدة ، التي
تغذيها دول الجوار العراقي العربية وغير العربية بصورة مباشرة او
غير مباشرة .
ولكن هناك في الاجندة التركية مسائل اخرى يبدو انها اخذت شبه اذان
صاغية من قبل الجانب العراقي، ومنها مسألة تصفية او اغلاق مخيم
مخمور للكورد المهاجرين من شمال كوردستان ، والهاربين اساسا من
القمع والسياسة الفاشية التركية المتبعة بحقهم ، والبالغ عددهم
حوالي 12000 شخصا ، فالاتراك يريدون غلق هذا المعسكر ، وحسب
الانباء انهم يريدون كذلك تسليم سكانه الى السلطات التركية ،
والمعروف ان هؤلاء اللاجئين انفسهم طلبوا في تموز عام 2005 حينما
التقى وفد منهم بوزيرة الهجرة انذاك تأمين عودة اعداد منهم الى
ديارهم في شمال كوردستان ( جريدة المؤتمر ، العدد 878 27 تموز
2005) ، اي انهم ابتداء ليسوا في وارد الاصرار على البقاء تحت
الخيام الى مالا نهاية ، ولو انه وحسب قناعتي ، حينما يسكنون مخمور
فأنهم يسكنون في بقعة هي جزء من وطنهم في جنوب كوردستان وهو وطنهم
كما هو شماله ، وقوميا ، وبغض النظر عن الحدود الدولية المصطنعة
التي قسمت كوردستان ، فليس من حق احد ان يقول لهم ارحلوا من هنا ،
ولكنهم يفهمون غدر الواقع الذي صنعته المنافع الدولية القذرة
فيتعاملون مع الواقع المر بكل عقلانية.
كما ان هناك قناعة ثابتة وراسخة بأنه لا يمكن ان يتعرض هؤلاء
الكورد اللاجئون العزل لاي اذى ويقف على رأس القيادة في كوردستان
السيدالرئيس مسعود بارزاني وحكومة اقليم كوردستان وممثلي قوى شعب
كوردستان السياسية.
ولكن هل من الصحيح ان يترك الامر هكذا ، يجري الحديث العراقي في
تسليم الضحية الى الجلاد حسب بعض الاراء والتمنيات العراقية
الغريبة المنشورة هنا وهناك، وكلنا نعلم تاريخ النظام التركي في
عداوته غير المبررة للشعب الكوردي ، ذلك النظام العرقي الشوفيني
الذي يبني فلسفته على المقولة العنصرية الشهيرة لاحد رموز
الطورانية القائل ( لو بنى الكورد فوق القمر ملاذا لهم للاحقناهم
هناك ايضا!).
لماذا يا ترى لا يفكر بعض الساسة العراقييين المندفعين لاخراج
اللاجئين الكورد من ديارهم للتحرك ضد عشرات الالوف من الاجانب من
رعايا الانظمة العربية والاسلامية المتورطين (ليس كلهم بالتأكيد)
في الاعمال الارهابية وتمتليء بهم السجون والمعتقلات ، ويعيدونهم
الى الدول التي اتوا منها في هذه الظروف على الاقل ، ثم هل ان
التدخل التركي سيتوقف لمجرد اغلاق مخيم مخمور ؟ من السذاجة جدا اذا
تصوروا ان هذا سيحصل .
ومن هنا فأن المطاليب التي تقدموا بها الى اللجنة المكلفة بدراسة
الية اعادة هؤلاء اللاجئين الى ديارهم ، تعتبر اقل ما يمكن ان
يطالب بها مجموعة من البشر هربت من نظام مشهود له باقامة المذابح
دون وجل او خشية من اي قصاص او نظام دولي يمنعه من ذلك السلوك
المشين الملتصق به منذ تأسيسه والى الان.
ان تحقيق تلك المطاليب والتي نشرتها وكالة به يامنير الكوردية عن
اهالي مخيم مخمور تعتبر حقا مشروعا و صراحا لهم ، فهم طالبوا :
اولا : اصدار عفو عام عنهم ( مع العلم انهم الضحية ولكن مع ذلك
يطالبون من جلادهم اصدار عفو عام عنهم!).
ثانيا: ضمان حقوقهم الديمقراطية والقومية مثل حق اولادهم في
الدراسة بلغتهم الام اي بالكوردية
ثالثا : ضمانة دولية لسلامتهم.
فهل هم يطلبون المستحيل؟
في العرف الانساني السليم ، وفي العرف الديمقراطي ووفق شرعة حقوق
الانسان (التي وفق المنظور التركي ليست الا خرقة حقوق الانسان) يجب
ان تكون هذه الحقوق محفوظة ومكفولة لكل انسان ، ولكن هل يستطيع
ممثل الامم المتحدة وممثل السفارة الاميركية اللذين حضرا الاجتماع
ان يضمنوا هذا الشيء اليسير من الديمقراطية والحقوق لبشر كل ذنبهم
انهم ليسوا اتراكا ويفهمون ان من حقهم ان يعاملوا مثل البشر وليس
كالحشرات كما تفعل تركيا بهم. وع كل هذا يناطح الساسة الترك الجدار
الحضاري الاوروبي متمنين خرقه و الانضمام الى الاتحاد الاوروبي
الذي لا يمكن ان يقبل جسما غريبا متعصبا كالنظام التركي.
اما ان تتهم تركيا هؤلاء بأنهم اعضاء في حزب العمال الكوردستاني ،
فهذا وحسب الكثير من المراقبين شيء من المستحيل ان يستطيع النظام
التركي تثبيته او تأكيده ، وحتى لو افترضنا ان كل اعضاء حزب العمال
الكوردستاني انتهوا في كارثة او ابتلعتهم الجبال اوقضوا كلهم في
وباء طاعون ، فسيظل النظام التركي يلاحق الكورد الباقين ، اذ ان
ذريعة مكافحة الارهاب المتجسد في الانسان الكوردي حسب النظرة
العنصرية التركية اصبحت الهواء الذي يتنفسه النظام التركي من اجل
تحقيق وهم لن يتحقق ابدا ، وهو القضاء على الحركة الوطنية
الكوردستانية ولا يهم اين تكون هذه الحركة ومن يقودها ، ومن وجهة
نظر النظام التركي فأن الكورد كلهم ارهابيون والسبب هو عوامل
عنصرية واقتصادية وكابوس ذاكرة تاريخية لا يستطيع الترك المتعصبون
التخلص منها... . فحينما يتحرر الترك التقدميون و الاحرار من
كوابيس الماضي ومن روح المكابرة الفارغة ، وهم قلة مع الاسف ، يظل
هؤلاء المتعصبون و منهم حكام تركيا الحاليين تواقين الى الظلام
ويعمي نور الحرية والديمقراطية والمساوة والسلام ابصارهم.
|