|
رؤية
كردية
حيال تخوفاتٍ علوية وتصوراتٍ سنية
تجاه مستقبل سوريا

بقلم: إبراهيم حمو هاواري
8.1.2007
المدير
المسئول في مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والإستراتيجية،
السيد زهير سالم يرد بطريقته على حزمة من الأسئلة والإستفسارات،
التي طرحها أحد الكتّاب العلويين - وهو من الجيل الثاني - على أهل
السنّة، بغية رسم السيناريوهات المحتملة لمستقبل سوريا، في مقال له
نشر باللغة الإنكليزية على موقع
"سيريا كومنت" تحت عنوان "
ماذا يعد أهل السنة للعلويين؟"
سؤال قد لايروق منذ الوهلة الأولى
للعديد من
أهل
السنة، وبخاصة أولئك الذين يقفون على تفرعاته كما جاءت في متن
المقال، وحتى نضع القارئ الكريم في جو الموضوع لابد لنا أن نوجز
القول في الإستفسار وفيما رد عليه في آن واحد، ثم لنطرح رؤيتنا
أيضاً للمناقشة.
في البداية يحاول الكاتب العلوي قدر استطاعته، أن يشرح لنا
التركيبة السلطوية الحاكمة في سوريا، والتي تتمثل في فئة من
الطائفة العلوية ومعها متنفذون من كل الطوائف السورية با سم حزب
البعث، تتحكم بهم عائلة الأسد، وبالسيطرة من خلالهم على المناصب
العليا في الجيش والأمن، ولايخفي الكاتب امتعاضه من مساوئ هؤلاء
وما ألحقوه بمختلف مكونات الشعب السوري من مظالم ومن معناة، حيث
يرى أن تبعات ممارساتهم وسياساتهم السيئة
ستنعكس مستقبلاً بشكل سلبي على الطائفة العلوية نفسها، لذا يتساءل
قائلاً: لماذا لايفعل العلويون شيئاً لتفادي الكارثة؟
غير أنه في معرض تحليله لهيكلية السلطة وتركيبتها العامودية التي
أسس لها الرئيس الراحل الأسد الأب،
يكاد يجزم بأن تغييرها في غاية من الصعوبة إن لم نقل مستحيلاً إلا
بإحدى هاتين الطريقتين.
الأولى- بانقلاب عسكري يقوم به جنرال علوي ( لأن ضباط السنة
والدروز ليس في وسعهم القيام به فالمراكز الحساسة جميعها بأيدي
الضباط العلويين حسب رأي كاتب المقال).
الثانية- بطوفان عارم (إنتفاضة شعبية
كاسحة
) وهي
بلا شك ستكون وخيمة على الجميع، ولاأحد يسطيع التنبؤ بنتائجها
ولابمرساها بشكل صحيح.
فالطريقة المثلى لديه إذاً هي الأولى، ولكن لن يحدث هذا بسهولة
بسبب تخوف العلويين من مستقبلهم، ولهذا يطرح الكاتب جملة من
الأسئلة بصراحةعلىسنة العرب والأكراد الذين يطالبون بفظاظة إزالة
الحكم العلوي، ويريد أن يسمع إيجابات صريحة عليها .
1-
ماهي
خططكم تجاه عشرات الألوف من العلويين العاملين في الجيش وأجهزة
الأمن؟.
2-
ما هي
خططكم تجاه الحرس الجمهوري والقوات الخاصة هل سيطردون ويرمون في
الشارع على الطريقة الأمريكية ؟ ام ماذا؟.
3-
ماهي
خططكم تجاه عشرات الألوف من الموظفين العلويين والشركات العلوية
الوهمية؟.
4-
هل
ستوقفون المشاريع الإصلاحية في المنطقة الساحلية ؟ كما فعلوا
بمنطقة الجزيرة.
5-
هل
ستعيدون الأراضي المصادرة إلى أهاليها؟.
6-
هل
ستطالبون بمحاكمة المسئولين الأمنيين على أعمالهم خلال سنوات 35
الماضية؟.
7-
هل
ستحاكمون النخب السنية أيضاً بنفس المعيار؟.
وجاء رد السيد زهير سالم عليها مسهباً وهو بلا شك يعكس تصور إخوان
المسلمين لسوريا الغد التصور الذي نحترمه على أية حال، سواء تقاطعت
مفرداته مع رؤانا أم اختلفت، والذي يتلخص في أن الإجابة تكمن في
هذا السؤال : كيف يصنع العلويون مستقبلهم الوطني؟. عليهم المباشرة
بالمساهمة الفاعلة في عملية التغيير المنضبطة، والتبرئة من مساوئ
النظام قبل أن يأتي التغيير بفعل الإنتفاضة الكاسحة، والتي قد تخرج
عن نطاق السيطرة والتوجيه، وندد بالإمتيازات التي يطلبها
العلويُّون مقابل مشاركتهم في عملية التغيير، ويضيف ولايمكن أن
يكون في دولة السواء الوطني مكان لسياسات استئصال أو إقصاءأو تجويع
أو تهديد بالرزق أو حرمان من فرصة العمل. ولايمكن في دولة القانون
أن تحمل وازرة وزر أخرى(لاأحد يحاسب على جرائم غيره)وعندما يكون
القانون عادلاً والقاضي نزيهاً والمحكمة دستورية فلا يخاف من سيادة
القانون إلا المجرمون. ويتعرج الأستاذ زهير سالم على حقوق الجميع
ومنهم الأكراد ويضمنها في سواء المواطنة.
كان هذا لب الموضوع الذي نحن بصدد إبداء وجهة نظرنا حياله (كإنسان
كردي يعنيه الأمر كما يعني أي مواطن سوري آخر علوياً كان أم سنياً
،درزياً كان أم إيزيدياً، كلدانياً كان أم سريانياً عربياً كان أم
كردياً أو من أي مكون آخر ) من جهتنا نرى أن تناول مسألة حساسة
كهذه، يتطلب قدراً كبيراً من الجرأة والموضوعية والصراحة التامة
البعيدة عن الإنحياز المستند على العاطفة غير المنضبطة، وإلا
فالأحكام سوف تأتي هي الأخرى بعيدة عن جادة الصواب ومبادئ العدالة،
التي نحن بأمس الحاجة إليها بعد تلك السنوات العجاف من حكم الطائفة
والفرد والعرق، الأمر الذي أدى إلى ضياع الحقوق، وفقدان الأمان
على الأنفس والأعراض والعقيدة والأصل والأموال والحريات التي
كُرِّم بها بني الإنسان.
لن
تأتي أحكامنا صائبة منطقية عادلة إن لم نضع أنفسنا جدلياً في مواقع
الآخرين، الذين نطلق أحكامنا بحقهم، وفي مسألتنا هذه على الجميع أن
يتقمص ذوات الجميع، ولابد أن يتساوى بين القوي والضعيف، بين القوي
بإثنيته، القوي بنفوذه، القوي بعدده، القوي بماله، القوي بجسده،
وبين الضعيف في كل ذلك، وإلا فلا يعدو الأمر شريعة غاب، يأكل القوي
فيها الضعيف، كما هوالحال تماماً في سوريا اليوم، وكما كان في عراق
الأمس، وفي إيران وتركيا ومناطق كثيرة من العالم، ويترتب على ماسبق
في حالتنا السورية المستقبلية، أنه لابد من شد أناس إلى الأسفل،
ورفع أناس إلى الأعلى لتصبح سويتهما متقاربة، وهذا يستوجب معاقبة
الظالم وإنصاف المظلوم دون شطط،، وإعادة الحقوق إلى أصحابها،
بعيداً عن روح التشفي والإنتقام والمغالاة.
ومن هنا تأتي أهمية رؤية الآخرين كما هو واقع حالهم، لاكما نتصور
ونحب مثلما ينبغي أن يكونوا عليه، دينياً مذهبياً عرقياً سياسياً،
وهي رؤية تتنافى أصلاً مع الإختلاف الذي وجد عليه الخلق، وبالتالي
تتعارض مع نواميس الحياة، وإبداعاتها، فإذا التقينا جميعاً عند هذه
الحقيقة، فلن يسمح العلوي لنفسه إقصاء السني، كما حدث في الحقبة
الماضية، من تاريخ سوريا، ولن يفكر السني باستبعاد العلوي أو
السمعولي أو الدرزي أو أصحاب أي دين أو أي مذهب آخر كما كان يحلو
الأمر للبعض سابقاً ، ولن يفكر العربي بإقصاء الكردي وتغييبه عمداً
عن مسرح القرار أو عن جذوره العرقية، كما حدث في الماضي البعيد
والقريب، وهي ممارسات تتنافى نصاً وروحاً مع تكريم الله للإنسان(
ولقد كرمنا بني آدم) بل بمثابة إعلان حرب على سنن الله في خلقه
وعلى حكمته وإرادته.
إذا أردنا أن نعالج المرض من جذوره، فلا بد من تشخيصه أولاً
تشخيصاً دقيقاً وسليماً، وتبيان جميع أسبابه وعوارضه بكل أمان
وموضوعية، وإلا نكون قد جانبنا سبل الحل سواء بقصد وهو اقتراب من
الجريمة، أو بدون قصد وهو جهل قاتل، ولامبرر لكلا الأمرين في
المسألة المعنية لحالتنا السورية. وهي حالة مزمنة لاتحتمل أي خطأ
أو إهمال، فحل الأزمات يكمن في مجابهتها بمصداقية وبعقلانية،
لابالتستر والتغطية عليها، أو وضعها على الرف أو تصديرها.
قبل الإجابة من جانبنا على تساؤلات الأخ العلوي الآنفة، لابد من
الرجوع قليلاً إلى آراء الأستاذ سالم وإيجاباته، حول موضوع البحث
المطروح نفسه ومحاورته فيما طرح وأفاد، حيث يؤكد أن الحقوق في دولة
القانون ستكون محمية، وفي ظلها وظل قاضٍ نزيه لايخاف إلا المجرمون،
وهذا لانختلف معه، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا، هو: أي
قانون تعنيه ؟ هل هو القانون الذي يراه شيخ الإسلام إبن تيمية ؟
أم القانون الذي حارب به شيخ الجبل العلوي صلاح الدين الأيوبي ؟
أم قانون التشيع الذي أصبح له صولات وجولات في سوريا بعد أن فتح
لهم أسد دمشق ذراعيه واستقبلهم بالأحضان، وأفاض عليهم من خيرات
سوريا الجزيلة، وأكرمهم بالجنسية السورية في بضعة أيام ؟ بينما
مئات الآلاف من السوريين الأكراد، سحبت منهم هذه منذ قرابة من نصف
قرن وهم يعيشون في سوريا البعث، عيشة القرون ماقبل الوسطى، أم يقصد
أستاذنا الكريم بقانونه هذا قانون دولة الخلافة الأموية والعثمانية
؟ أم قانوناً مدنياً علمانياً يفصل الدين عن الدولة ؟، وأي لغة
يجعلها أستاذنا الكريم لغة الدولة الرسمية ؟ وماذا يكون مصير
اللغات الأخرى ؟، وهل تعتبر سوريا عندئذ جزءاً من الوطن العربي أم
لا ؟، وهل نظام الحكم سيكون مركزياً لتعود الديكتاتورية من جديد،
ما أن يرى الحاكم نفسه قد تمكن( إن الإنسان سيطغى أن رآه استغنى )
صدق رب العزة ؟. أم سيكون فدرالياً لامركزياً لتتحقق العدالة في
أبهى صورها ؟. لاأظن أن الإجابة على هذه الإستفسارات الملحة
وغيرها كثير، تكمن جميعها في سواء المواطنة، فلا بد إذأ أن نفتح
قلوبنا دون تزمت ديني مذهبي، أو تعصب قومي أعمى، لآراء جميع
السوريين بغض النظر عن العدد واللون واللغة والعرق والدين والمذهب،
هذا إن كنا ننشد حقاً عدالة تحقق أمناً وعزة ومجداً، ليغدو
السوريون جسداً متراصاً، في مجتمع متماسك لاغل فيه ولاحقد
ولاكراهية ولاحيف، أما إن كان يظن كل منا أنه قد أوتي الحكمة كلها،
وتصوراته هي الصائبة، وماسواه خطأ كله ولامجال للأخذ والرد معه،
فعندها ليختار كل منا كوكباً في السماء، وليؤسس لدولته هناك كما
يشاء، فالعدل أساس الملك أيها الأعزاء، ولاينبغي أن نفرض تصوراتنا
حياله على الآخرين الذين يختلفون معنا في الرأي، فالعدل الحقيقي هو
الذي نشترك فيه جميعاً لوضع قواعد أسسه وأركانه، ودون ذلك فلاعدل
يبتغى ولاحياة متجانسة مشتركة تقوم.
أما بالنسبة لأخينا الكاتب العلوي الذي تفادى ذكر إسمه الحقيقي،
فنقول له كما قال أخونا زهير سالم فلا تزر وازرة وزر أخرى، فأنت لن
تؤخذ بجريرة أبيك ولكن شريطة أن تتبرأ من أفعاله ومن تصرفاته
السلبية، وأن تعيد حقوق الناس إليهم إن عاد الأمر إليك، بل لابد أن
تجابه أباك وأخاك وابن عمك إن كانوا قد نهبوا وقتلوا وسلبوا أو
سرقوا، وإلا كيف تتصافى القلوب، وتبرأ الذمم وتحل المحبة محل
الضغائن والكراهية والأحقاد، إنني ككردي أفترض أنني أعيش معك في
دولة واحدة ( رغم أني غادرت بلدي مرغماً منذ أكثر من سبعة عشر
عاماً بسبب الحيف الذي لحق بنا من قبل أركان الحكم) وأنا كمثا ل
لاأكثر! كيف تريدني( أنت كمثل) أن أنسى الماضي بهذه السهولة ولم
تمكنني من ممارستي حقوقي كاملة بعد، فما الذي يزدك عني ؟ فأنا وأنت
سواسية في الإنسانية، فلماذا تعيش وأهلك في بروج عاجية مستفيداً من
خيرات أرضي التي أسميها كردستان( حقول النفط والأراضي الزراعية
جميعها تقع في منطقة الجزيرة وهي جزء من كردستان كما أن أردن جزء
من عربستان) وأتضور أنا وأهلي وقومي جوعاً، ونعيش علىالكفاف وشغف
العيش، أو أن ترى أباك أو أخاك أوإبن عمك ضابطاً كبيراً في الجيش
أو وزيراً أو مديراً في مؤسسة ما، وأنا لاأرى أقربائي ولاأبناء
قومي إلا جنوداً، أو عما ل مياومة، أو رعاةغنم وتأتي بعد ذلك
تطالبني بالإمتيازات لطائفتك، وتجعلني أمام أحد الخيارين أحلاهما
مر، إما أن أجيبك إلى طلبك، وإما أن تبقى أنت حارساً أميناً لحماية
عرش السلطان إلى الأب، ماهكذا يمهد لبناء العدل والعيش السوي
المشترك أيها الأخ الكريم، والتاريخ يثبت أن الظلم لايدوم فإن كان
للطغاة جولة، فلأصحاب الحق ألف جولة، ولنا من التاريخ البعيد
والقريب لعبرة، ولكن مايمكن أن يثلج الصدر، ويخفف الحنق، ويسقط
القصاص عن المجرمين، هو أن يبادر أرحام الطاغية، من عندهم لوضع حد
لطغيانه، وجبروته، وحماقاته، ويعترفوا طائعين بحقوق الضحية، وعندها
قد يتنازل ولي المغدور عن حق القصاص، أما إن أسقط الطاغية عنوة وهو
يتمادى في صلفه وكبريائه وجبروته وطغيانه كما فعل نيرون بغداد، فلا
أظن أنه سيستحق رأفة أو شفقة أو رحمة( ولكم في القصاص حياة ياأولي
الألباب).
فمن هنا أناشد السوريين كرداً وعرباً، وآشوريين وكلدان وتركمان
…….وسنة وعلويين ودروز وإيزيديين ….إلى رفع سوية الحوار والإعتراف
المتبادل، لسحب البساط من تحت أقدام المتسلطين من زمرة الأسد
والبعثيين، والعمل على بناء دولة الدستور الذي يقر ويعترف وباعتزار
بخصوصيات الجميع على قدم المساواة، وفق نظام فدرالي ديمقراطي تعددي
لامركزي، كي لاتطغى مستقبلاً فئة على فئة، أو طائفة على طائفة أو
قوم على قوم، ضمن دولة واحدة موحدة بشكل طوعي لاإكراه فيه ولا عنف،
وتكون ممارسة الشعائر الدينية وكافة الحريات وجميع الحقوق فيها
مضمونة للجميع بحكم الدستور المنتخب وجميع الناس متسا وون في
الحقوق والواجبات أما م القانون.
|