|
|||||
|
حتى يغيروا (16) تلك الحدود
ولقد عاش العراقيون عقودا طويلة من الزمن كان الحاكم الاوحد فيها هو القرارات التي يصدرها الحاكم (الضرورة) فلقد ظل العراق، منذ تاسيسه مطلع القرن الماضي على الاقل، من دون قانون، واذا كان يتمتع بقانون ما في بعض الفترات الزمنية، فهو قانون قرقوش الذي يتدخل فيه الحاكم متى شاء، ولمصلحة من يشاء، ولذلك ظلت الحياة العامة في بلاد الرافدين طيلة تلك الفترة قلقة ومترددة وغير مستقرة، حتى اذا سقط الصنم في التاسع من نيسان عام 2003، تنفس العراقيون الصعداء، متطلعين الى بناء دولة القانون بكل معنى الكلمة، والتي كانت اولى لبناتها انهم صوتوا، ولاول مرة، على دستور دائم للبلاد، تشكلت على اساسه اول حكومة دستورية وطنية تتمتع بشرعية كبيرة. ان تحول العراق من بلد لا يحكمه القانون، تتسلط عليه حفنة من قطاع الطرق وابناء الشوارع ومن العصابات الحزبية، الى بلد يحكمه القانون الذي يجب ان يكون فوق الجميع، بحاجة الى وقت طويل، من اجل ان يتعلم العراقيون، الحاكم والمحكوم، نسق الحياة الدستورية، فيألفون الالتزام بالقانون، ويتطبعون على التعايش مع القانون في كل مجالات الحياة.
وان تحول البلد من حالة اللاقانون الى حالة القانون، تتطلب ثلاثة عوامل يجب ان
تتكامل لنشهد حياة دستورية حقيقية:
اننا بحاجة الى ان نشيع ثقافة القانون في المجتمع وعلى مختلف الاصعدة، من خلال: حتى الاطفال في الروضة يجب ان نعلمهم على احترام القانون، من خلال القصة والرسم والطرفة وكل وسائل التربية والتعليم الحديثة.
ثالثا: اقامة الدورات وورش العمل التي تهتم بتدريس وتعليم القانون واهميته في
بناء المجتمع السليم.
ومن اجل ان يكون القانون صحيحا وسليما وصالحا، يجب ان يتميز بما يلي؛
باء: ان يكون قابلا للتطبيق، وذلك بان ياخذ المشرع الظروف الزمانية والمكانية
لما يريد ان يشرع من اجله القانون، وهذا يتطلب ان يكون المشرع ملما بكل حيثيات
وظروف الامر ليشرع قانونا ينسجم والجو العام. جيم: ان يكون القانون متوازنا، فلا هو مرن بدرجة كبيرة، ولا هو لين بدرجة غير معقولة، والى هذا المعنى اشار امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام عندما قال لاحد اصحابه يوصيه بالطريقة الفضلى للتعامل مع الناس {لا تكن لينا فتعصر، ولا تكن صلبا فتكسر} في اشارة الى التوازن المطلوب، ليكون القانون قابلا للتطبيق في كل الظروف والحالات، ولذلك نرى ان علماء القانون يبحثون في روح القوانين وليس في النصوص، لان النص شئ ميت لا حراك فيه، اما الذي فيه الروح وتدب فيه الحياة فهو جوهر القانون الذي يسمونه بروح القانون. ان القانون الذي ليس فيه روح لا يمكن تطبيقه ابدا، مهما كان الناس على درجة عالية جدا من الوعي والثقافة القانونية، اذ كيف يمكن لاحد ان يطبق قانونا ليس فيه روح؟ وان الذي لا زال يحكم في الولايات المتحدة الاميركية، وبعد مرور اكثر من قرنين من الزمن على تشريع الدستور الاميركي الذي لا تتعدى مواده عشر ما تحتويه كل (دساتير) دول العالم العربي والاسلامي، هو روح القانون وليس نصه، ولذلك ظل طوال هذه المدة الطويلة من الزمن حيا في كل مناحي الحياة، وكانه دون، بتشديد الواو وكسرها، للتو، اما في بلداننا فالقانون ميت لا حياة فيه، ولذلك لا احد يتذكره الا عندما يريده الحاكم لحاجة في نفسه يريد قضاها.
داء: واخيرا، ان يسري القانون على الجميع من دون استثناء، فلا احد الا والقانون
فوقه، وليس في المجتمع من هو خارج سلطته، ليتسنى للقانون ان يحقق العدالة في
المجتمع من خلال سريانه على الجميع، حاكمون ومحكومون، اما ان يصطاد القانون
ضعفة الناس ويفلت منه الاقوياء، فهذا ليس بقانون، وانه سيفقد مصداقيته بمرور
الزمن. ان اعرق الدول الديمقراطية تتمتع بقوة تنفيذية عالية الجودة، تفرض هيبتها على جميع الناس، والا لما احترم احد القانون ابدا، لان من طبيعة الناس انهم يتمردون على كل ما يحد من حرياتهم بشكل او بآخر، فلو كان الامر بيد الناس لقاد الجميع مركباتهم في الشوارع والطرقات باقصى السرعة، فلم يلتزم احد بحدود السرعة المقررة، او بالاشارات الضوئية وعلامات التوقف، ولكل مبرراته في عدم الالتزام بالقانون، الا ان الرقابة السرية المنتشرة في الشوارع والطرقات، كالكاميرات، والانتشار الهائل لشرطة المرور السرية منها والعلنية، في كل مكان، والتي تمتلك حق ايقاف المخالفين مروريا واصدار المخالفات القاسية احيانا بحقهم، ان كل ذلك هو الذي يساهم بدرجة كبيرة في ردع المخالفين، الذين يتعرضون لعقوبات هي بحجم المخالفة، اذ كلما كانت المخالفة اكبر كلما كانت قوة الردع القانونية اكبر، وهكذا. وكلنا يتذكر كيف ان الناس في الولايات المتحدة الاميركية، خرجوا عن القانون وتمردوا على التزاماتهم وتنكروا لثقافتهم الدستورية والقانونية، بمجرد ان غابت القوة لساعات في مدينة (نيو اورليانس الساحلية في ولاية لويزيانا) التي ضربها الاعصار المدمر قبل سنتين، الامر الذي كشف عن مدى حاجة المجتمع، اي مجتمع، الى القوة لتنفيذ القانون. لقد ابتلي العراقيون بالفوضى في حياتهم، طوال حكم النظام البائد، عندما غاب القانون عن حياتهم اليومية، وعلى مختلف الاصعدة، ولذلك فانهم بحاجة اليوم الى اعادة تشكيل الحياة القانونية على مختلف الاصعدة، بدءا من العلاقة الثنائية داخل الاسرة الواحدة، وليس انتهاءا بالعلاقة بين مؤسسات الدولة، مرورا بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وغير ذلك. اننا بحاجة الى ان نرسم معالم القانون الذي ينظم كل هذه العلاقات، سواء من خلال ما يدون منه في الدستور وغيره، او ما نتفق عليه نظريا كعقد اجتماعي والتزامات اخلاقية تساعدنا على تحسين حياتنا وتطويرها نحو الافضل.
لقد تحدث القران الكريم في العديد من الايات عن القانون، والذي يطلق عليه في
كتاب الله عز وجل بـ (الحدود) منها قوله تعالى:
{تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين
فيها وذلك الفوز العظيم}. ولان الله تعالى هو الخالق والرازق، فهو اعرف بخلقه وحاجاتهم وما يصلحهم، ولانه العالم بكل شئ والمطلع على كل الامور، ولذلك فان تشريعه سبحانه وتعالى لم يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها وحدد قانونها واشار الى ما يصلحها وما يفسدها، يقول تعالى في محكم كتابه الكريم {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة الا يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين} ويقول تعالى {وكتبنا له في الالواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ فخذها بقوة وامر قومك ياخذوا باحسنها ساريكم دار الفاسقين} وان كل ذلك من اجل ان ينعم عباده سبحانه بالنعم التي خلقها لهم وبالعدل والانصاف، بلا ظلم او تعدي، وكذلك من اجل ان ينعم البشر بالسعادة في الدنيا ويفوزوا برضاه ونعمه التي اعدها لعباده الصالحين في الاخرة.
ان القانون الصالح هو الذي يحقق: ومن اجل ان نحقق دولة القانون، يلزم ان تكون قوة الردع كبيرة، اذ كلما اشتدت العقوبة بحق المخالفين كلما ضمنا التزاما به بدرجة اكبر، بل ان قوة الردع هي التي لا تدع نفوس الناس تسول لهم بمخالفة القانون او تحدثهم بالتمرد عليه، ولذلك نرى ان التشريع الاسلامي حقق هذه القاعدة بدرجة كبيرة، فلو تم الالتزام بقوة الردع التشريعية الواردة في النصوص الدينية، لما حدث انسان نفسه بارتكاب ما يخالف القانون، والى هذه القاعدة انتبه المشرعون في بلاد الغرب، في اميركا مثلا، لتتزامن العقوبات الرادعة مع المخالفات القانونية، الصغيرة منها فضلا عن الكبيرة، وبهذه القاعدة تمكن الغرب من فرض هيبة القانون، في ظل نظام ديمقراطي يتمتع فيه الجميع بالمساواة وتكافؤ الفرص.
وفي احيان كثيرة، فان قوة الردع هي التي تحمي القانون، حتى قبل ان تاخذ العقوبة
مكانها في المجتمع، ولذلك فعندما اهتم الاسلام بقوة الردع في المخالفات
الكبيرة، انما من اجل ارعاب الناس للحيلولة دون ان يحدثوا انفسهم بمخالفة.
كذلك، فان من شروط القانون السليم والصحيح: ان القانون بهذه المواصفات يساهم بشكل مباشر في بناء البلد، اما الاخر الذي يشرع بمقاسات خاصة فانه لا يبني البلد ابدا، بل يكون في اكثر الاحيان السبب المباشر في تدمير البلد، وهذا ما حصل ابان النظام البائد عندما تحولت (قوانين) الحاكم الى عقبات في طريق بناء البلد انتهت الى تدميره. باء: ان لا يسيس القانون مطلقا، فان فساد القانون بالسياسة، ولقد انتبهت اوربا الى هذه الحقيقة فمنعت تدخل السياسة بالقانون باي شكل من الاشكال، عندما بادرت الى تشكيل مؤسسات دستورية قانونية تتمتع باستقلالية تامة مهمتها تفسير القانون من دون ان يتدخل في شؤونها اي احد، كائنا من كان، بل ان الاعلام عندها متاهب لملاحقة من يدس انفه من السياسيين في شؤون القانون، لفضحه وتعريته، ولتحويله الى عبرة لكل من تحدثه نفسه للتدخل في القانون والتاثير عليه بالطريقة التي تخدمه..
ان القانون الذي تؤثر عليه السياسة، وتفسره الاحزاب الحاكمة، لا يستقيم في
البلد ابدا، ولذلك يجب ان نؤكد على وجوب فصل القانون عن السياسة وابعاده عن
تلاعب وتاثيرات السياسيين.
بعد كل ما تقدم، يقفز السؤال التالي: لقد قيل قديما ان (فاقد الشئ لا يعطيه) فاذا اردنا ان نطبق هذا القول في مجال دولة القانون، فسنستنتج الحقيقة التي تقول ان اول المواصفات المطلوبة في من يسعى لبناء دولة القانون، هي ان يكون مستعدا لتطبيق القانون على نفسه قبل ان يدعو الى تطبيقه على الاخرين، ولذلك فان المفسد او من يحمي المفسدين لا يمكن ان يقيم دولة القانون ابدا، وان الراشي والمرتشي لا يمكن ان يقيم دولة القانون، وان الذي يرفع شعار (انصر اخاك ظالما او مظلوما) بمفهومه غير الصحيح، لا يقيم دولة القانون، وان من يمارس الفساد الاداري فيقدم اقاربه لمواقع المسؤولية ويؤخر من هو اكفا منهم، او يعين اهله او رفاق حزبه من الجهلة والاميين والفاسدين، ويؤخر او يبعد الكفوء والمقتدر، ان مثل هذا لا يمكن ان يقيم دولة القانون ابدا، والى كل هذه المعاني، وغيرها، اشار امير المؤمنين عليه السلام بقوله ملخصا صفات من يمكن ان يقيم دولة القانون {لا يقيم امر الله سبحانه الا من لا يصانع، اي لا يداري في الحق، ولا يضارع، المضارعة: المشابهة، والمعنى انه لا يتشبه في عمله بالمبطلين، ولا يتبع المطامع، اتباع المطامع: الميل معها وان ضاع الحق}.
تعالوا، هنا، نتلمس بعض صفات من يمكنه ان يقيم دولة القانون، من خلال التصفح في
سيرة امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام، فهو امام القانون، وهو امام
دولة القانون:
ثانيا: ومن يعتمد المعايير بغض النظر عن الهوية:
ثالثا: ومن يتحمل اثم عماله، ولا يتنصل من المسؤولية، فيتحجج بعدم علمه او
بجهله بالامر:
رابعا: من يساوي بين الناس بلا تمييز ولو بقدر قيد انملة: وذات مرة، جاءته امرأتان فقالتا: يا امير المؤمنين، نحن امرأتان مسكينتان، فقال لهما: قد وجب حقكما علينا، وعلى كل ذي سعة من المسلمين، ان كنتما صادقتين، فلما تبين له صدقهما، قال لاحد اصحابه: انطلق بهما الى السوق، فاشتر لكل واحدة منهما طعاما وثلاثة اثواب، واعط كل واحدة منهما من عطائي مئة درهم، فلما ولتا، عادت احداهما فقالت: يا امير المؤمنين بما فضلك الله به وشرفك، فقاطعها وقال: وبماذا فضلني الله وشرفني؟ قالت: برسول الله (ص)، قال: صدقت، وما انت؟ قالت: امراة من العرب وهذه من الموالي، افلا فضلتني عنها؟ فقال: قرات ما بين الدفتين، فلم اجد لولد اسماعيل (العرب) على ولد اسحاق فضلا، ولا جناح بعوضة.
وبعد ايام، جاءه خراج جديد، فقال:
وكان يقول:{لو كان المال مالي لسويت بينهم، فكيف والمال مال الله وهؤلاء عباده؟}. ذات مرة، دخلت عليه اخته ام هانئ بنت ابي طالب، فدفع اليها عشرين درهما، سالت ام هانئ مولاتها الفارسية: كم دفع اليك امير المؤمنين؟ فقالت: عشرين درهما، فطلبت من اخيها ان ينصفها، فيميزها، فقال لها: يا اختاه، انصرفي رحمك الله، ما وجدنا في كتاب الله فضلا لآل اسماعيل على آل اسحاق. خامسا: من لا يكمم الافواه، ولا يعتدي على حق الناس في حرية التعبير والقول، ومن يحاور رعيته، فلا يمنعهم السؤال، ولا يشيح عنهم وجهه عند حديث او نقاش: لقد كان اصحابه ممن الفوا السؤال عن كل شئ، وقد عودهم ان يحاوروا، وان لا ياتوا امرا حتى يقتنعوا به، حتى لقد اساموه بالحاحهم في السؤال، وكثرة الجدال، قبل ان يفعلوا ما يؤمرون.
قال له بعضهم، بعد الانتهاء من حرب الجمل: يا امير المؤمنين، كيف حل لنا قتالهم
ودمهم، ولم يحل لنا مالهم وسبي نساءهم؟ فقال الامام علي: ليس على الموجودين
سبي، ولا يغنم من اموال الا ما قاتلوا به او عليه، فدعوا ما لا تعرفون، والزموا
ما تؤمرون، فراجعوه واكثروا عليه، فقال ضيقا بهم: هاتوا اسهمكم واضربوا ايها
المؤمنون على امكم عائشة، ايكم ياخذها؟ فنزعوا قائلين: نستغفر الله، فتنفس
الصعداء قائلا: وانا استغفر الله. وشفعوا عنده ابن عمه، عبد الله بن عباس، فلما استقبلهم امير المؤمنين، جعل متكلمهم يتكلم فيتعثر من الحرج، فقال الامام لهم: انصتوا اكفكم، انما انا بشر مثلكم، فان قلت حقا فصدقوني، وان قلت باطلا فردوا علي، ثم اخذ عليه السلام يسرد عليهم مواقفه من كل ما جرى على المسلمين منذ وفاة رسول الله (ص)، وكيف انه في كل موقف كان يقدم المصلحة العليا على المصالح الخاصة، حفاظا على الاسلام ووحدة المسلمين بالرغم من يقينه بحقه بالخلافة من غيره، وانه اولى الناس برسول الله (ص) وبالناس من بعده، على حد قوله.
سادسا: من ينصف الناس من نفسه، فلا يبغي او يعتدى على احد، او يتجاوز على حدود
احد، وان كان ذلك في قول، فالدقة في القول والفعل ديدنه، لا يبغي ولا يبغى، بضم
الياء، عليه، يرد المتملقين ولا يقبل حديث المداحين الكذابين. وانه ليمسح عرقه عن جبهته، اذ قال له احد اشراف الكوفة: الحمد لله يا امير المؤمنين الذي اعز وليك، واذل عدوك، ونصرك على القوم الباغين الطاغين الظالمين، فشكره الامام. فوثب رجل آخر، فقال متقربا للامام، متوددا اليه: اي والله يا امير المؤمنين، الحمد لله الذي نصرك على الباغين الظالمين الكافرين المشركين، فقال له الامام غاضبا: ثكلتك امك، ما اقواك بالباطل، واجرأك على ان تقول ما لا تعلم، ليس القوم كما تقول، لو كانوا كافرين مشركين، لسبينا نساءهم، وغنمنا اموالهم، ولما صاهرناهم ولا وارثناهم. سابعا: من يساوي نفسه باضعف الناس معاشا، فلا يتكبر او يتجبر او يتميز عنهم، وهو القائل عليه السلام {ان الله فرض على ائمة الحق ان يقدروا انفسهم بضعفة الناس لكيلا يتبيغ بالفقير فقره}. عندما قدم الامام الى الكوفة قادما من البصرة، قادوه الى قصر الامارة لينزل فيه، ولكنه قال لهم: لا انزل القصر، ولكني انزل الرحبة، وهي ساحة المسجد الجامع، فنزلها واقبل حتى دخل المسجد فصلى ركعتين، وانشغل بعض اهل الكوفة بان يقيموا في الرحبة منزلا صغيرا لامير المؤمنين، يؤدي بابه الى المسجد، وكان قد اوصاهم ان يكون منزله افقر بيت في الكوفة.
ثامنا: من لا يسرق من المال العام، الامين على مال الناس، الحارس العادل الذي
لا يطمع في عدله متعد على حقوق غيره. فلما الح عقيل عليه، قال لرجل: خذ بيد اخي عقيل وانطلق به الى حوانيت اهل السوق، فقل له: دق هذه الاقفال، وخذ ما في هذه الحوانيت، فقال عقيل: اتريد ان تتخذني سارقا؟ قال الامام: وانت تريد ان تتخذني سارقا؟ ان آخذ من اموال المسلمين، فاعطيكها دونهم؟.
ولذلك قال عليه السلام:
تاسعا: من يتابع امور مملكته فلا ينشغل عن رعيته، او يتغافل عن حاجاتهم. ولآخر {بلغني انك تعمر دنياك بآخرتك، وتصل عشيرتك بقطيعة دينك، لئن كان الذي بلغني عنك حقا، لجمل اهلك وشعث نعلك خير منك، ومن كان بصفاتك فليس باهل ان يسد به ثغر، او ينفذ به امر، او يعلى له قدر، او يشرك في امانة، او يؤمن على جباية، فاقبل الي حين يصل اليك كتابي هذا ان شاء الله}.
ولآخر {بلغني عنك امر ان كنت فعلته فقد اسخطت الهك، واغضبت امامك، انك تقسم في
المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم، واريقت عليه دماؤهم، فيمن اعتامك (اختارك)
من اعراب قومك، لان كان ذلك حقا، لتجدن بك علي هوانا، ولتخفن عندي ميزانا، فلا
تستهن بحق ربك، ولا تصلح دنياك بمحق آخرتك، فتكون من الاخسرين اعمالا}. ولآخر {اترجو ان يعطيك الله اجر المتواضعين وانت من المتكبرين؟ اتطمع وانت متمرغ في النعيم؟ تستاثر فيه على الجار المسكين والضعيف الفقير والارملة واليتيم، ان يجب لك اجر الصالحين المتصدقين؟ فماذا لو اكلت طعامك مرة، واطعمت الفقير الجائع مرة؟ انما المرء يجزي بما سلف، والسلام}.
ولآخر {انظر الى ما اجتمع عندك من مال الله، فاصرفه الى من قبلك (عندك) من ذوي
العيال والمجاعة، مصيبا به مواضع الفاقة والخلات (الحاجات) وما فضل عن ذلك
فاحمله الينا لنقسمه فيمن قبلنا}.
تعالوا اذن نتعلم من هذا التراث العظيم كيف نؤسس لدولة القانون، وكيف نقيم بها
العدل والانصاف، فان ذلك ليس شعارا يرفع او لافتة تعلق او هتافا يصدع، انما هو
عمل دؤوب يعتمد الموازين الحق في كل صغيرة وكبيرة، ومن الله تعالى التوفيق
والسداد، وهو حسبنا ونعم الوكيل. |
|||||