|
|||||
|
ان ما يشجعني على مثل هذه المشاركة، هو ردود الفعل الايجابية الحسنة التي وردتني على المقالين السابقين اللذين كتبتهما خلال اليومين الماضيين بشان الانتخابات وقانونها المزمع تشريعه الاسبوع القادم في مجلس النواب العراقي، وكذلك ما سمعته عن تفاعل السيدات والسادة النواب مع ما كتبته في ذينك المقالين. ان جوهر ما نصبو اليه جميعا هو اقناع المواطن العراقي باهمية حضوره عند صندوق الاقتراع للمشاركة في الانتخابات القادمة، والحيلولة دون عزوفه عنها لاي سبب من الاسباب، لان نجاح اية عملية انتخابية تقاس بنسبة المشاركة الشعبية والتي تعبر عن مدى حجم التفاعل الشعبي مع العملية السياسية، خاصة في بلد كالعراق الذي يمر بتجربة وليدة بحاجة الى اكبر عدد من الناخبين الفعليين من اجل تحديد مسارات واتجاهات الراي العام العراقي بشكل اكثر دقة، ولا يمكن تحقيق مثل هذه القناعة الا عندما يشعر المواطن بجدوائية مشاركته، والتي لا تتحقق بدورها الا اذا شعر بان القانون الجديد لا يتلاعب بصوته فيمنحه لغير من يؤشر عليه عند صندوق الاقتراع، كما حصل ذلك كثيرا في انتخابات المحافظات الاخيرة، كما ان هذه القناعة تتحقق عندما يمنح القانون الجديد الحق لكل مواطن عراقي مؤهل للمشاركة في الانتخابات اينما كان في يوم اجرائها، سواء في داخل العراق او خارجه، في منطقة سكناه او خارجها، وبذلك سيشعر المواطن بان الدولة العراقية، ممثلة بمجلس النواب والقوى السياسية التي شاركت في تشريع القانون، لم تغفل عنه ولن تنساه، بل انها حريصة على مشاركته مهما كان الثمن.
ومن اجل تحقيق كل ذلك، اتمنى ان يسمح لي السيدات والسادة اعضاء مجلس النواب
العراقي، ان اضيف النقاط التالية الى ما كنت قد تقدمت بها في المقالتين
السابقتين، راجيا اخذ ما ادونه هنا بعين الاعتبار والاهتمام به عند المناقشات،
التي علمت بانها ستستمر لغاية يوم التصويت على القانون الاسبوع القادم:
اظن ان مجلس النواب اطلع على راي الشارع العراقي في هذه المسالة، ولذلك، وعلى
اعتبار ان النواب هم ممثلي الشعب العراقي، فان عليهم ان لا يغفلوا نبض الشارع
ولا يستهينوا بتطلعات العراقيين بهذا الخصوص. ثانيا: ومن اجل ان يعرف الناخب لمن سيمنح ثقته على وجه التحديد، لذلك فان من المهم جدا ان تحدد المفوضية العليا المستقلة للانتخابات سقفا زمنيا لا يقل عن مدة (60) يوما، مثلا، قبل موعد الانتخابات (16 كانون الثاني 2010) لكل الكيانات السياسية المسجلة والتي تنوي النزول في هذه الانتخابات، لتقديم مرشحيها بتفاصيل شخوصهم، ليتسنى للناخب ان يسال ويبحث ويحقق ويدقق في الاسماء المعروضة، ليتحمل المسؤولية كاملة امام الله تعالى وامام ضميره وشعبه ومستقبل بلده، اذا ما اشر على اي اسم من الاسماء المرشحة.
ان على المفوضية ان لا تسمح للكيانات بمحاصرة الناخب بسيف الوقت، فلا تدعها
تماطل في تقديم (كشوفات) المرشحين وتاجيلها الى ربع الساعة الاخيرة، فان ذلك
ضحك على الذقون لا ينبغي ان تسمح به المفوضية.
الا ترونهم كيف انهم يسخرون عنصر الزمن في كل قضية حساسة ومصيرية يريدون
مناقشتها وتشريعها، كما يحصل اليوم بالنسبة الى قانون الانتخابات؟ ليلفلفوها
على هواهم؟. ثالثا: وعلى اعتبار ان الجميع يصبو الى قانون يلغي، او على الاقل يساعد على الغاء، المحاصصة بكل اشكالها، وكذلك يلغي او على الاقل يساعد على الغاء التصويت، وتاليا الاصطفافات (المذهبية والدينية والاثنية) لذلك يجب على المفوضية العليا ان تنظم اسماء المرشحين في كل دائرة انتخابية حسب تسلسل الحروف الابجدية، دون الاعتماد على التسلسل الوارد في قوائم الكيانات او الاحزاب او حتى الاشخاص.
لنساعد الناخب على تحقيق عملية التصويت للمرشح (المواطن) وليس للمرشح (العربي
او الكردي او التركماني او الشيعي او السني او المسلم او المسيحي) او غير ذلك،
فلنساعده للتصويت على (الاهلية) وليس على (الهوية) والانتماء.
ان هذا التنظيم سيساعد الناخب على التاشير على المرشح الاجدر والافضل بغض النظر
عن انتمائه الديني والمذهبي والاثني، بل وحتى الحزبي والفئوي. بمعنى آخر، فان القانون يجب ان يضمن احتفاظ كل مرشح بعدد الاصوات التي يحصل عليها من خلال صندوق الاقتراع حصرا، من دون اضافة اية اصوات من المرشحين الاخرين الذين يحصلون على عدد اكبر من القاسم الانتخابي المطلوب للفوز بمقعد البرلمان. لا نريد احدا يفوز بالاتكال على غيره، او يتعكز باصوات زملائه الاخرين، بل نريد جميع الفائزين يتربعون على مقاعدهم تحت قبة البرلمان بجدارة، من خلال العدد الحقيقي الذي يحصلون عليه في صندوق الاقتراع، وهذا ما يتطلب ان يمنح القانون الناخب الحق في ان يؤشر على العدد المطلوب من المرشحين في دائرته الانتخابية، ومن ثم احتساب الاوائل الاكثر اصواتا كفائزين في الانتخابات.
ان منح الناخب هذا الحق القانوني، يصنع منه ناخبا مفتحا، بتشديد التاء وكسرها،
وليس ناخبا اعمى يقف امام صندوق الاقتراع ليدلي بصوته الى مجهول، او انه يدلي
بصوته لمرشح ما، ليعلم فيما بعد ان صوته ذهب الى غيره من المرشحين.
اولا: لقد ابديتم حرصا نادرا على تحقيق ما يرغب به ويتطلع اليه الشعب العراقي
بخصوص القانون. ثانيا: لقد ايد كل المتحدثين، واغلبهم رؤساء كتل في البرلمان، نظام القائمة المفتوحة، ما يعني انكم طمأنتم الشعب العراقي كونكم ستشرعون القانون بهذا النظام، وهذا ما اثلج قلبي وقلوب العراقيين الحريصين على مستقبل بلدهم والقلقين على العملية الديمقراطية الجاري التاسيس لها منذ سقوط الصنم.
ثالثا: تحدثتم عن المادة التي تنص على حق الناخب في التاشير على (3) او (5)
مرشحين من اية قائمة يرغب منحها ثقته. ومن اجل توضيح الفكرة، دعوني اضرب لكم بعض الامثلة؛ فلو حدد القانون عدد نواب محافظة كربلاء، مثلا، بـ (6) نواب، فيجب ان يمنح القانون الناخب الحق في التصويت على (6) من مجموع المرشحين، ولو حدد القانون عدد نواب محافظة نينوى بـ (16) نائبا فيجب ان يمنحه القانون الحق في التاشير على (16) اسما يختارهم بكامل حريته وارادته، من بين مجموع عدد المرشحين في المحافظة.
بهذا القانون سنضمن ان كل مرشح يفوز بمقعده في مجلس النواب، انما تحمله اصوات
الناخبين حصرا وليس المواد الغامضة في القانون التي تتلاعب بالنسب والاسماء
بطريقة او باخرى، كما حصل في انتخابات مجالس المحافظات الماضية.
اتمنى ان ينص القانون على ذلك، فتلغى الارقام المفترضة، والتي تقترحها مسودة
القانون المطروح للنقاش.
مرة اخرى نعود للمعايير الدولية، وتجارب الدول المتحضرة، وتلك التي تجري فيها
الانتخابات البرلمانية بشكل او بآخر، فانها كلها تقسم البلد الى دوائر متعددة،
لضمان فوز نواب يمثلون الاهالي بشكل دقيق وحقيقي وعملي، نواب ينبثقون من ذات
البيئة الاجتماعية والجغرافية التي يترشحون منها.
واقول بصراحة، فان المرعوبين من الانتخابات القادمة، فقط، هم من يريدون اعتماد
نظام الدائرة الواحدة، ليجمعوا فلولهم المهزومة هنا وهناك، ولعل المتحدث نموذجا
منهم، في محاولة منهم للحصول على مقعد واحد على الاقل، تحت قبة البرلمان. اتمنى ان ينتبه الجميع الى حقيقة في غاية الاهمية، وهي ان اية اضافة على عدد النواب الحالي (275) سيتوزع على كل المحافظات، اذ ليس من المعقول ان عدد سكان محافظة دون سواها زادت خلال السنوات الاربع الماضية، وكأن نساء هذه المحافظة دون غيرها انجبن المزيد من المواليد فزاد عدد نفوسها، فيما عقمت نساء المحافظات الاخرى، بقدرة قادر. يجب ان نتذكر بانه لو زاد عدد نفوس كربلاء فلقد زاد في نفس الوقت عدد نفوس صلاح الدين، ولو زاد عدد نفوس البصرة، فلقد زاد في نفس الوقت عدد نفوس نينوى، وهكذا، فالزيادة شاملة وعامة، ولذلك اعتقد ان من المنطقي والعقلي ان يجري بحث موضوع الزيادة من جوانب اخرى، قانونية او فنية او عملية، وليس من جوانب سيئة مثل النفس الطائفي او غيره. سابعا: استغربت كذلك من نقاشكم بشان قضية مشاركة العراقيين في الخارج في هذه الانتخابات، وكانها قضية خلافية، ناسين او متناسين ان اكثر من (4) ملايين عراقي يعيشون في بلاد المهجر، فكيف سمحتم لانفسكم بان تتجاهلوا هذا العدد الذي يفوق عدد اكبر محافظة عراقية، هذا بدلا عن ان تعكفوا على البحث ودراسة كل السبل الممكنة لمشاركتهم، بعد تذليل العقبات التي تحول دون ذلك. ان المشاركة في الانتخابات هو ابسط حق تصونه الدولة العراقية لمواطنيها في بلاد المهجر، وهي ابرز مصداق لوطنيتهم ولارتباطهم ببلدهم الام، خاصة الجيل الجديد الذي لم يشعر بحنان بلده ولم يشم هواءه اويشرب من مائه، وفوق كل ذلك، تريدون ان تحرمونه من المشاركة في الانتخابات، لتقطعوا امله نهائيا ببلده؟ وكانكم تريدون ان تقولوا له ليس لك حق او مكان او نصيب في بلد آبائك واجدادك، لتقلعوه من جذوره.
لا تقتلوا الامل في نفوس العراقيين، ولا تحرمونهم حلم العودة في يوم من الايام،
دعوهم يحلموا على الاقل ببلدهم.
هذا من جانب، ومن جانب آخر، من قال لكم بان العملية بحاجة الى ميزانية ضخمة
كتلك االتي جرى صرفها في الانتخابات الماضية؟.
ان تشكيك نائب في اية انتخابات هو تشكيل بالنظام السياسي الذي يشارك هو شخصيا
في تاسيسه من خلال جلوسه تحت قبة البرلمان.
فبالبرلمان القوي: سادسا: سنضمن كذلك حضورا فاعلا للاعضاء، فلا نجدهم الا تحت قبة البرلمان، او في الشارع بين الناس يصغون الى مشاكلهم ويسمعون مقترحاتهم، ويقفون على تفاصيل حياتهم اليومية، فلا يبتلي البرلمان بكثرة غياب اعضائه، ما يسبب بتعطيل الكثير جدا من جلساته.
ان الانتخابات البرلمانية القادمة، مفصلية ومهمة واستراتيجية بكل معنى الكلمة،
فاذا كان تاريخ التاسع من نيسان عام 2003، والذي شهد سقوط الصنم في مزبلة
التاريخ، بداية التاسيس لعراق جديد يختلف جذريا عن العراق القديم، عراق الطاغية
الذليل صدام حسين، عراق الاستبداد والديكتاتورية والنظام الشمولي، فان تاريخ
السادس عشر من كانون الثاني 2010، بداية تجديد العراق الجديد، الذي شهد الكثير
جدا من الاخطاء والاخفاقات التي ربما يغفرها المواطن العراقي بسبب حداثة
التجربة الديمقراطية في البلاد، ولكنه سوف لن يغفر اية اخطاء كبيرة اخرى، كتلك
التي ارتكبتها الاحزاب السياسية التي خلفت الطاغية في السلطة في بغداد، بعد هذا
التاريخ. ان المسؤولية الاكبر في انتاج التجديد تقع على عاتق المواطن العراقي، الذي يمتلك قدرة التغيير في خارطة البرلمان القادم، الا ان كرة القانون لا زالت حتى الان في ملعب السياسيين، وان كل الذي يتمناه الناخب العراقي هو ان يسرع السياسيون في تشريع القانون بما يمنحه القدرة الكافية على الاختيار، فبمثل هذه القدرة سيحقق الناخب التغيير المطلوب. وسيتحمل السياسيون كامل المسؤولية اذا اصروا على تشريع قانون لا يلبي رغبة الناخب في امتلاك ارادة الاختيار، من خلال نظام القائمة المغلقة مثلا، او اعتبار العراق دائرة واحدة، لان ذلك سيدفع بالناخب الى ان يتردد في المشاركة في الانتخابات القادمة، وربما سيقرر مقاطعتها بالكامل، ما يعرض العملية السياسية برمتها الى مخاطر جمة، بعد ان يعرض شرعيتها للسؤال ولاكثر من علامة استفهام، اعود واقول بان السياسيين وحدهم سيتحملون المسؤولية بالكامل.
للاسف الشديد، فان الناخب العراقي وقانون الانتخابات هو الان تحت رحمة الاحزاب
السياسية، خاصة المشاركة في العملية السياسية التي تخشى كثيرا من تغيير قانون
الانتخابات بما يكفل التغيير المرجو.
يبقى ان ننتظر من المواطن العراقي ليحقق مثل هذا التغيير، فهو صاحب الصوت وصاحب
الراي وفوق كل ذلك، صاحب المصلحة في التغيير نحو الافضل، الذي سيغير به الخارطة
السياسية، طبعا اذا اراد ذلك، وذلك من خلال ما يلي: كذلك، عليه ان لا يصوت لمن لا يؤمن بالعملية السياسية الا ظاهرا، ممن ظل يجتمع ببدنه نهارا تحت قبة البرلمان، فيما يحضر في ظلمة الليل بقلبه وميوله وولائه مع الارهابيين والقتلة والمجرمين، يدعمهم ويشاركهم خططهم الجهنمية التي تسعى لاعادة عقارب الساعة في العراق الى الوراء.
ثانيا: ان لا يصوت للمجهولين، وان عليه ان يبحث عن المرشحين المعروفين، من اجل
ان لا يبدا التجربة من نقطة الصفر فيضيع الوقت والجهد. ثالثا: ان يشارك في الانتخابات بأية صورة من الصور، فالمقاطعة تخدم السياسيين ولا تخدم الناخب، كما انها تخدم الحال ولا تخدم التجديد، لان التغيير يحصل من خلال المشاركة والتصويت لكل ما هو جديد، وليس بالمقاطعة، ولقد راينا كيف ان الاحزاب الحاكمة استفادت من مقاطعة الملايين السبعة للانتخابات الماضية، للعودة الى السلطة المحلية في المحافظات، فلو كانت هذه الملايين قد شاركت في تلك الانتخابات وصوتت لمرشحين جدد لما سيطرت ذات الاحزاب على السلطة. رابعا: كما ان عليه ان يحرم، بتشديد الراء وكسرها، على نفسه بيع صوته ولو مقابل ملك الدنيا وما فيها، لان صوته مستقبل، يحدد فيه حياته وحياة ابنائه، وان صوته وطن، يبني به البلد، فاذا باعه فسيساهم في تكريس الواقع الحالي الذي يشتكي منه الان، هو قبل غيره، لانه المتضرر الاول والاخير منه.
اذا باع الناخب صوته وبقي الحال كما هو عليه الان، فلا يلومن الا نفسه. ان اصرارهم على مثل ذلك سيدلل بما لا يدع مجالا للشك من انهم يريدون استغباء الناخب واستغفاله وانهم يريدون مواطنا اعمى يمنح صوته لمن لا يعرفه، بل يمنح ثقته من دون ان يعرف اين سيحل بها الزمن، فقد يمنحها القانون الى عدوه او الى من لا يحبه بل ربما يكرهه. بالاضافة الى ذلك، فان نظام القائمة المغلقة سيسبب على افراغ الديمقراطية من محتواها الحقيقي، واقصد به منح الناخب حرية الاختيار، ما يعني انه ينتج نوعا من انواع احتكار السلطة، وان كانت بادوات شبه، بضم الشين وتشديد الباء وكسرها، للبعض انها ديمقراطية.
ان الاغلبية الكبيرة جدا من الاحزاب السياسية، سواء الحاكمة او تلك التي خارج
السلطة، اعلنت رغبتها، بل حرصها، في تشريع نظام القائمة المفتوحة، بالاعلام على
الاقل، كما ان المرجعية الدينية اعلنت مثل هذه الرغبة والحرص كذلك، فضلا عن جل
منظمات المجتمع المدني والكثير جدا من السياسيين والشخصيات العامة والاعلاميين
والكتاب والمثقفين، فماذا يعني لو صدر قانون الانتخابات يحمل نظام القائمة
المغلقة؟ الا يعني انه بذلك سيصدر بالضد من ارادة اغلبية العراقيين؟.
اتمنى على الاحزاب، خاصة الحاكمة، ان تسعى من اجل التجديد قبل ان يتجاوزها
الناخب ويتجاوزها الزمن.
ربما ستخسر الاحزاب بعض المواقع اذا ما بادرت للتجديد، وقد تخسر بعض الارباح
الحزبية، الا انها بكل تاكيد ستربح نفسها وستربح العراق، كما انها ستربح الناخب
على المستوى البعيد، وهذا هو المهم الذي يجب ان تفكر به وتضعه نصب عينيها عند
التفكير والتخطيط، لتكون مشروع دولة ومشروع وطن ومواطن، وليس مشروع عائلة او
حزبية ضيقة او مناطقية محدودة او حتى دين او مذهب او تيار. ان الفرق الجوهري في التجربة الحزبية في العراق، هو ان الدينية وصلت الى السلطة عن طريق صندوق الاقتراع، فهي اذن خيار الشعب، الى الان على الاقل، اما الاحزاب اليسارية والقومية وغيرها، فقد وصلت الى السلطة في بغداد عن طريق الانقلابات العسكرية، واكوام جماجم الضحايا، عندما امتطت الدبابات لتقتحم القصر الجمهوري في خلسة من الليل والناس نيام، وفي احسن الفروض بالتآمر، او من خلال الجبهات والتحالفات المشبوهة مع نظام غير شرعي وصل الى السلطة بانقلاب عسكري.
ولان المشكلة تكمن في العقلية التي تحكم الاحزاب، ولذلك فان الامراض الحزبية
موزعة عليهم بشكل (عادل) ومتساوي، منها على سبيل المثال لا الحصر: *توالي الانشقاقات، على الطريقة الاميبية وبالمتواليات الهندسية، ولذلك نرى ان هناك اليوم عدة تنظيمات تحمل اسما واحدا بفارق حرف او نقطة او كلمة، وكل يدعي شرعية تمثيله للحزب الام. *بقاء الزعيم التاريخي على راس الهرم الحزبي، والذي لا يتغير عادة الا بالشيخوخة او الموت، اذا كان الحزب يمتلك بقايا من اخلاق، او بالقتل والتآمر والاغتيال، اذا كان الحزب قد نزع عن نفسه كل القيم. *اعتماد المليشيات للسيطرة على الشارع، فمنذ ان شهد العراق تغيير نوع النظام السياسي من الملكي الى الجمهوري، واعتماد الحزب الشيوعي على المليشيات للسيطرة على الشارع العراقي، واعتماده اسلوب القتل والسحل والدعوة، بتظاهرت غوغائية صاخبة، لاعدام كل من يخالفه الراي والاتجاه السياسي، خاصة بعد اصطدامه بالتيار الديني آنذاك والذي كان ينعته بالتيار الرجعي (الرجعية الدينية) عندما سعى الى اغتيال اكثر من مرجعية دينية في مدينتي النجف الاشرف وكربلاء المقدسة، تقف على راسها المرجع الكبير السيد محسن الحكيم والمرجع الشيرازي والسيد القزويني، ما فتئت الاحزاب تعتمد على المليشيات للسيطرة على الشارع، لدرجة ان حزب البعث المنحل الذي ظل في السلطة (35) عاما وبلا منازع، ظل يعتمد على المليشيات لبسط سيطرته على البلاد والعباد، بالرغم من سيطرته المطلقة على المؤسسة العسكرية وبلا منازع. *الفارق الوحيد، ربما، بين التيارات اليسارية والقومية، من جهة، والتيار الديني، من جهة اخرى، هو عدم لجوء الاخير الى التصفيات الجسدية لعناصره ورجالاته وشخصياته التي تختلف معه وتترك صفوفه، مرة اخرى اقول الى الان على الاقل، متمنيا ان لا يحدث هذا ابدا، اما التيارات اليسارية والقومية فقد مارست عمليات التصفية الجسدية لرفاق الدرب حتى تعبت وانهكت وتحللت.
*اشتراك كل هذه الاحزاب، في النظام الداخلي والمسميات القيادية، بالرغم من
اختلاف هوياتها وخلفياتها الفكرية والايديولوجية، فلكل منها (الامين او
السكرتير العام) (المكتب السياسي) (الهيئة العامة او اللجنة المركزية) وغير
ذلك.
ثانيا: غياب المواطنة، ففي العراق لا يوجد شئ اسمه شعب وانما هناك رعايا يعيشون
في ظل انظمة سياسية، ولذلك شهد العراق عمليات تهجير قسري على راس كل عقد من
الزمن، منذ العشرينيات من القرن الماضي والى الان، ومن دون انقطاع.
ولا يختلف حال ولاءات الاحزاب الحالية كثيرا عن هذه الصورة، وان اختلفت اتجاهات
البوصلة السياسية، تبعا لاتجاهاتها العقائدية والسياسية وتبعا لمصالحها
الحزبية. رابعا: بالاضافة الى ان العراقيين ورثوا الفساد وبكل اشكاله منذ عقود طويلة تقرب من القرن الكامل، طبعا بنسب متفاوتة، وبقراءة سريعة لمذكرات السياسيين العراقيين الذين مروا في الحياة السياسية طوال الفترة المنصرمة من تاريخ العراق الحديث، سنكتشف هذه الحقيقة بلا جدال.
خامسا: كما ورث العراقيون التمييز الطائفي والعنصري، والتقسيم على اساس الولاء
للحاكم، بين فئة الف وفئة باء وغيرها. ثالثا: تغيير العقلية وعدم الاكتفاء بتغيير الهوية والازياء والاسماء، فالتغيير الحقيقي بحاجة الى تغيير جوهري يمس الجذور، وعدم الاكتفاء بالبحث في التغيير السطحي.
رابعا: التسلح بالرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى، وعدم الانشغال بالنظرة
التكتيكية قصيرة الاجل للامور، فالدولة لا تبنيها ملايين التكتيكات، وانما
برؤية استراتيجية تنظر لكل الجوانب، وتبحث عن حلول حقيقية وواقعية للمشاكل
والعقبات، وتضع الخطط المنطقية، التي تاخذ الواقع والتحديات والامكانيات بنظر
الاعتبار. واعتبر نـــزار حيدر، الذي كان يتحدث مساء اليوم في ستوديو برنامج (ساعة حرة) على قناة (الحرة) الفضائية في العاصمة الاميركية واشنطن، الى الزميل الاستاذ سالم مشكور، ان اختلاف القادة والسياسيين العراقيين على جريمة الاربعاء الاسود، يهدد البلاد ويعرض الامن القومي الوطني للخطر، مشددا على وجوب ان يكون الدم اداة استراتيجية لتوحيد الصفوف والمواقف، وليس لتمزيقها وتشتيتها.
واضاف نـــزار حيدر بالقول: نحن نعرف ان الدم، في كل مكان، هو عامل مهم لتوحيد المواقف ورص الصفوف، الا في العراق فقد تحول الدم الى اداة للتمزق والتشتت، والى وسائل لتصفية الحسابات وتحقيق الفوز السياسي والانتخابي لصالح هذا الفريق ضد الفريق الاخر، وكل ذلك على حساب معاناة المواطن العراقي المسكين الذي يدفع ثمن اختلاف السياسيين غاليا، وان دل هذا على شئ، فانما يدل على مدى استخفاف السياسيين بدم المواطن العراقي، ولذلك راينا كيف ان مؤسسات الدولة اختلفت مع بعضها وعلى شاشات التلفزة وفي مختلف وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، في واحدة من اخطر ما تعرض له العراق الجديد، الا وهو ما حدث في يوم الاربعاء الاسود.
الى ذلك، رفض نـــزار حيدر مناقشة مثل هذه الامور الخطيرة التي تهم الشعب
العراقي بشكل مباشر، رفض مناقشتها في الغرف المغلقة، كما يدعو الى ذلك بعض
السياسيين العراقيين، قائلا:
ان من يتبنى سياسة حوار الغرف المظلمة، هم العاجزون والفاشلون الذين لا يقدرون
على مصارحة شعبهم ولا يعرفون كيف يسوقون، بتشديد الواو الاولى وكسرها، مواقفهم
الى شعبهم، ولذلك فهم كالخفافيش لا يعرفون الظهور الا في عتمة الليل، اما نور
النهار فيعمي ابصارهم، بعد ان اعمت اخطاءهم بصيرتهم.
21 ايلول 2009 |
|||||