ما المانع من انتهاك سيادة الدول المستبدة

نادية عيلبوني

على الرغم من المآخذ الكثيرة للنظام الدولي الجديد ، إلا أن هناك أيضا الكثير من الإيجابيات التي تحسب لهذا النظام . ولعل أهمها تلك الداعية إلى تجريد بعض البلدان التي يحكمها المستبدون من سيادتها الوطنية. . شيء حسن إذن، أن تنزع عن أمثال هؤلاء الحصانة الدولية وأن تجري محاكمة بعضهم وهم في أعلى هرم للسلطة، على ما ارتكبوه من فظائع بحق شعوبهم. ولعله يكون من المرغوب والمطلوب أيضا انتهاك سيادة هذه البلدان وتجريد حكامها من أية حصانة مهما كان نوع هذه الحصانة. لما لا؟ وما هو وجه الاعتراض على هذا الأمر؟وما هي وجاهة المبررات التي يقدمها المعترضون على المحكمة الجنائية الدولية؟ ولنا أن نتساءل أيضا، ما الذي ستخسره الشعوب الواقعة تحت حكم الطغاة ، من أن تقوم جهة دولية قانونية ما ،بإلقاء القبض على منتهكي أولى أبجديات حياتها؟ هل أضحى البشير وأمثاله ثروة قومية لا يجوز التفريط بها مثلا؟ هل حقا أن البشير هو رمز لسيادة السودان؟ ، ألم ينتهك هو شخصيا والثلة الحاكمة التي اغتصبت السلطة معه،حياة الشعب السوداني وسيادته؟ هل جاء هذا الرئيس إلى الحكم ، من خلال استفتاء شعبي وانتخابات حرة ونزيهة حتى يجري الدفاع وكأنه بطل قومي ؟؟ هل سيذبح السودانيون ، لا سمح الله، إذا ما غاب البشير؟ هل سيجوعون مثلا؟ ما الذي سيخسره السودانيون بحق السماء ، إذا ما تم إلقاء القبض على هذا الديكتاتور؟
ليس هذا فحسب ، بل لعل الذين يتشدقون بمفهوم السيادة الوطنية في وجه المحكمة الدولية ، وجلهم من الحكام العرب،والناعقون معهم ، يتجاهلون ، عمدا، ربما أن الكثير مما تسمى في المنطقة العربية دولا وعلى رأسها السودان، لا تنطبق عليها مواصفات الدولة من وجهة المعايير الدولية لقيام الدول. فقد اجتاز حكام السودان مفهوم الدولة واتجهوا إلى مفهوم العصابة، التي تنتهك كل المبادىء الإنسانية والأخلاقية للشعب السوداني . هناك بلا شك معايير محددة لمواصفات الدول، ليس أولها ولا آخرها ضمان حياة الناس وأمنهم في وطنهم في ظل سيادة القانون الذي يحمي الأمن والسلم الاجتماعي دون تمييز بين أبنائه.وعندما يعجز من يتسلمون مقاليد الحكم عن أداء وظيفة الدولة هذه ، فإن الأولى بهم ، أن يرحلوا أو يذهبوا إلى الجحيم بلا أي أسف . نحن لا نفهم مثلا هذا الدفاع المستميت عن قاتل ومجرم في وجه العدالة الدولية ، في الوقت الذي يجري فيه التجاهل المطلق للملايين من ضحايا هذا الطاغية سواء في وسط السودان أو جنوبه أو في دارفور. هؤلاء يريدون إقناعنا بأن حكم المحكمة الجنائية الدولية ، هو حكم ظالم ، وغير شرعي، وتدخل سافر في شؤون دولة مستقلة ، بينما يعتبرون ما ارتكبه هذا الطاغية بحق الملايين من أبناء شعبه على خلفية عرقية ، شيئا عادلا، أو عاديا لا يستحق الذكر، ولا يستحق العقوبة.
لا يبدو أن الأنظمة العربية التي تسابقت في قمة الدوحة الأخيرة، للحديث عن سيادة الدول والدفاع عن الديكتاتور، مؤهلة حقا لقيادة شعوبها. وهي التي تناست وتجاهلت دماء الملايين من الضحايا التي يتحمل البشير مسؤولية إزهاقها ، وهي ليست في وارد الاهتمام بحياة هذه الشعوب. كما لا يعنيها ،من قريب أو بعيد، سوى حياة وسلامة من شابهها من الطغاة. وما الحديث عن السيادة الوطنية سوى محاولة مفضوحة ومكشوفة ، للدفاع عن نظم الاستبداد. إذ لا يمكننا الاقتناع بمصداقية أمر السيادة في أية دولة عربية في الوقت الذي تنتشر فيه كالفطر القواعد العسكرية الأجنبية في الكثير من هذه البلدان.
كما نريد أن نذكّر أيضا ، أن هناك الكثير والكثير من المذابح والجرائم في المنطقة، التي ارتكبت تحت ستار السيادة السيء الذكر والصيت هذا. فالإبادة الجماعية التي ارتكبت بحق الشيعة والأكراد في وطنهم العراق ، كانت تحت ستار من مفهوم السيادة هذا. والمجازر التي ارتكبها نظام الأسد بحق أبناء حماة في سوريا ، لا تشذ هي الأخرى عن هذا المعطى. وسياسة التمييز الديني والعرقي التي تقترفها الكثير من السلطات العربية بحق شعوبها ، تمارس، هي الأخرى، تحت مفهوم السيادة الوطنية نفسه،وكما في هذه البلدان وغيرها من البلدان العربية، كذلك في السودان.إذ لا يعقل أن نغمض أعيينا عن ذبح الملايين من السودانيين وتشريد الملايين أيضا حبا بالسيادة الوطنية ودفاعا عنها. فلتذهب السيادة الوطنية إلى الجحيم إذا كانت ستكون على حساب حياة الناس وعلى حساب سلامة وأمن الشعوب في أوطانها.
.ونحن حقيقة، لا نرى تفسيرا منطقيا للتمسك بمبدأ السيادة الوطنية، واعتباره حقا مشروعا كفلته الشرعية الدولية، في الوقت الذي يتم فيه تجاهل كافة مبادىء الشرعية الدولية ،وعلى رأسها جميع القوانين المتعلقة بحقوق المواطن وحقوق الإنسان .فالحق في المواطنة دون تمييز كما الحق في الحياة والحرية والأمن للمواطنين في بلدانهم ،هي أيضا من القوانين التي نصت عليها كافة المؤسسات الدولية ، إذن لماذا يتم التمسك بمبدأ سيادة الدول ويتم إهمال حقوق الأفراد والشعوب؟ أليست هذه أيضا ازدواجية المعايير التي عادة، ما نلصق بها الأخر؟
ولا يسعنا أمام هذا القبح في الدفاع عن المجرمين إلا أن نقول: أننا ممتنون لوجود مثل هذه المحاكم الدولية،التي لولاها لأبيد شعب البوسنة برمته ، وأنه لولا وجود تلك المحاكم لكان "سلفودان ميلوزوفتش" لا يزال يعربد حرا طليقا فوق جماجم أبناء البوسنة.
ممتنون لوجود المحاكم الدولية بالتأكيد، لأنها لا بد وأن تشكل رادعا لأي ديكتاتور عربي في استسهال ذبح شعبه مستقبلا. والشعوب العربية التي عجزت عن محاسبة حكامها ،يجب أن تكون ممتنة لوجود محاكم دولية ، وإرادة دولية مستعدة لوضع حد للمجرمين والقتلة.
وبقي أن نذكر أن لا أحد من الأنظمة العربية التي تتشدق بالسيادة وتدافع لفظا عن حقوق الفلسطينيين ، تقدم إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبة إسرائيل على جرائمها بحق الفلسطينيين. وعندما تتجرأ بعض الأنظمة على تقديم مثل هذه الدعاوي وتقوم المحكمة الجنائية الدولية برفضها ، وقت ذاك من حق المتبجحين بازدواجية المعايير والمشككين بعدالة هذه المحكمة،الحديث كما يحلو لهم عن الكيل بمكيالين . وإلى أن يحين ذلك، يبقى السؤال الممض معلقا ، ألا وهو لماذا ترفض أي من الدول العربية حتى الآن التقدم لدى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين؟ وما الذي تخشاه هذه الدول من التقدم بطلب كهذا؟
حقا إن وراء الأكمة ما وراءها .

 

 
Link

News

Kdps

Gotar

Wêne

Stran

Têkilî

أتصل بنا

أغاني

صـور

مقالات

ك.د.ب.س

أخبار

مواقع الكترونية