|
(( محامون بلا ضمير
))

بقلم : حنيف حمدوش
إن
المتتبع لمحاكمة صدام حسين وأعوانه في الجرائم التي ارتكبوها بحق
الشعب العراقي بكورده وعربه ، لا سيما الجلسة الثامنة من
محاكمتهم بتاريخ 18 / 9 / 2006 على جرائم الأنفال التي اقترفوها
بحق أبناء الشعب الكوردي في العراق أيام حكمهم في الثمانينات من
قتل جماعي وتهجير قسري إلى مناطق لا تمت إليهم بصلة ، ومن ثم
دفنهم في مقابر جماعية ، وكانت حصيلة ممارساتهم القمعية استشهاد
أكثر من / 180 / مائة وثمانون ألف مواطن كوردي ، وفي حلبجة
وحدها استشهد خمسة آلاف إنسان كوردي خلال فترة لا تتجاوز خمسة
دقائق إضافة إلى أعداد هائلة من الحيوانات والطيور ، هذه المرة
الأولى في تاريخ العالم تستخدم دولة أسلحة محرمة دوليا ً ضد
مواطنيها .
لدى استماع المحكمة إلى إفادة المشتكي كاروان عبد الله توفيق
الذي أسرد خلالها كيفية إصابته إلى حين الإغماء عليه ولم يفق إلا
بعد أكثر من عشرين يوما ً وهو يتعالج في مستشفى بإيران . ومن
هناك انتقل إلى هولندا وهناك تنقل بين مشافيها للعلاج . وأُخبر
أن إصابته ناجمة عن سلاح كيماوي ، كما أفاد أنه تنقل بين روسيا
وألمانيا وإسبانيا بغرض العلاج وقدم الوثائق الطبية التي تثبت
صحة ذلك للمحكمة . وما أن انتهى المشتكي من إفادته إلا وقام أحد
محامي الدفاع عن الدكتاتور وأعوانه بتوجيه سؤاله لرئيس المحكمة
وطالبه بملاحقة المشتكي بجرم التزوير مرتين ، مرة في تزويره جواز
سفره على الحكومة الهولندية ومرة في تزويره على الحكومة العراقية
ودخوله أرض الوطن بشكل غير شرعي . كما طالب رئيس
المحكمة بعدم أحقية المشتكي الادعاء
كونه يحمل جنسية أخرى غير عراقية ( يا للهول والمهزلة ) . بادعائه
هذا على المشتكي كأنه يريده أن يكون في عداد الموتى كبقية الضحايا
وليس من حقه العودة إلى أرض الوطن والادعاء ضد أركان النظام القمعي
البائد . طالما خرج منها فارا ً من الموت الذي كان يلاحقه عبر
الأجهزة القمعية الصدامية . وكأن في عودته لطمة عار على جبين رمز
الإجرام والإرهاب .
هنا سؤال يطرح نفسه على ذلك المحامي الجدير الذي يسعى تبرئة
موكليه المنغمسين في الجرائم اللاإنسانية ، يا ترى لو كان أحد
ذويه ( والده أو والدته أو أشقاؤه ) بين ضحايا موكليه . كيف يكون
موقفه وقتها من رموز الإجرام والقومجية العروبية والاسلاموية ؟ .
في عهد نظام الدكتاتور صدام وأعوانه لم يتمكن ولم يتجرأ شيعة
العراق من تأدية واجباتهم الدينية من حج ومناسك . وإلا يُرمون في
دهاليز السجون إلى ما لا نهاية . هذا إذا تلطف بهم ولم يدفنهم في
مقابر جماعية ، ولم يكن حال السنة أفضل منهم ، إلا إذا رضخوا
لتوجيهات الأجهزة الاستخباراتية وكيّلو المديح للقائد الرمز ـ
لبطل الأمة العربية ـ لخليفة المسلمين ـ كما سمي بقادسية صدام
ساعين بذلك تطبيق ما جاء في مسرحية محمود جبر ( حط بالخرج )
الذي يقول فيها عند مغادرته البلاد ( لا تنسوا أوصوا خطباء
المساجد أن يمدحوني في خطبهم يوم الجمعة ) هنا يبقى من حق كل
إنسان شريف يؤمن بالإنسانية وحقوقها أن يتوجه بالسؤال التالي إلى
محامي أولئك
المنغمسين
في الإجرام بحق شعوبهم من أخمص أقدامهم حتى رؤوسهم .
1-
هل هذه
شرعة المحاماة ومقصدهم إحقاق الباطل وإبطال الحق ؟ .
2- أين
هم من القسم الذي أدوه لصون الأمانة وتحقيق العدالة الاجتماعية
والدفاع عن حقوق الأفراد ؟
إن الذين يدافعون عن الظلمة مرتكبي الجرائم بحق الشعوب
والإنسانية بغاية تبرئتهم عن الجرائم المنسوبة إليهم ، وليس في
طلب الرحمة
والشفقة لهم . ليسوا في نظر الشعوب ومجتمعهم أقل إجراما ً من
موكليهم ، لأنهم يحاولون طمس الحقيقة وإيجاد المبررات لموكليهم على
أعمالهم اللاإنسانية بحق شعوبهم . لم يرتكب صدام وأعوانه الجرائم
والمجازر بحق شعوبهم فحسب إنما طالوا جيرانهم . حيث سوريا خلال
فترة الثمانينيات تعرضت لموجة عنيفة من التفجيرات والاغتيالات رغم
أن كلا النظامين في العراق وسوريا بعثيين . كذلك نال الشعب الأردني
نصيبه في السبعينيات من النظام الصدامي . وفي لبنان تعرض العديد من
الشخصيات والأحزاب الذين هربوا من قمع حكامهم إليها للملاحقة
والاغتيالات على أيدي الاستخبارات الصدامية .
لم ينج من جرائمه حتى الشعب الفلسطيني ، لو كان صدام وأعوانه
ملزمين بالقرآن الكريم وأحكامه كما نراهم اليوم ، حيث يدخل رمز
الدكتاتورية صدام قفص المحكمة وهو
يحمل القرآن بيده كل مرة ، وأول ما ينطق به يبدأ بآية من القرآن
الكريم ، ليتظاهر بحرصه على الإسلام والمسلمين . لما وصل إلى قفص
الاتهام اليوم ، ولما أوصلوا العراق وشعبه إلى هذه الحالة من قتل
وتدمير للمرافق والبنية التحتية للبلاد . ولما تهيأت الظروف
للولايات المتحدة وحلفائها تحرير العراق . ونال الشعب الكويتي
وحكومته نصيبا ً باهظا ً من الخراب والدمار على يد هؤلاء الطغاة
لقاء تقديم المساعدات الجمة لهم أثناء حرب الخليج الأولى . صدام
حسين وأعوانه هم الذين استدعوا قوات التحالف لتحرير العراق والقضاء
على نظامه نتيجة ممارساتهم اللاإنسانية بحق شعوبهم وجيرانهم .
إن هؤلاء المحامون الذين يدافعون عن صدام حسين وأركانه اليوم
يُعتبرون شركاء لهم في المجازر والجرائم
التي ارتكبوها بحق شعوبهم وجيرانهم من الناحية الأخلاقية
والإنسانية على الأقل ولأنهم يحاولون تبرئتهم من الجرائم التي
ارتكبوها ، ولأنهم عروبيون قومجيون إسلامويون مثلهم ، لأنهم يدركون
حقيقة جرائمهم ومجازرهم ويجتهدون لتضليل العدالة وعرقلتها . لو
كانوا يملكون ذرة ضمير لما قبلوا الدفاع عن هؤلاء المنغمسين في
الجرائم بحق مواطنيهم لكن الحقيقة أنهم لن ولم يسعوا لتحقيق
العدالة بين الإنسان وإحقاق الحق إنما يلهثون وراء رزمة من المال .
ثم يبدو أنهم مقتنعون تماما ً بأن مثل هذه الجرائم باتت مألوفة لدى
العراقيين منذ عهد الحجاج بن يوسف الثقفي يستحيلون استمرار حاكم في
الحكم دون انتهاج أسلوب القمع والتنكيل بحق الشعب العراقي كما
اقترفه الحجاج وصدام . وبقبولهم الدفاع عن مجرمي حروب الإبادة
والإنسانية كأنهم يعملون في إخراج مسرحية أو فيلم سينمائي أسطوري.
عفرين في اواخر أيلول 2006
حنيف حمدوش
|