الخروج من الحمَّام ليس كدخول الحمّام

 

إبراهيم هاواري                          

                                          

 4:3:2008

 دخلت القوات التركية كردستان العراق برغبة منها، ولكن هل خرجت بإرادتها؟!

 الإجتياح التركي الأخير(الأسباب والأهداف – النتائج - الدروس والعبر)

نريد تسليط الضوء على هذه الحرب التي قامت بها ثاني أكبر قوة في الناتو مزودة بأحدث التقنيات العسكرية من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن ركلمت لها وسائل الإعلام التركي والعربي والأمريكي لأكثر من شهرين، بدعوى شل حركة حزب العمال الكردستاني القتالية، هذا الحزب الذي يصنف لدى تلك الجهات كمنظمة إرهابية ينبغي تدميرها، وقد جاءت تصريحات البيت الأبيض وعلى أعلى المستويات وبالذات على لسان الرئيس الأمريكي جورج بوش ليعتبر PKK عدواً لكل من تركيا والعراق وأمريكا على حد سواء. وقبل الهجوم بقليل زار رئيس الوزراء التركي طيب أردوغان البيت الأبيض ونال الموافقة الأمريكية على الإجتياح، موعوداً بدعم أمني استطلاعي لكشف مواقع قوات جيش الدفاع الكردستاني قبل وأثناء الهجوم، وقد حظي الهجوم التركي باستحسان من جهة العراق الرسمي أيضاً، ليس كرهاً في  PKK فحسب، وإنما إفشالاً للتجربة الفدرالية في كردستان العراق، وتملصاً من الإتفاقيات والعهود المبرمة بين الطرفين، وتعطيلاً للدستور بشقه الكردي بما ويتعلق بتنفيذ المادة140 المتعلقة بتطبيع الأوضاع ثم إجراء استفتاء شعبي لتحديد مصير كركوك والمناطق المستقطعة الأخرى من جسم كردستان في أيام حكم البعث البائد، إلى جانب مستحقات إقليم كردستان من عائدات النفط ، والعديد من الحقوق الأخرى التي ينص عليها الدستور العراقي الفدرالي.

وهكذا راهنت جهات عديدة على هذا الهجوم، فالعسكرتاريا التركية هدفت من ورائه إلى إعادة دورها المهزوز في عملية صنع القرار السياسي التركي، واسترجاع مكتسباتها المادية، التي فقدتها بعد وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم، وراهنت الأحزاب العلمانية والقومية المتشددة، بتقليص نفوذ الحزب الحاكم الذي باشربالسيطرة على جميع مفاصل الدولة دون إحداث أية شوشرة أو ضجيج، أما الحزب الحاكم أراد أن يثبت للجميع في الداخل التركي بأنه ليس أقل تشدداً من الجانب الآخر حيال القضية الكردية ولحماية الأمن القومي التركي، وهكذا حدث إجماع تركي سياسي رسمي ومعارضاتي، مشفوعاً بتأييد شعبي لإطلاق العنان للآلة العسكرية التركية المدمرة في جنوب كردستان، واضعاً نصب عينيه إلى جانب ذلك إفشال التجربة الديمقارطية الفدرالية في كردستان العراق وتعطيل المادة140 والسيطرة على قمم جبال كردستان الإستراتيجية مع تشكيل منطقة عازلة بين جنوب وشمال كردستان، إضافة إلى أطماعها في كركوك ومناطق اخرى من العراق، كمحاولة يائسة منها للحيلولة دون إستقلال كردستان، والذي أصبح الشغل الشاغل لجميع الديكتاتوريات والعنصريات في المنطقة.

أما الجانب الأمريكي فقد وافق على الهجوم التركي رغم معرفته المسبقة بأن مصداقيته سوف تهتز كدولة عظمى تنفرد بقرارات العالم المصيرية- وخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وزوال الإتحاد السوفييتي من على خارطة العالم- فيما إذا أيد الجانب التركي المعتدي على حرمة أراضي دولة ذات سيادة بل وتعتبر هي مسئولة عن حمايتها باعتبارها لاتزال دولة محتلة للعراق وفق قرارات الشرعية الدولية.

إلا أن مركز القرار الأمريكي وظناً خاطئاً منه أن مداراته للأطماع التركية في إقليم جنوب كردستان، سيكسب الموقف التركي إلى جانبه في حربه المتوقعة مع إيران، متناسياً أن الحكومة التركية نفسها هي التي خذلتها في حربها ضد صدام عندما صوت البرلمان التركي على عدم السماح للقوات الأمريكية باستخدام الأراضي التركية في الحرب، ذلك البرلمان الذي كان الإسلاميون يسيطرون عليه تماماً كما هو الحال اليوم.

الديبلوماسية الأمريكية أكدت مجدداً أن لاصداقة دائمة ولاعداوة دائمة في السياسة. فالمصالح والمصالح وحدها هي التي تسمي الأعداء وتسمي الأصدقاء، وترسم خارطة معالم الطريق المستقبلية، فقدومها إلى منطقة الشرق الأوسط وإسقاطها لنظام بغداد الديكتاتوري، والعزم على متابعة تنفيذ مخططها في المنطقة بما ويحقق مصالحها الإستراتيجية البعيدة المدى كل ذلك تم تحت يافطة دمقرطة المنطقة، ولكنها لاتتوانى لحظة واحدة لتدير ظهر المجن للديمقراطية التي تتشدق بها على الدوام، ولكل من وقف إلى جانبها في أحلك الظروف، فيما إذا لمحت في الأفق الآخر خيوطاً قد تدلها إلى حيث مصالحها الوطنية.

ولكن يبدو ان حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر، فاستطاع الجانب الكردي بشقيه الجنوبي والشمالي أن يقلب الطاولة على الغزاة، وأن يلقنهم درساً لن يبرح يفارق مخيلتهم، فسيراجعون حساباتهم ألف مرة فيما إذا أرادوا معاودة الكرة. وتبين لهم بالتجربة العملية أن الخروج من جبال كردستان وهي عرين الأسود ليس كما الدخول إليها، وخاصة عندما يفقدون أكثر من 200قتيل و150 جريحاً وحوامة حربية ومئات القطع من الأسلحة والأعتدة الحربية، وتنهار معنويات جنودهم تحت ضربات وانقضاض نسور وأسود كردستان ونصف هؤلاء من اللبوات الأبيات، لقد تحطمت الغطرسة التركية تحت أقدام هذه القلة التي واحدها يعادل آلاف جنود ممجيك في الصلابة والشجاعة والمروءة، وهاهي لبوة جسورة تأبى شهامتها أن تجهزعلى الجندي التركي الذي وقع على أقدامها مسترحما يطلب منها العفو فتخلي سبيله دون مقابل، لقد كلّف الهجوم الجانب التركي الكثير مقابل استشهاد 9 من مقاتلي PKK  وهم مرفوعي الهامة والجبين.

إن معركة زاب والحاق الهزيمة بالجونتا التركية والنتائج التي ستتمخض عنها تضاهي معركة جبل هندرين التي قادها البطل الكردي محمد فاخر من بيشمركة البرزاني الخالد أمام جيش عبد السلام عارف الجرار، ولولا تدخل الرئيس الأمريكي واستجابة لنداء الإستغاثة التي لا بد أن أطلقته القيادة التركية للحفاظ على ماء وجوهها ويحضهم على الإنسحاب، لكانت خسائر الأتراك في الأرواح والعتاد والذخائر أضعاف مضاعفة.

فما هي الدروس والعبر التي لابد من أخذها من هذه المعركة الغير متكافئة في القوة والعتاد، والغير متوقعة لتلك النتائج.

1-      تبين أن لاأصدقاء للكرد بحق إلا قمم جبال كردستان وبالتالي فلابد أن يضحي الكردي بكل غالٍ ونفيس من أجل حماية هذا الصديق الصادق الأمين، وأن يدافع عن علو شأنه ورفعة مكانته وقدسية ترابه مهما علت التضحيات، وعظمت العطاءات فهو الصديق الحقيقي في الملمات والمحن، وماعداه تجار ومنتفعين.

2-      أن الكرد إذا ما حققوا وحدتهم، ومتّنوا جبهتهم الداخلية فليس في مقدور أية قوة في العالم مهما تفوقت في العَدد والعُدد أن تلحق بهم الهزيمة.

3-      الثبات والمثابرة والموقف الأبي مع إعداد العدة تقلب الموازين رأساً على عقب، فالموقف البطولي المشرف الذي أبداه رئيس إقليم كردستان الأخ مسعود البرزاني منذ بداية الأزمة وحتى نهايتها، ومعه شعب إقليم كردستان من جهة، والموقف الشجاع والمتحلي بالحنكة الثورية العسكرية الرائدة التي أبداها القادة الميدانيون ومعهم قوات الكريلا الأبطال، كل ذلك مجتمعة أقلب السحر على الساحر وألحق الهزيمة بالأعداء، أعداء الحق وأعداء القيم الإنساية أبناء آتاتورك الماسوني.

4-      الغباء التركي وحماقته وغروره، وربما كان للجانب الأمريكي يد في ذلك عندما شجع الغزاة الترك أن يقوموا بهجومهم في زمهرير شتاء جبال قنديل والزاب، ليستنكفوا عن المعاودة ثانية والتفكير بحماقات شبيهة من هذا القبيل مرة أخرى، وليضع العسكرتاريا التركية أمام قدرها المحتوم وهو القبول باللعبة السياسية الجارية في تركيا والمنطقة ولن يتحقق هذا إلا إذا أذاق غلاة الترك وفي مقدمتهم الجنرالات العسكريين طعم الهزيمة.

5-      إن كلا الطرفين الكرديين في شمال كردستان وجنوب كردستان، يشكلان عمقاً استراتيجياً للآخر وبالتالي لابد من التنسيق التام بينهما، وعدم انجرارهما إلى أحلاف قد تؤدي إلى إلحاق الأذى والضرر بالطرف الآخر ومن ثم بالمصالح الوطنية القومية في كردستان، وعدم تمكين الأعداء من إثارة الفتن بينهما، وجرهما إلى تناحرات داخلية كما فعلها الأنظمة الغاصبة لكردستان، وتسبب ذلك بإراقة دماء كردية بريئة على صخرة الخلافات الحزبية اللامحمودة ودسائس الأعداء فيما سبق.

6-      والأهم من هذا وذاك معرفة كيفية الإستفادة من هذا الإنتصار العظيم وتسخيره في خدمة قضايا الأمة الكردية والتي علا شأنها أكثر في المحافل الدولية، وخرجت من القمقم الذي أراد الأعداء وضعها فيه، تجسيداً للحكمة القائلة الضربة التي لاترميك تقوّيك.

7-      على الحزب العمال الكردستاني أن يكون حريصاً على الإنجازات التي تحققت على أرض جنوب كردستان بفضل تضحيات وعطاءات أبنائها البررة بلا حدود، وأن لايحمِّل هذا الجزء أكثر من طاقته فهو لايزال في طور البناء، والذئاب الكاشرة تتربص به السوء من كل حدب وصوب، فنجاح الإقليم نجاح للأمة وانتكاسة الإقليم انتكاسة للأمة وعلى أبطال جيش الدفاع الكردستاني وقيادته العسكرية والسياسية أن يسجلوا هذا الموقف المشرف لإقليم كردستان ولرئيسه الشهم الغيور مسعود البرزاني حيالهم فلم يخذلهم رغم الضغوطات الكبيرة التي مورست عليه من كافة الجهات، وأنتم كرماء والكريم يرد على المعروف بمعروف أكبر.

 

 
Link

News

Kdps

Gotar

Wêne

Stran

Têkilî

أتصل بنا

أغاني

صـور

مقالات

ك.د.ب.س

أخبار

مواقع الكترونية