|
حول
مؤتمرماسميت بجبهة الخلاص
الوطني
في سورية
إبراهيم هاواري
19.09.2007
خير
مانضح به إناء مؤتمر خدام وبيانوني الثاني بحق شعبنا الكردي هو هذه
العبارة اليتيمة الجميلة (كما أن تبني
نهج العزل والإقصاء والتمييزله انعكاسات خطيرة وأضراركبرى صدعت الوحدة
الوطنية، وفي مقدمتها الظلم الفادح الذي أصاب الشعب الكردي شركاءنا في
الوطن والمصير) نعم تمخض الجمل فولد
فأراً.
اختزلت جبهة الخلاص- تصريحاً - وجود شعب على أرضه التاريخية بهذه العبارة
المنمقة الخالية من أية انعكاسات عملية على أرض الواقع، وتلميحاً التكرم
عليهم بحقوق المواطنة (وكذلك ضمان
الحقوق المتساوية لكل المواطنين بغض النظر عن الد ين أو الطائفة أو العرق
أو الجنس)
إن
ماخرج به المؤتمر من نتائج كانت متوقعة لدى كل من يحظى بأدنى إلمام بألف
باء السياسة، ولم تكن بغريبة أو بعيدة عن الذهنية الراعية للإعداد له
ولانعقاده، فالعقليتان المؤثرتان في جبهة الخلاص هما الإقصائية
الإسلامية، والقومجية العربوية ممثلتان بشخصيتي بيانوني ( مرشد العام
لإخوان المسلمين في سوريا) وعبد الحليم خدام المستنفد طاقاته من قبل نظام
البعث السوري والمرقّن قيده من سجلات النظام الأسدي، حيث بدأ يبحث عن
موطىء قدم له لدى المعارضة السورية حتى يعود من شباك سدة الحكم بعد أن
أخرج من بابها غير مطرود.
إن
عقلية المعارضة الكلاسيكية السورية بمجملها لم ترتق إلى سوية المعارضة
الفعلية، فهي لاتزال تعيش ثقافة الرؤية بعين واحدة، وعينهاالثانية مغمضة
لاتستطيع أن ترى بها شيئاً، وبالتالي فهي لاتتميز عن ثقافة النظام
كثيراً.
أمام هذه المعضلة العقيمة التي لاتطعم خبزاً ولاتشفي غليلاً - ما هو
المطلوب من الجانب الكردي الذي يتحمل جزءاً كبيراً من المسئولية لما آل
إليه الواقع المؤلم الذي يعيشه والقمقم الذي حبس أجندته في داخله، كي
تتلاعب به أهواء الإقصائيين من الإسلاميين الهلاميين والقومجيين
العنصريين من القومية المتحكمة حسبما ماتشاء وكيفما تشاء ومتى تشاء.
فرغم أن المعارضة الكردية السورية تعتبر الأكثر تنظيماً، والأكثر
استعداداً للانسجام مع ضرورات المرحلة في المحيط السياسي الراهن مقارنة
بالطرف الآخر العربي، إلا أنها مع ذلك تفتقر إلى رزمة من شروط النجاح
وفق رأينا المتواضع، وبتجاهلها ستبقى تحوم حول نفسها ضمن حلقات مفرغة.
1-
إن التهافت
واللهث خلف أمثال خدام والبيانوني وغيرهما من المعارضة العربية وبشكل سري
وعلى انفراد ومن موقع الإستجداء يقلل من هيبة المحاور الكردي ومن شكيمته
في عيونهم، وبالتالي ينظرون إليه نظرة الإزدراء والدونية، وعدم الإكتراث
بما يتفوه به من ذكر للحقوق، ومن عرض للمأساة، ومن مطاليب عادلة، وهنا
تجدر الإشارة إلى مثال حي على لسان أحد المشاركين في وفد حزبي رسمي إلى
خدام، أن الأخيردفع الإستهتار به إلى استقبال الوفد بلباس النوم وبدأ
يتبرع بنصائحه القيمة على رئيس الوفد ويعلمه أسلوب النضال وكيفية
المطالبة بحقوق شعبه، وكيف أن نقل البيدر دفعة واحدة إلى البيت غير ممكن،
لكن إذا ماجزِّء سيكون نقله ممكناً. أقول إن الطريقة التي يسلكها المحاور
الكردي طريقة تنم عن روح الخنوع والذل، والموافقة ابتداءً على قبول
التبعية، والرضى بالفتات، ويشجع الطرف الآخر على التمادي في استعلائه
القومي وحتى الشخصي، مايجعل إمكانية التفاهم معه مستحيلاً، وانتزاع
الإعتراف منه بحقوقنا أكثر استحالة، فلأن مسألة المطالبة بالحقوق هي في
أساسها مسألة كرامة وعزة وإباء، ومن روَّض نفسه على الخنوع والقبول
بالأدنى لن يكون جديراً بانتزاع العزة والكرامة لشعبه، ففاقد الشيء
لايعطيه، ومن هنا تأتي أهمية من يريد المحاورة مع الخصم أن يتحلى بتلك
المناعة، ولايعني هذا بأي حال عدم تحليه بالمرونة والحنكة الديبلوماسية،
فالمرونة شيء وقبول الدنية بين أيدي الخصوم شيء آخر.
2-
ويقودنا
الشرط المشار إليه آنفاً - ذاتياً إلى شرط آخر أكثر أهميةً بل
ويعتبرشرطاً محورياً في انتزاع الحقوق، الا وهو شرط استجماع القوى وتوحيد
الصفوف والكلمة قبل الشروع في أية مفاوضات مع الآخرين، لأن المفاوض القوي
هو الذي يملي شروطه، والضعيف تملى عليه الشروط إملاءً وهولاحول له
ولاقوة، ففي الإتحاد قوة وفي الفرقة ضعف، وهنا تبدو بشكل جلي ما مدى
أهمية الحوار الكردي الكردي أولاً ثم مجابهة الآخرين بالمطاليب الكردية
ثانياً، ففي موضوعنا هذا يبدو أن الشخصية الكردية الأبرز في المؤتمر كانت
شخصية الأستاذ صلاح بدر الدين السياسي الكردي المحنك، ورغم ما قام به من
محاولة مشكورة من خلال كلمته الإفتتاحية لتثبيت حقوق الكرد المشروعة
والتي نوهَّ إليها تلميحاً من خلال الفدرالية المجربة في العراق وهذه
مانتفق معه عليها، إلا أن المذكور لو كان مسلحاً بسلاح التفويض من قبل
الآخرين من أبناء شعبه الكردي لجاءت نتائج المؤتمر أكثر انسجاماً مع
طموحات شعبنا بلا أدنى شك. ولكن قد يسأل السائل هنا سؤالاً مشروعاً – وهل
ياترى كان بالإمكان الحصول على هذا التفويض؟ وهذا يقودنا بدوره إلى سؤال
آخربالمقابل - وهل حاول الأستاذ أن يتشاورويسأل؟ فالمسؤلية مشتركة - هذا
لايريد أن يستشير ولا أن يسأل، وذاك لايريد أن يرد ولا أن يتجاوب، والذي
يدفع الضريبة دائماً هو شعب محروم حتى من أخذ رأيه في كيفية معالجة أسباب
مأساته.
3-
والشرط
الثاني يضعنا أمام إستحقاق آخر قد لايكون سهل المنال ولا في متناول اليد
بالبساطة المرجوة، لكنه بالتأكيد لن يكون مستحيلاً عقلاً، وكل ما في
الأمر يحتاج رغبة حقيقية في الوصول إليه، وإرادة قوية من أجل مد الخطوة
على الأرض نحوها، وذلك من خلال حجم نزواتنا الشخصية وأنانياتنا المفرطة،
التي كانت السبب الأهم في تمزيق وحدتنا السياسية وبعثرة طاقاتنا وقوانا،
والإبقاء على حالتنا الحرمانية المزرية، والقبول بواقع الحال والرضى
بفتات القوم.
إن
مراجعة وجدانية ذاتية مسؤولة كفيلة أن تضعنا جميعاً أمام حقيقتنا المرة
والتي بدونها سنمارس بحق أنفسنا أولاً وبحق شعبنا ثانياً خداعاً لن نجني
منه إلا خيبة الأمل، إن أردتم ياقادة الكرد أن تثمر جهودكم وتخرجوا من
القمقم الذي وضعتم أنفسكم فيه بملء اختياركم فما عليكم إلا وأن تتحروا من
القيود المكبلة التي تحد من حرية الإختيار، ومن الطوق المضروب حول
الأعناق، فعلينا أن نتحرر من أنفسنا ومن هواجسنا ومن الخوف المزروع في
ثنايا قلوبنا، ومن ثقافة الخصوم التي جبلنا عليها، فبدون تشخيص المرض لن
تتم المعالجة.
إن
شعبنا بأمس الحاجة إلى من يمثله في مؤتمرات شبيهة، وهذا التمثيل لن يتحقق
- وتجارب الشعوب أمام أعيننا - إلا من خلال حوار كردي كردي يتسم
بالشفافية والمصداقية منذ الخطوة الأولى، وعلى أرضية تحديد سقف حقوق
الشعب بعيداً عن الضبابية والديماغوجية المتبعة حتى اليوم، ولابد من
تحطيم جدار الخوف وقبول أحدنا للآخر والإبتعاد عن الفوقية المزرية تجاه
الشقيق، والشعور بالإعتزاز أمام الغريب، ومحاولة خلق روح الألفة الجامعة
والإبتعاد عن روح الكراهية الممزِّقة، وممارسة فنون الخداع مع الأباعد
لامع الأقارب، فهذه عوامل هامة في بناء جدار الثقة بين الإخوة لاينبغي
تجاهلها في أية محاولة تجميعية مستقبلية.
4-
إن القضية
الكردية في كردستان سوريا سوف لن تر النور إلا إذا أخرجت
من
بين مخالب الغول السلطوي وحتى الداخلي عموماً ولتصبح قضية شعب تشق طريقها
إلى المحافل الدولية وظروفها اليوم مؤاتية شريطة أن نتخلص من هواجسنا
الداخلية والتي غدت غير مبررة.
|