حوار مع الأستاذ شمس الدين حمو عضو اللجنة السياسية
لحزب يكيتي الكردي في سوريا

الكاتب Keskesor.info
02 / 02 / 2007
الأستاذ شمس الدين حمو من مواليد عفرين 1958 , تخرج من المعهد التجاري بحلب 1980. عضو في اللجنة السياسية لحزب يكيتي الكردي في سوريا.

وأنت تجالس الأستاذ شمس الدين يختلط عليك الأمر, إن كنت تجالس أحد قيادي الحركة الكردية في سوريا أم مثقفاً وسياسياٍ من الطراز الرفيع – إن جاز التعبير - ,فقد فاجئنا هذا الرجل بثقافة واسعة وإدراك أوسع , يأخذ بناصية المصطلحات والمفاهيم ( الفكرية والسياسية والفلسفية ولا نبالغ إن قلنا الثقافية أيضاً ) , ويطيعها في كتاباته وتحليلاته السياسية وشروحاته الفكرية .

يعرف عنه أنه قارىء جيد , فالكتاب لا زال صديقاً حميماً, ولأنه في عصر التقانة يطعم قرأته ببعض الدراسات والمقالات التي تنشر في الانترنيت.

يكاد الأستاذ شمس الدين حمو يفرغ من كتاب بحثي يعتبره فتحاً في علم اللغة وفلسفتها , ويقول عنها : ( يتجاوز البحث علوم اللغة من حيث كونها علوماً وصفية يقدم اللغة ذاتها علماً قائماً على العقل والمنطق , واتخذت اللغة الكردية نموذجاً في هذه الدراسة ) .

كان ل Keskesor Malpera معه هذا الحوار

1- مالذي تغير في صيرورة الحركة الكردية قبل وبعد عام 2000؟

كان يمكن للعام 2000 أن يؤسس لانطلاقة جديدة في تاريخ سوريا ,لو أن الوعود التي أطلقها النظام على لسان رئيسها الشاب قد تحققت , فقد تفاءل الناس خيراً وعلقوا الكثير من الآمال على مشروع التطوير و التحديث , الذي أطلقه الرئيس وما سمي بربيع دمشق كان عبارة عن حراك مجتمعي على أصداء خطاب القسم اطلقتها النخب السياسية و الثقافية في سوريا , ولم يكن الشعب الكردي بمعزل عن ما يجري في سوريا , بل هو جزء هام وأساسي من المجتمع السوري إلا أن شتاء دمشق كان سريعاً في القضاء على ربيع دمشق, وكانت الأجهزة الأمنية بالمرصاد للنشطاء من الشعب السوري , فزجت بالعديد منهم في غياهب السجون ,من أمثال د.عارف دليلة و رياض سيف ورفاقهم ,وكان شتاء دمشق أبلغ أثراً من النيل من عزيمة الديمقراطيين العرب السوريين ,في حين أن الشعب الكردي التواق إلى الحرية والمكتوي بنار التسلط أكثر من غيره , كان أشد عزيمة من أن ينال منه شتاء دمشق , خاصة وأن النخب السياسية الكردية كانت أقل رهاناً على مشروع التطوير والتحديث , بل كان رهانها على طاقات الشعب الكردي خاصة وأن المسيرة الثانية لحزبنا انطلقت في عام 2000 مع مؤتمره الثالث بعد مراجعة نقدية لحالة الاستعصاء التي عاشتها الحركة الكردية , فكان لنشاطه النضالي وعزمه على المضي قدماً دوراً رئيساً ليس في تحريك الشارع الكردي فحسب, بل كان له أثره الكبير على الساحة الوطنية عامة .

قد لا يكون هذا الدور واضحاً للمراقب العادي إلا أن مراجعة دقيقة لتطور الأحداث والمتغيرات في طبيعة المعارضة السورية خاصةً ما يتعلق بموقفها من قضية الشعب الكردي ,ونمو الخطاب السياسي الكردي ومفردات هذا الخطاب وبلورة القضية الكردية على أنها قضية أرض وشعب , ومقارنة هذه المراجعة مع مشروع حزبنا يكيتي الكردي في سوريا مع انطلاقته الثانية والأدوار التي لعبها الحزب خلال السنوات التالية لعام 2000 , ستكشف الأهمية البالغة لمشروعه وإصرار قيادته وأعضائه على المضي قدماً بهذا المشروع والعمل على ترسيخ مفاهيم نضالية جديدة وبناء معادلات جديدة للتعاطي مع قضية شعبنا الكردي .

2- يقال بأن أحداث آذار 2004 أو كما تقولون أنتم ( انتفاضة آذار ) أحدثت نقطة انعطاف في ألية الأحزاب الكردية, إلى أي مدى تغيرت آليات عملكم ( كحزب يكيتي الكردي في سوريا ) ؟

بداية أود التعليق على موضوع التسمية بالنسبة إلى (أحداث آذار ) وانتفاضة آذار هي في الحقيقة أحداث وانتفاضة فبالنسبة إلى ما جرى في ملعب كرةالقدم هي أحداث افتعلتها أجهزة السلطة هدفت إلى النيل من عزيمة شعبنا وكرامته بجلبها لمجموعة من االزعران والتطواف بهم في شوارع مدينة القامشلي والمنادة بحياة الدكتاتور صدام حسين وشتم رموز الحركة الكردستانية بما يتضمن هذا السلوك المشين من اساءة الى مشاعر الشعب الكردي ومن ثم الاعتداء على الجمهور الكردي في ارض الملعب , هذا الشطر من الحدث هو أحداث مفتعلة وفتنة , أما رد الشعب الكردي على هذه الأحداث وهذه الفتنة النتنة كان انتفاضة شعبية بكل معنى الكلمة , رفضت الخنوع والإهانة وعربدة المعربدين ,فهي بالنسبة إلى الشعب الكردي انتفاضة آذار وبالنسبة إلى الطرف الأخر فهي أحداث آذار .

أما حول أثر انتفاضة آذار على آليات وأداء أحزاب الحركة الكردية فهي لم تؤثر فيها فحسب , بل أظن أنها مثلت منعطفاً مهماً في تاريخ الشعب الكردي وسوف يمتد أثرها بعيداً في مسيرة شعبنا و حركته, فقد استعاد شعبنا من خلال الانتفاضة ثقته بنفسه, فهو صار أكثر إصراراً على حقوقه وقضيته ومن ثم أعطت دفعاً حقيقياً للكوادر المتقدمة فمنحتهم الجرأة والثقة بقدرات شعبهم , وهذا الجانب في غاية الأهمبة لأن الانتفاضة ستساهم في ظهور جيل جديد من المناضلين جيل قادر على الثقة بشعبه وطاقاته وقدراته جيل , لا يقبل الابتزاز من أحد , أو من أي طرف كان , جيل لا يراهن إلا على عدالة قضيته , وقدرات شعبه .

ثم إن أحزاب الحركة الكردية خاصة تلك التي نعتت كل عمل نضالي جريءبالتطرف والصبيانية اضطرت مرغمة لقبول الكثير من المفاهيم التي لم تكن تقبلها وانتقلت من مرحلة الرفض المطلق لتلك المفاهيم إلى الالتفاف الخجول عليها , وهذا انتصار من انتصارات الانتفاضة , فهي أسست لفرض مفاهيمها على الأحزاب الكردية و العربية معاً, ولا عجب في ذلك فهي فرضت الإعتراف ومهما كانت درجة هذا الاعتراف ومهما كانت درجة المناورة , فلن تستطيع أن تمحو النتائج العظيمة للانتفاضة.وبالنسبة إلينا كحزب يكيتي الكردي رسخت الانتفاضة نهجنا اكثر وعومت مشروعنا النضالي بتوسيع القاعدة الشعبية لمشروعنا , وأظهرته من مرحلة النواة إلى مرحلة النماء والاتساع , وكانت تجربة حقيقية لاستكشاف مفاهيمنا حول العمل الكردي ومدى صلاحيتها , واستدراك نواقصها وسد ثغراتها وعززت ثوابتنا وضمنتها في مواحهة محاولات النيل منها . وأنا على يقين بأنه لا يمكن الاحاطة بنتائج الانتفاضة في هذه العجالة فهي تحتاج إلى دراسات حقيقية لأنها ليس لها مثيل في تاريخ الشعوب , فلم يسبق أن عمت انتفاضة أمة بأكملها خلال ثلاثة أيام.

3 -مازال الشعب الكردي غير راضِ عن أداء الحركة الكردية في سوريا , كيف يمكن تجاوز هذه الحالة ؟

إن عدم رضى الشعب الكردي عن أداء حركته له أسباب عدة منها ما يتعلق بالحركة نفسها ومنها ما يتعلق بالواقع الموضوعي . او ما يعرف بالعامل الموضوعي والعامل الذاتي . في ظني أن العاملين يتفاعلان بشكل جدلي حيث كل منهما يساهم في تفعيل الآخر.

منذ أن نشأت الحركة الكردية كحاجة ضرورية لوجود معبر عن ارادة الشعب الكردي , اصطدمت بجدران الواقع التي شيدت على حساب مصالح الأمة الكردية عبر مؤامرة دولية اشتركت فيها معظم الدول العظمى تحقيقاً لمصالحها. إن النظام العالمي الذي شيد بعد الحرب العالمية الأولى والذي ترسخ في أعقاب الحرب الكونية الثانية , ومن ثم دخل في طور الحرب الباردة لم يعر أي اهتمام لمصالح الشعوب بل حرص هذا النظام على حماية الدول وسيادتها بما يضمن مصالح الدول العظمى . إن هذا الواقع جعل من إمكانية تحقيق أي هدف من أهداف الحركة الكردية عملاً مستحيلاً مما اضطرت الحركة الكردية إلى ممارسة سياسية وقائية في مواجهة مشاريع الابادة والصهرالموجهة إلى الأمة الكردية قاطبة ومنها شعب كردستان سوريا .

إن هذه السياسية الوقائية مهدت لنشوء تشوهات حقيقية في جسد الحركة الكردية عبر انشغال الحركة عن أهدافها الحقيقية وتحولها إلى أهداف وهمية ولا أقصد هنا بالأهداف الشعارات السياسية التي رفعت ,فهي رفعت من أجل الوقاية . وإنما المقصود هنا انعدام القدرة على التأثير في الواقع وتغييره , ادى إلى انحراف مسار الفعل السياسي إلى أهداف ثانوية , فبعد أن كان الحزب او التنظيم وسيلة وأداة صار غاية قائمة بذاتها , وإن هذا الحلول للأداة محل الأهداف شوهت المفاهيم والأفكار وشكل الاستلاب الأعمق لإنساننا الكردي فتحول العمل الحزبي إلى الانشغال بقضايا خلافية فارغة بدل الانكباب على إعداد الجماهير وتعبئتها من أجل قضيتها والمطالبة بالحقوق المهضومة فبرزت على السطح مفاهيم وتعريفات ما أنزل بها من سلطان , فصار مفهوم السياسية الواقعية يعني الإبقاء على الواقع ومجاراته وغاب عن الساحة مفهوم الفعل السياسي الذي يهدف إلى تغييرالواقع , ومن ثم اعادة انشائه من جديد , فانصرف المثقفون عن الأحزاب رغبة منهم في عدم المشاركة بالمهازل التي بدأت تنشأ في ساحة الحركة وكان لهذا الهجر بالغ الأثر في تردي الحالة الحزبية ,بحيث أفرغ العمل الحزبي من كل مضمون ماعدا الإنشغال بقضايا شخصانية والتنظير لقضايا الخلاف لتبرير الانشقاقات غير المبررة , ومن ثم العمل على بناء تحالفات وهمية غير فاعلة هدفها الإبقاء على الحالات الحزبية , ومن ثم مزيداً من الانشقاقات ...........وهكذا .

إن هذا الإرث أثر سلباً ليس على صورة الحزب لدى الناس فحسب , وإنما أثر سلباً على مفهوم التنظيم ذاته كضرورة إجتماعية لتحقيق أهداف الشعب ,فرغم أن الظروف الموضوعية قد تغيرت بعد انتهاء الحرب الباردة وبروز ظاهرة العولمة كظاهرة كونية وظهور معالم النظام العالمي الجديد , فإن الذاكرة الشعبية لا تزال تحتفظ بالصورة السلبية عن الحالة الحزبية من ثمانينيات القرن الماضي لا بل تتعدى هذه الحالة السلبية حدود الحالة الحزبية إلى العمل السياسي نفسه , فتشكل ما يمكن تسميته بالصد النفسي تجاه العمل السياسي والتنظيمي وهو يساهم بطريقة أو بأخرى في بقاء الحالة الحزبية على ما هي عليه , وأرى أن التصدي لهذا الواقع هو مهمة المثقف السياسي , والسياسي المثقف , وأقصد بالمثقف السياسي ذلك المثقف الذي يقف خارج الأحزاب و المعني بقضايا شعبه , وتجدر الاشارة هنا أن المثقف غير السياسي الذي لايهتم بقضايا شعبه ليس مثقفاً , فهو مدع ثقافة , أما السياسي المثقف أقصد به العاملين في حقل الأحزاب الملتزمين التزاماً حقيقياً بالعمل على تحقيق أهداف شعبهم ,هؤلاء وحدهم قادرون على إنتاج القيم النضالية الحقيقية التي تساهم في رأب الصدع بين العمل المنظم والشارع الجماهيري . فكما كان لانصراف العمل الحزبي عن القضية أثره البالغ في انصراف الناس عن الأحزاب .فإن إعادة الإعتبار للعمل الحزبي من خلال تصعيد النضال الفعلي سيكون له أثره الحاسم في إعادة ثقة الناس بالحركة.

4-عل أي أساس يتم الاصطفاف السياسي في الشارع الكردي ؟

إن المجتمع السوري بمختلف أطيافه أقصي عن الشأن العام لعقود مديدة من الزمن, وقد مورس الإقصاء بحق الكرد أكثر من باقي شرائح و أطياف المجتمع السوري ,لذلك يصعب الحديث عن اصطفافات سياسية حقيقية في الشارع الكردي فضلاً عن أن شعوب منطقتنا -الشرق الأوسط - ومنذ التاريخ تعاني من دول تسلطية لم تسمح بإنخراط الشعوب في العمليات السياسية , مما كرست ثقافات وتقاليد شعبية تحول دون الإنخراط الحر في الشأن العام فهناك التقاليد العشائرية و الإنتماء إلى العشيرة أو الطائفة أو المذهب بحكم الولادة لا بحكم الاقتناع أو الإدراك.

إن هذه الحالة العامة كظرف موضوعي للعمل السياسي حالت ولا تزال دون امكانية التعبئة السياسية من قبل الساسة و المفكرين الحقيقين (على ندرتهم) , وتشكيل أرضية خصبة لبروز المتسلقين على حساب القضايا والحقوق العامة وهي تساهم بشكل مخيف في تكريس مفهوم الراعي والرعية , التي تساهم بدورها في تضخيم الأنا لدى البعض لدرجة التقديس , حتى باتت القناعة بأن السياسة هي شأن خاص تقوم بها النخبة السياسية لا بل محترفوا السياسة , فارتبط مفهوم السياسة لدى العامة بالانتهازية والمؤامراتية والمكيدة , فابتعد الناس عن ممارسة السياسة كحق من حقوق المواطن بل كواجب من واجبات المواطنة . لهذه الأسباب التاريخية وبسبب ممارسات النظام التدجنية فلا يمكننا الحديث عن اصطفافات سياسية في الشارع السوري عامة والكردي خاصة . قدنتحدث عن اصطفافات حزبية أو عشائرية أو مناطقية , لكن من المبكر الحديث عن اصطفافات سياسية .

نحن في حزب يكيتي الكردي في سوريا حاولنا منذ بضع سنوات المساهمة في الارتقاء بسلوك الاصطفاف في الشارع الكردي وتوسلنا أكثر من وسيلة لتغيير معادلة الاصطفاف ونقلها من دائرة الحزبية أو العشائرية إلى الاصطفاف على أساس الموقف السياسي , لقناعتنا بأن شعبنا لا يمكن أن يكون فاعلاً في بناء مستقبله وتقرير مصيره , متجاوزاً لحالة المراوحة المزمنة التي يعاني منها,محبطاً لمكائد المتربصين به وقضيته , ما لم يساهم بكل طاقاته ويزج بها في معركته من أجل الحرية , ولا يمكنه فعل ذلك دون أن يتحرر أولاً من نفسه والقيود التي تكبله من الداخل , والتي تحول دون وثوبه على قدميه.

شهدت السنوات الأخيرة حراكاً سياسياً دولياً واقليمياً ومحلياً كان له أثر إيجابي على الشارع الكردي يجعلنا نتحدث عن بوادر لحراك سياسي واصطفاف الشعب إلى جانب قضيته بشكل عام , ولكن يبقى هذا الحراك في إطار التحرك العاطفي ونتيجة مباشرة لشعور الغبن الناتجة عن المظالم والقدر الهائل من القهر اللاحق بالشعب , فلم يرتق إلى مستوى التحرك على أساس من الوعي السياسي , بحيث تتمكن القاعدة الشعبية من خلال إدراكها لمصالحها وقضاياها من إلزام قياداتها الحزبية وغيرها بانتهاج السياسات التي تحقق المصحلة العليا للشعب وتصون قضيته .

5-كثيراً ما تناول خطابكم السياسي حتمية التغير الديمقراطي السلمي , على ماذا تعولون في ذلك, وهل لا زلتم بنفس القناعة؟

بداية نحن لا نفهم الحتمية بمعنى الجبر الإلهي , وإنما نرى بأن الظواهر الاجتماعية تشبه الظواهر الطبيعية , فهي ظواهر فوق إرادية وبالتالي , لا يمكن للعقلاء معارضة تلك الظواهر ومخالفتها , وإنما العقل يقضي التلاؤم معها والتكيف وفق مقتضياتها , فالظاهرة الاجتماعية هي حصيلة التراكم التاريخي ( التراكم الكمي يؤدي إلى تغير نوعي-علىحد تعبير ماركس-) وأكبر ظاهرة حديثة ظهرت إلى السطح هي ظاهرة العولمة , وهي ليست صنيعة جهة ما كما يفهمها الكثيرون وخاصة في بلدنا , وإنما هي حصيلة التقدم التكنولوجي والعلمي على امتداد العالم والتاريخ , وهي تقدم فهماً جديداً للعالم بوصفه كلاً متكاملاً لا يمكن تجزئته أوتقسيمه . مع هذا الفهم الجديد تسقط المعايير المستخدمة في العلاقات الدولية وفقاً للنظام العالمي القديم الذي بني على أساس تقسيم العالم حضارياً إلى شعوب متحضرة قادرة على إنجاز تقدمها ونموها بمعزل عن غيرها من الشعوب , فقد تبين للعالم أن هذا النظام القديم لم يعد قادراً على تلبية الحاجات البشرية في ظل الفهم الجديد للعالم , فالشعوب المتحضرة أو الصناعية هي في حالة تأثير وتأثر مع الشعوب الأخرى , وهي ليست بمعزل عن أزمات العالم , وبالتالي تبين أنه ليس من مصحلة تلك الشعوب الإبقاء على تخلف العالم كما تصوره واضعوا النظام العالمي القديم فبقاء العالم متخلفاً يمنع تلك الشعوب من إنجاز تقدمها المضطرد.

فحوى هذا الحديث أن الواقع العالمي لم يعد يحتمل وجود الأنظمة الشمولية التي تحاصر شعوبها في قماقم مغلقة, وأن مفهوم السيادة التي ضمنها النظام القديم لهذه الدول اعتراه التآكل وصار الكل معنياً بالكل , خاصة و أن النظم الشمولية القمعية تسبب بظهور نماذج بشرية مشوهة تتحول إلى قوة مدمرة تطال العالم المتحضر , فقد اضطر العالم الذي كان يحمي الأنظمة التسلطية إلى رفع الغطاء عنها وباتت عرضة لرياح التغيير.فمن وجهة نظرنا أنه لا يمكن لأي شعب أو أية دولة الخروج عن سياق العالم والعيش بمعزل عن العالم , لايمكن تحمل العزلة طويلاً , فلا بد من تغيير السلوك الانعزالي والانخراط في العالم , وهذا هو الحل الوحيد أمام سوريا , ولابد لها إن عاجلاً أم أجلاً من المصالحة مع العالم الخارجي للخروج من العزلة الدولية والعربية الحالية , وهذه المصالحة لا تتحقق كما يتصورها البعض بتقديم التنازلات للقوى الكبرى على حساب المصلحة الوطنية , وإنما تتحقق بالانخراط الحضاري في العالم وهو يتحقق بالضبط من خلال المصالحة مع الداخل . فقد تبدلت المصالح العالمية , فإذا كانت مصالح الدول الإستعمارية تتحقق بتقديم الدول الصغيرة تنازلات على حساب مصالحها الوطنية , فإن مصالح الدول الكبرى تتحقق اليوم من خلال تكامل تلك الدول الصغيرة معها , وهذا التكامل يقتضي صيانة المصالح الوطنية.

6- كسرتم الرتابة الحزبية عبر تبنيكم مبدأ تغيير سكرتير حزبكم بشكل دوري , هل هناك كسر للرتابة الفكرية ؟

في الأصل ما كان ممكناً تبني مبدأ تغيير السكرتير بشكل دوري دون مقدمات فكرية وتعليلات عقلية , فقد تم تبني هذا المبدأ بعد إعادة تقييم مفهوم المسؤولية الحزبية وتخليصها من الصورة الكلاسيكية التي تصورها البعض , على أن موقع السكرتير أو الأمين العام موقع اجتماعي , أو منصب سياسي يتقاتل الناس لتبوئه , إنما هو موقع للعمل و المسؤولية , والمسؤولية هي من السؤال , أي أن صاحبها يتعرض للمساءلة والمحاسبة إذا قصّر في أداء واجبه . فمن وجهة نظرنا أن موقع السكرتير أو أي موقع آخر في الحزب هو عبء على صاحبه وليس نفعاً أو امتيازاً , فنحن نشكر من يقبل بتحمل العبء فقط لأنه يعاني ويتحمل أكثر من غيره وإلا فلا ميزة له , ولكي لا يتحول الموقع إلى امتياز , ولكي لا نرهق شاغل الموقع أكثر مما يتحمله , ولأن شعبنا قادر على إنجاب العديد من القادة الجديرين بحمل أعباء النضال آثرنا أن تكون السكرتارية لدورة واحدة.

7- المرجعية الكردية التي كنتم السباقون إليها طرحاً ,هل ماتت أم ماذا ؟

نحن لم نكن السباقين إلى طرح المرجعية الكردية , هناك أكثر من طرح بهذا الخصوص , فالتحالف مثلاً طرح نفسه بأنه المرجعية الوحيدة للشعب الكردي منذ أكثر من عشر سنوات , والجبهة الكردية التي شاركنا في الحوارات الأولى لنشوئها مع البارتي ولم نتفق على بعض القضايا , اعتبرت نفسها مرجعية كردية أيضاً. وهناك طروحات عديدة في هذا المجال مثل المؤتمر الوطني أو غير ذلك , ولكننا قد نكون السباقين في بناء رؤية جديدة حول بناء المرجعية , فحزبنا منذ انطلاقته الثانية أصر في كل الحوارات التي جرت بيننا وبين الاخوة في الأطراف الأخرى على أولوية الاتفاق على الرؤية السياسية أولاً , فنحن من وجهة نظرنا أن الرؤية السياسية هي التي تؤسس لبناء أي شكل من أشكال التنظيم وليس العكس . أي أننا نرى بأنه يجب أن يسبق الاتفاق على الرؤية السياسية لحل القضية الكردية أي عمل أو حوار حول بناء شكل المرجعية أو كيفية بنائها , وهذه كانت قضية خلافية بيننا وبين الأخوة في الأطراف الأخرى, وقد تبنى مؤتمرنا الرابع في أواخر عام 2003 مفهوم الاتحاد السياسي وعلى أثره فقد طرحنا ورقة عمل كردية في بداية عام 2004 إلا أن انتفاضة آذار وما تمخض عنها طغت على المشروع آنذاك . إلا أننا نعتبر ظهور رؤى مشتركة في الآونة الأخيرة _ رؤية الجبهة والتحالف و رؤية أطراف لجنة التنسيق _ هي نقلة نوعية في أوساط الحركة الكردية , إذ هي لأول مرة تعترف بأولوية الرؤية السياسية على الأهداف التنظيمية.

8- هل برأيكم انتهى إعلان دمشق _بالنسبة لكم على الأقل _؟

لا يفهم الموضوع على هذا النحو , فالإعلان كوثيقة موجودة وكأطراف موجودون ونحن لا نلغي أحداً , ولكن من وجهة نظرنا إن إعلان دمشق لا يمكنه بصياغته الحالية أن يكون فاعلاً لا في الساحة الوطنية السورية ولا في الساحة الكردية , فالإعلان كوثيقة لم ترتق إلى مستوى وثيقة وطنية فهي تحتوي مجموعة متناقضات , هي تدعو إلى الديمقراطية من ناحية وتناقضها من ناحية أخرى , فهي مثلاً تقول بأن الدين الإسلامي يشكل الحاضن لثقافتنا العربية ,هذه دعوة لبناء دولة دينية , والديمقراطية تفترض الدولة العلمانية لا الدينية وهي تلغي غير المسلمين باعتبار الدين الإسلامي وعاءاً لثقافتنا ومن ثم هي تلغي أية ثقافة غير عربية بوصفها لثقافتنا بالعربية , لا أريد الإسهاب في الملاحظات المتعلقة بالوثيقة فيكفي أنها ترفض الاعتراف بوجود قضية الشعب الكردي خارج سقف المواطنة. نحن لا نستطيع أن نحكم على إعلان دمشق بالبقاء أو الانتهاء وإنما نحكم عليها بعدم الفاعلية وأنها لا تلبي المطالب الوطنية ولا المطالب الكردية .

9- ماذا عن العمق الكردستاني للحركة الكردية ؟

إن الشعب الكردي في الأجزاء الأربعة من كردستان شعب واحد,وكل جزء امتداد للأجزاء الأخرى والقضية الكردية في الأجزاء الأربعة قضية واحدة . ورغم الظروف المختلفة لكل جزء فهي نشأت نتيجة لمؤامرة واحدة أدت إلى تقسيم كردستان وإلحاقها بالدول الناشئة ولا يجوز لحركة أي جزء أن تذهب بعيداً عن الانتماء الكردستاني ولها حق الاستفادة من عمقها الكردستاني وعليها الرهان على هذا العمق بدل الرهان على الدول التي اقتسمت كردستان وتضطهد الشعب الكردي.

إن واقع الحركة الكردستانية الحالي لا يكشف عن وجود علاقات صحية بشكل كافٍ حتى تاريخه . فلا تزال القوى الكردستانية مستمرة في محاولاتها لاسترضاء دول المنطقة ظناً منها أنها تتفادى بذلك شرور هذه الدول , وظناً منها بأنها إذا ضحت في المقابل بمصالح الأجزاء الملحقة بتلك الدول ستحظى برضاها . دون أن تتعظ من دروس تجربتها وممارستها لهذه السياسة طيلة عقود . الحق يقال :إن الحركة الكردية في سوريا لم تنخرط في ممارسة هذه السياسة ولم تراهن أبداً على الدول التي تقتسم كردستان , وهذه إيجابية تسجل لها رغم تحمل هذا الجزء الملحق بسوريا تبعات هذه السياسية بشكل باهظ .

يبدو واضحاً أن هذه السياسة كانت ولا تزال وراء فشل بناء مرجعية كردستانية رغم أن فكرتها طرحت منذ سبعينيات القرن الماضي . كنا نتوقع تجاوز هذه السياسة في ظل المتغيرات العالمية الراهنة إلا أنها لا تزال مستمرة بكل أسف رغم أن رهان الأطراف الكردستانية على عمقها الكردستاني أكثر ضماناً من أي رهان لها على دول لم تتوان يوماً عن حبك المؤامرات الإقليمية والمعاهدات الأمنية التي تستهدف أمن ووجود الأمة الكردية وتطلعاتها وهي لن ترضى أبداً عن أي وجود كردي } لن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تدخل في ملتهم { فهذه الدول لن ترضى ولن يهدأ بالها حتى يدخل الكرد في خدمتهم وينصهروا في ملتهم .

المطلوب من الحركة الكردستانية في الأجزاء الأربعة وفي ظل المتغيرات العالمية الرافعة لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان ( أفراد وجماعات ) , العمل وفق إستراتيجية موحدة تقوم على أساس التزام كل جزء بقضية الأجزاء الأخرى من كردستان والامتناع عن أي سلوك أو أية سياسة تسيء إليها , مهما كان حجم المنافع المتوخاة من ذلك السلوك أو تلك السياسة بل بالعكس من ذلك على الأجزاء الأربعة تبادل التعاون وتقديم الدعم لأن تقدم أي جزء وتطوره يساهم في تطور الأجزاء الأخرى , وعلى الحركة عدم التأثر بما تحاوله أجهزة الإعلام المعادية لتحرر شعب كردستان والتي تسعى إلى إظهار الكرد بأنهم مذنبين أو عملاء للغرب وأنهم جلبوا الأمريكان إلى المنطقة. فليس مطلوباً من الكرد إثبات بطلان هذه الأكاذيب وتقديم تنازلات لمطلقيها كي ترضى فهي لن ترضى , وإنما على الحركة الكردستانية أن تؤسس إستراتيجيتها الدفاعية على تقوية أجزاء كردستان الأربعة وحريتها وطاقات الأمة الكردية .

10- كثر الحديث عن مؤسسات المجتمع المدني الكردية . كيف يجب أن تكون علاقة الأحزاب مع هذه المؤسسات من وجهة نظركم ؟

أرى بأن هذه المؤسسات تقتضي وجود مجتمع مدني ولا يمكننا وصف مجتمعنا الكردي بالمجتمع المدني فضلاً عن كونه مجتمعاً ريفياً أصلا , فإن سلطة البعث قامت بترييف المدينة وألغت العلاقات المدنية وحولت المجتمع والدولة إلى كيانات عشائرية متخلفة تتبع العشيرة الحاكمة فالحديث عن مؤسسات المجتمع المدني الكردي أو العربي في سوريا يكتنفه الغموض وعدم الوضوح . أرى أن الناس أفراداً أو أحزاباً يتعاملون مع الموضوع من قبيل أنه شكل من أشكال تجميع الناس في كيانات ومن ثم الاستحواذ عليهم وعلى آرائهم ولذلك بادرت الأحزاب إلى بناء أشكال من هذه المؤسسات وسمتها بأسماء مختلفة وأظن أن السلطة كانت سباقة إلى هذا السلوك .

إن تسمية جماعات المجتمع المدني ظهرت لحاجة مجتمعنا والمجتمعات الشبيهة له إلى إعادة العلاقات المدينية إلى المجتمع أي إعادة بناء الثقافة المدينية وهي بدورها ضرورية لاستعادة المجتمع لحريته المفقودة ومن ثم لممارسة دوره كمجتمع لا كقطيع . بتعبير آخر إن المهام المرجوة من هذه الجماعات هي المساهمة في خلق فسحات من الحرية أمام المواطنين لأنسنة المجتمع . فإن تشكلت هذه الجماعات فإنها ستساهم في خلق فضاء من الحرية ومجتمع إنساني جدير بالعمل السياسي يفتح الآفاق أمام الساسة وعملهم . أما الأحزاب والسلطات فهي لن تؤسس إلا نسخاً عن ذاتها .

11- الحقبة السابقة كانت حقبة الايديولوجيا , ماذا تسمون الحقبة الراهنة ؟

إذا صحت تسميتكم للحقبة السابقة أنها كانت حقبة الايدولوجيا وأن هذه الحقبة هي عكسها يجب أن أسميها بحقبة الحرية , فالأيديولوجية قيد للعقل وعكسها عقل حر.

12- هل وجدت قريتك ضمن خارطة الشرق الأوسط الجديد ؟

قريتي لا تهتم بالخرائط , هي قديمة قدم الأرض, متجددة مثل الشمس . إنها في كل صباح تستقبل دفء النهار رغم الإعصار . تعطر وجه السماء رغم تفسخ العالم . إنها لا تعبأ بالطيور المهاجرة ولا الغيوم العابرة.

أحبتني بجمالها فعشقتها . هي خارطتي و أنا حدودها .

13- سمعنا أنك تقرأ كثيراً , ما هي آخر قراءاتك ,وسعنا أيضاً أن لك بعض الاهتمامات (الثقافية) التي تتجاوز اهتماماتك السياسية, هل هذا صحيح ؟

آخر قراءاتي كانت في حبة زيتون من شجرة مباركة تفجرت نوراً فملأت الكون حباً وسلاماً. أما عن اهتماماتي الثقافية المتجاوزة لاهتماماتي السياسية هي أني أتعامل مع السياسة من حيث أنها ثقافة , فالحقل السياسي جزء من الحقل الثقافي الأوسع والأشمل , ولولا أني على يقين بأن قضية شعبي هي قضية عادلة لشعب جدير بمواكبة الحضارة الإنسانية , وأن واجب الدفاع عنها واجب إنساني , لما عملت في الحقل السياسي وتفرغت للعمل في مجال ثقافي بحت خاصة وأن بين يدي مشروع ثقافي هام يتجاوز في أهميته أي نشاط سياسي .

أكاد أن أفرغ من كتابة كتاب حول فهم جديد لفلسفة اللغة وبالتالي حول الترابط العقلي بين الدال والمدلول , والبحث يقدم فهماً جديداً للأصوات والحروف , ويتجاوز البحث علوم اللغة من حيث كونها علوماً وصفية يقدم اللغة ذاتها علماً قائماً على العقل والمنطق , واتخذت اللغة الكردية نموذجاً في هذه الدراسة .

إن الجديد الحقيقي في هذا البحث هو أن اللغويين كانوا قد أقروا أن أصغر وحدة دالة هي الكلمة وأن الحروف المنشئة لها ليست لها دلالات . في حين إننا وجدنا أن في كل صوت أو حرف أو سكنة دلالة راسخة وأن الكلمة هي جمع تتجاوز حدود الدلالة المفردة , ثم وجدنا بأن العلاقة بين الأصوات (الدال) والمواجيد (المدلول)علاقة عقلية محكمة عكس ما استقر عليه علماء اللغة ممن سبقنا بأن لا علاقة عقلية بين الدال والمدلول , وأنها علاقة اعتباطية ومحض تواضع ,ووجدنا أن اللغة المنطوقة هي ترجمة قائمة على العقل للغة الوجود (لغة الوجود هي لغة الأنوار) إلى لغة الأصوات . والصوت والنور هما وسيلتاٍ تواصل في الوجود يقومان بإلغاء الفجوة بين الموجودات من أشياء وأجساد .