|
الهروب من مخالب التطرف
هنكامه حاج حسن
قبل
أيام كنت موضع اختطاف من قبل عناصر في القوات المسلحة العراقية في مدخل أشرف
ولحسن الحظ قد نجيت. وفي بعد لحظات من نهاية هذا الهجوم من قبل القوات العراقية
والذي أدى إلى جرح عدد من إخواني، كنت أفكر في التطرف والطريق الصعب الذي خضناه
معا للنضال ضد التطرف. قبل اكثر من ثلاثين عامًا، وبعد أن سيطر الملالي على سدة
الحكم في إيران وفي بداية ثمانينيات القرن الماضي وفي الوقت الذي أعلن فيه
الحجاب إجباريا في إيران، كنت على وجه الخصوص في مكان عملي وهو المستشفى، أثير
ضجيجا لأن زي الممرضة بتلك القبعة البيضاء الجميلة والثياب الخاصة تعطي لها
هوية المرأة الممرضة،والممرضات قاومن وجابهن الطلب الرجعي لتبديل هذا الزي إلى
زي مرغوب للملالي، الذين لن يتمكنوا من الوصول إلى مطالبهم بسهولة. وكان هذا
الزي العامل الأساسي الذي جعلني محبة ومولهة بمهنة التمريض، وكانت الممرضة امرا
ترسخ في ذهني منذ الطفولة بتلك الملابس البيضاء والقبعة الجميلة كالملائكة ذات
الأجنحة البيضاء التي تحضر في اللحظات الحرجة بخطوات منسابة وسريعة عند أسرّة
المرضى وبشفاه مبتسمة وأيدي حنونة وحازمة كانت ترفع حمل الألم الثقيل من على
أكتافهم وتضع المرهم على جروحهم، أما في هذه الأيام كنت أرى أنهم تطاولوا على
ذلك وقد غيروا هذه الأحلام الجديرة بالمحبة إلى كابوس، أعتقد أن كل صديقاتي
وزميلاتي في الدراسة الذين قد عرفتهن بأخلاقهن الحسنة كن يعتقدن بعقيدتي أيضا،
لهذا السبب استمرت المقاومة أسابيع وأيامًا وشيئاً فشيئاً واجهنا وطأة أيدي
الجلادين.
دعوني أضيف بصفتي امرأة أنه وبرغم كوني أعتبر نفسي من أنصار مجاهدي خلق ففي بعض
الحالات كانت ظلال من الشك تسيطر على ذهني وتثقله وكان ذلك سؤال بصدد نظرة
مجاهدي خلق للمرأة وقضية النساء وكان في جوهر هذا السؤال والشك قضية الحجاب.
وبناء على هذا كنت أسأل لماذا النساء المجاهدات يرتدين الحجاب؟ كنت دائماً في
لقاءات وتظاهرات مجاهدي خلق الكبيرة والصغيرة صاغية، ومتهيئة، مِن الشخص الذي
سيسألني لماذا لا أرتدي حجاباً؟ كنت أمتحن في ذلك وهل لكوني امرأة سافرة
سيفرضون قيوداً عليّ أم لا؟ وهل سيميّزون بيني وبين النساء المحجبات وهل
سيتعاملون معي كما يتعامل الملالي مع المرأة برؤية (المرأة نصف الرجل) أم لا؟
لكن مثل هذا الشيء لم يحدث قط وأنا في جمع المجاهدين، وزالت بقية هذه الشكوك
خلال العمل والنشاط السياسي خاصة في خضم المشاركة في التظاهرات ضد شعار إما
الحجاب أو القمع التي أشاعها خميني واتباعه في المجتمع، وحينما كنت لا أرتدي
الحجاب كنت إلى جانب سائر النساء المجاهدات فشاركنا في التظاهرات ضد الحجاب
الإجباري، وفي ظل هذا تعرضنا إلى الضرب والتعذيب من أوباش وجلادي أتباع خميني
وآنذاك كنت أرى المجاهدات المحجبات يدافعن بكل قوة وإيمان عن حقوق النساء كي
يستطعن أن ينتقين نوع الحجاب الذي يردن ارتداءه وبهذا تيقنت أن هذا نفس الشيء
الذي قد سعيت وراءه. وأنضمت أنا وزميلاتي الأخريات إلى مجاهدي خلق والآن كثيرًا
منهن قد استشهدن في زنزانات تعذيب الملالي الحاكمين في إيران وأنا وعدد آخر من
زميلاتي وبعد مضى فترات في السجون تمكنا من الخروج والإلتحاق بالمنظمة مرة
أخرى. والآن اعيش مع 3400 مجاهد في مخيم أشرف لآعضاء مجاهدي خلق الإيرانية ونحن
نشكل 1000 أمرأ من ضمن هؤلاء الأعضاء.
وبعد هذه المقدمة الطويلة التي يمكن أن تعتبر تقديم لي شخصيا وكيفية انضمامي
لمجاهدي خلق، أريد أن أشرح ببساطة ما حدث لي قبل أيام. إن مكان سكني هو بالقرب
من الباب الرئيس لمخيم أشرف والآن منذ شهرين و نصف حضر عملاء مخابرات حكام
إيران وقوة القدس الإرهابية المرابطين في مدخل مخيم أشرف ويقوم هؤلاء العملاء
وبدعم وإسناد شاملين من الفوج العراقي المكلف بحماية أشرف!!، وسفارة النظام
الإيراني في بغداد بالتعذيب النفسي لسكان أشرف ويمنعوننا من النوم والراحة
ويوجهون إلينا تهديدات سافرة بـ إحراق» وإغلاق» المخيم وقتل» المجاهدين
واقتلاع ألسنتنا من حلوقنا. كما يطلقون شتائم أخجل أن اكررها وطبعا هذا ما
يلقنهم اياه عملاء الاطلاعات وبتوجيه وتشريع من مرشدهم أي الولي الفقيه علي
خامنئي.
وفي فجر الجمعة 16أبريل وفي الوقت الذي كان فيه العملاء وبواسطة مكبرات الصوت
يقومون بكيل الشتائم والأقوال المهينة ضد سكان المخيم مثلما فعلوا في الليالي
الماضية. ونحن ولامتصاص وقع الأصوات المزعجة التي تبثها مكبرات العملاء كنا
نقوم ببث قطع موسيقية لكي نمنع من ايصال شتائمهم إلينا. وحينما كنت أمشي في
الشارع بالقرب من الباب الرئيسي شاهدت بعضًا من الازدحام والتصعيد في الموقف.
وعندما اقتربت من المكان شاهدت ضباط عراقيين دخلوا وهم يأمرون بإخماد مكبرات
الصوت التي كانت تبث أشرطة من على مبانينا داخل أشرف لكي يفسحوا المجال أمام
العملاء لإيصال صوتهم بمكبراتهم إلى كل أنحاء المخيم فهدد أحدهم بأنه وبأمر من
الحكومة العراقية إذا لم نقطع صوت مكبراتنا في غضون دقائق فسوف تدخل القوات
العراقية لتحتل عنوة وبقوة المنشآت الواقعة في مدخل المخيم من ضمنها المكان
الذي أسكن فيه. قلنا لهم جيد اقطعوا انتم صوت مكبرات العملاء كونه قد حرمنا من
النوم والراحة وهي المكبرات التي قامت الحكومة العراقية علنًا بتزويد العملاء
بها، ونحن أيضًا نقطع صوت مكبراتنا..ولكنهم قالوا بوقاحة إن الحكومة العراقية
أمرت بأن العملاء أحرار مطلقو العنان لبث أي برنامج ولكن سكان مخيم أشرف غير
مسموح لهم بذلك، وفي هذا الوقت كان عدد كبير من القوات العراقية وما لا يقل عن
5 مدرعات من نوع همفي» قد انتشرت في مدخل أشرف.
ولكوني أسكن بالقرب من هذا المكان كنت اعرف عدد منهم وأسماء بعضهم. كما ورأيت
أحدًا كنت قد رأيته في 28 و29 يوليو الماضي حين كان يطلق النار على السكان
العزل في المخيم والآخرين الذين كانوا يضربون اخواتنا وإخواننا بالهراوات
الكهربائية في الهجوم الذي ادى في حينه إلى استشهاد 11 من إخواننا وجرح وكدم
الف من سكان المخيم العزل. نعم كنت اعرف بعض هؤلاء وكنت أشعر بما يقصدون.
وعندما رأيت هذه الوقاحة تقدمت وقلت إن واجبكم هو حمايتنا وليس حماية العملاء
الذين استقدمتهم الاطلاعات الإيرانية. وفجأة رأيت نفسي محاصرة من قبل العناصر
المسلحة العراقية. حاولت الهروب وتمكنت فعلاً ولكنه وبعد ثواني هاجمني عدد آخر
من عناصر القوات المسلحة العراقية واقتادوني وكانوا يريدون أختطافي وأخذي
كرهينة وفي هذه اللحظة وصل عدد من الأخوة المجاهدين وقاموا باحتجاج وتمكنت من
الهروب من أيدي الاشخاص الذين واجبهم حمايتنا!! و حماية المخيم.وأترك وصفهم
وتسميتهم وافعالهم للقارئ المنصف.
ثم اقتحمت القوات العراقية صفوف سكان مخيم أشرف وانهالت عليهم بالضرب بالهراوات
الكهربائية والقضبان الحديدية وهم يكيلون شتائم لنا وكل ذلك لأننا كنا نرفض
الرضوخ للأعمال التعسفية والتعامل الغير قانوني للقوات العراقية وتهديدها لنا
بإطلاق الرصاص والقتل. ونتيجة هذه الضربات أصيب خمسة من إخواني. وفي هذه
الأثناء كان العملاء يستمرون ببث الشتائم عن طريق مكبرات الصوت.
إني كأمرأة مسلمة مجاهدة ناضلت اكثر من ثلاثين عامًا من أجل حرية شعبي وبلادي
اطلب من كل الشرفاء في العالم العربي والعالم ليذكروا الحكومة العراقية
المنتهية ولايتها بواجباتها تجاه حقوق الإنسان وتجاه أفراد محميين بموجب
اتفاقية جنيف الرابعة وأن لا يسمحوا أن تكرر هذه الحكومة في آخر أيام عهدها
وخدمة للملالي المجرمين في إيران كارثة إنسانية بحقنا. كما أطالب الأمم المتحدة
أن تتولي حماية سكان أشرف.
وفي النهاية علي أن أذكر أن القضية هي نفسها بعد ثلاثين عامًا. وفي تلك الأيام
كان الخميني يريد أن يقوم بقمع الشعب الإيراني والنساء بشكل خاص واليوم القوات
العراقية الموالية لبقايا الخميني تريد قمعنا ورضوخنا إلى مطالبهم ونحن لن نرضخ
كما لم نستسلم طوال السنوات الثلاثين الماضية رغم ما فعله المجرمون.
* سجينة سياسية سابقة تعيش في مخيم أشرف لمجاهدي خلق
الإيرانية |