المدينة الثكلى*



هلان روباري

توجه أهل المدينة إلى ساحة السوق الكبير حيث بيت جين، لقد انتشر الخبر بسرعة وتناقلته الألسن والعيون، الشوارع شبه خالية من المارة، والمحال التجارية أغلقت أبوابها. استفهامات كثيرة تعلو شفاه الجموع المحتشدة تحت بيت جين، وبين عويل النسوة وصيحات الرجال، جاء الخبر الحزين؛ جين بنت الرابعة والعشرين وجدت غارقة بشلال متدفق من الدم، لقد أنهت حياتها ووضعت حداً لشقاء روحها. بعد ساعات قليلة أخرج نعش جين من ذاك البيت الذي لفظت فيه أنفاسها الأخيرة وسير بها وسط الناس الذين أخذوا يرجمونها بحجارة عيونهم ويشرعون لأنفسهم استباحة الجسد واغتصاب الروح. لكن السماء كانت أرحم فرذاذ من المطر هطل بهدوء حزين ليشاطر المدينة الثكلى دموعها وليلامس ذاك الثوب الأبيض الذي لف جسد جين قبل أن تواري الثرى.

كانت جين تعيش مع حبيبها شيركو قصة حب رائعة، كانا أروع عاشقين ينسجان بمشاعرهما أسمى ملاحم العشق، وكأنهما روح واحدة تعيش في جسدين. استمر حبهما العذري قرابة السبع سنوات، عاشا معاً كل متقلبات الحياة، لكن الأشهر الأخيرة كانت قاسية جداً على جين، فقد عذبتها المسافات وساعات الانتظار بتتالي نوبات الألم، ورممت مشاعرها وأحلامها عشرات المرات، وذاك الحب الذي لطالما دفعها لتتشبث بالحياة صار الآن ينهش جسدها يغطي على طفولتها والشكوك والظنون عَصَرا قلبها أخنقاها بعد أن بلغها حبيبها ورفيق المشوار الطويل الذي تعلمت بين أحضانه أبجدية الحب، وبكل برود أنه سيسدل ستارة الأمل ويودع الماضي بلا عودة فقد استسلم للواقع وبعد أن نفر أهله من حوله ولن يقوى على مواجهتهم فهم يضعون مئات الحواجز الوهمية ويغتالون الحلم الذي لطالما راود جين أن تلبس ثوبها الأبيض وتزف لحبيبها، وبالفعل ارتدته لكن لتزف لمكان آخر.

لربما غفل شيركو أنه بلهجته العمياء يعلن مقتل أروع قصة حب، ويسوق جين قبل الآوان إلى مكان إقامتها الأبدية. فقد سهل عليه أن يقتل روحاً عاشت من أجله يهجر قلب لم يسكنه سواه. انبعثت كل الأحداث التي مرت على جين لتترابط وتتراكم لتشكل في النهاية خليطاً من الصدمات، فتحت عينيها فجاة لتجد نفسها بمنتصف الطريق لقد تنكر لها حبيبها بعد أن خلَّف خنجره الصدأ في ظهرها، احساس بالوحدة القاتلة استعمرها جرها نحو الفراغ نحو النوم نحو العدم، أيعقل أنها قضت أجمل مرحلة من شبابها تسير وراء سراب ووهم؟!!

لم تجد جين بُداً غير الرحيل بصمت لتختصر مسافات الألم والإحباط، وامتلكت الشجاعة الكافية كي ترسل روحها عالياً بعيداً إلى السماء، رغم إدراكها إن الطيران بلا أجنحة حماقة لن يغفرها التاريخ يوماً، فسحبت ذاك المسدس الأحمق وغرزته في قلبها ليتوقف عن الحب مرة أخرى، وفي تلك اللحظات المتشردة التي تفصل بين البقاء والرحيل تمنت لو ترى شيركو لآخر مرة، أغمضت عينيها وروحها عطشى لوجه رجل لم تحب أحداً في الأرض كما أحبته. فينوس رحلت عن مسرح الحياة وتركت خلفها مساحات بيضاء شاسعة لهؤلاء وأولئك كي يمارسوا طقوس حنينية اليها كل حسب طريقته الخاصة. أما شيركو تحول إلى بقايا عاشق حطمت العادات والتقاليد فؤاده، وتقمص صمته واختفى وراء حروفه ومبرراته ليصرخ من وراء قلبه وعقله وأنامله..، جين لا ترحلي..!!

 
Link

News

Kdps

Gotar

Wêne

Stran

Têkilî

أتصل بنا

أغاني

صـور

مقالات

ك.د.ب.س

أخبار

مواقع الكترونية