ترى هل يسمع الأسد الراحل الأنين السوري؟


جان كورد، ‏الخميس‏، 08‏ نيسان‏، 2010


       نقرأ في بعض الجرائد والمجلات وفي مواقع انترنتية سورية شهيرة هذه المقولة الجميلة للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد:
"لا أريد لأحد أن يسكت عن الخطأ أو أن يتستر عن العيوب والنواقص."

فنحتار كيف نتعامل معها، ونتساءل: كيف يمكن التعرّض لهذا النظام الموروث عن صاحب العبارة ذاته، بكل مافيه من أخطاء وعيوب ونواقص، تراكمت منذ قيام ماسماه باني النظام ب"الحركة التصحيحية" في عام 1970.

وعلى الرغم من أن الذين كانوا يعارضون النظام في عهد الأسد الراحل، كانوا يتعرّضون للمضايقات والاعتقال والتعذيب والسجن فترة طويلة من العمر، كما هو حالهم اليوم، حيث عانوا سابقاً ويعانون حالياً من ذات الأساليب القمعية، إلاّ أن المعارضة السورية قد كسرت منذ زمن بعيد حاجز التعتيم الاعلامي والجليد الاشتراكي، حتى في أحلك الظروف وأشدها قتامة، ولا يمكن الادعاء أبداً بأن هذه المقولة الأسدية "الحلوة حقاً" كانت تشجّعهم على ذلك، حيث لم تتطابق الأقوال بالأفعال في تأريخ النظام البعثي أبداً، ولم يصدّق أحد من العقلاء أن هذه العبارة ستنقذه عندما يقع قول من أقواله تحت مقص الرقيب، أو تنقل جملة نقدية منه في تقرير سري إلى إحدى دوائر الأمن السياسي والعسكري في البلاد، بل لأن الكيل قد طفح، ولم يعد يتحمّل الشعب السوري كل تلك التناقضات بين ما كان ولا يزال يسمعه في الخطب الرنانة والبيانات المدبجة تدبيجاً بلاغياً مليئاً بالأساطير الشرقية عن عظمة البعث وقوته وتأصله في وجدان الأمة العربية، وما كانت ولا تزال تتلى عليه من تلك المدائح الطافحة بآيات التملّق للقائد الأبدي، تلك التناقضات بين الشعارات التي تزيّن الشوارع السورية وما يحدث على أرض الواقع السوري حقيقة. فلا الاشتراكية اشتراكية، ولا الديموقراطية "الشعبية!" ديموقراطية، ولا الحرية حرية، ولا الوحدة تمت، ولا العدالة تحققت، ولا النصر على "الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية" تحقق...بل تراجعت سوريا، اقتصادياً ودولياً، وتراكمت الأخطاء والعيوب والنواقص في النظام وحوله، حتى اتسع الخرق على الراقع كما تقول العرب.

الأسد الراحل "لايريدنا أن نسكت عن الخطأ أو أن نتستّر عن العيوب والنواقص" ، ونظام وريثه (نجله) لايزال يرفع هذه المقولة ويفتخر بها وبقائلها، ولكن هل بقي شيء في النظام لم تعتريه العيوب والنواقص بعد؟

إن أكبر خطأ وعيب وناقصة هو أن يخاف المرء على نفسه من الاعتقال بسبب رأي سياسي أو نظر قانوني أبداه في شأن من شؤون البلاد، كما حدث لشيخ الحقوقيين الأستاذ هيثم المالح... فهل صدّق الرجل هذه المقولة أم أنه قال الحق، لايخاف في الله لومة لائم؟

من أكبر الأخطاء أن تسجن امرأة مسالمة فترة طويلة من الزمن، بسبب آرائها السياسية أو تصريحاتها الصحفية أو الافصاح عن حلمها في كتابة رواية عن مآسي بلادها، مثل ما حدث للسيدة فداء الحوراني والسيدة طل الملوحي، وغيرهما من الناشطات السوريات. فهل حملن السلاح؟ أو التجأن إلى العنف، حتى يتعرّضن للاعتقال والسجن طوال هذه الفترة؟

من العيوب والنواقص الخطيرة في النظام أن لايحترم العقود والمواثيق والمعاهدات الدولية الخاصة بالمسائل والقضايا الحقوقية القانونية، متذرعاً بأن الدولة الفلانية لاتحترم أيضاً هذه المعاهدات. فهل تلتزم الحكومة السورية بالمعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان؟ أم تدوسها بنعال رجال الرعب والاستبداد؟

من هذه العيوب الفاضحة أيضاً، وهي كما قلنا موروثة من العهد الأسدي الأوّل، بقاء انسان طوال حياته محروماً من حق الجنسية في بلاده، كما هو حال مئات الألوف من الكرد السوريين، وعندما يرحل من الدنيا يخلف وراءه أطفالاً محرومين من الحق ذاته، يخدمون الخدمة الالزامية دفاعاً عن "الوطن المشترك" ويحرمون في الوقت ذاته من المبيت في فندق سوري لأنهم لايملكون بطاقة "الهوية الشخصية" التي يجب عرضها هنا وهناك، أينما حلوا... أهذا مجرّد عيب ونقص في النظام، أم جريمة مرتكبة منذ عقود متتالية ضد الإنسانية؟

القضية أكبر من مجرّد أخطاء، والقضية أهم بكثير من مجرّد عيوب ونواقص لايريدنا الأسود البواسل واتباعهم الاعلاميون السكوت عنها، بل هي الجريمة المنظّمة والمرتكبة بأدوات القانون بحق شعب من الشعوب، ألا وهو الشعب الكردي...فهل سمعتم بأطفال سوى أطفال الكرد محرومين من حق تعلّم لغتهم الأمّ في هذا العالم الفسيح كله؟

اسرائيل اليهودية "الصهيونية" لاتمنع الطفل الفلسطيني من تعلّم لغته العربية، ولكن سوريا التي قال فاتحوها يوماً بأن التاريخ لم يعرف أحداً أرحم منهم ترفض هذا الحق للطفل الكردي. فأي عيب وأي نقيصة هذه؟ لا أيها الأسديون! هذه جريمة بحق الإنسانية مرفوضة شرعاً ومرفوضة دولياً...أتعلمون ما سيحدث للطفل الكردي إن يرمي شرطياً سورياً بحجر؟ لاتستغربوا أن يفعلوا به مثلما فعل علي الكيمياوي بأهل حلبجة الكردية في عام 1988.

من أعظم العيوب أيضاً، أن يعيش أكثر من 10% من أبناء الشعب السوري تحت أدنى ظروف الفقر، وتتحوّل سوريا في ظل الحكم الأسدي، حيث بعض العوائل المحيطة برؤوس النظام تمتلك الملياردات من الدولارات والاسترليني وأكوام الذهب، وهذا يخرج من خانة "العيب" إلى خانة السرقة المنظّمة والهدر المنظّم لأموال الشعب السوري...

من أعظم العيوب أن يموت أناس في غياهب السجون، لايرون أبناءهم وأحفادهم إلا سويعات قليلة، طوال السنة أو السنين، فيضطّر المرء إلى البحث عن تسمية مطابقة وملائمة لهذا، فيقول: هذه جرائم ضد الإنسانية، وليس مجرّد أخطاء أو عيوب أو نواقص.

هل يمكن اعتبار اعتقال امرأة بسبب نشاطات الزوج أو الأخ أو الابن مجرّد عيب في النظام، أم أنه تخلّف عن العصر ونشوز عن المدنية وجرح للكرامة الإنسانية؟ كيف يرتكب من فيه ذرة من الأخلاق البشرية مثل هذه الجريمة؟ وفي أي عصر يعيش؟
هل يمكن أن يعتبر مجرّد الانتماء لحزب سياسي (ديني أو علماني) كافياً للحكم على انسان بالاعدام، في حين يتمتّع حزب على شاكلته تماماً بكل حقوق الرخصة والعمل العلني في بلد جار؟ أهذا عيب أم جريمة بحق الإنسانية؟

هل يمكن قتل مواطنين ومواطنات بسبب احتفالهم / احتفالهن بعيد الربيع الذي تعترف به الأمم المتحدة كإرث ثقافي غير مادي للبشرية كلها؟ وهذا ما حدث في سوريا، في مدينة الرقة هذا العام في يوم نيروز...وهل قتل النفس البريئة يعتبر في نظر القانون الوطني والدولي عيباً و ناقصة و خطأ، أم جريمة ضد الإنسانية كجرائم ميلوزوفيتش الصربي وعلي الكيميائي البعثي، وعيدي أمين وبول بوت وبينوشيت وغيرهم؟

لو وضعنا جدولاً بما يرتكبه النظام القائم في سوريا من خروقات للائحة حقوق الإنسان، لوجدنا أنه يملك سجلاً أسود، حسب ما يصدر عن المنظمات المختصة بذلك في العالم، ولرأينا أنه حائز على درجات في تدوين النقاط السوداء في صفحة بلاده، وأنه تجاوز أنظمة عنصرية معروفة في ذلك المجال، وهو الذي يتشدّق في الوقت ذاته أكثر من غيره بدفاعه عن حقوق الشعوب وعن حريتها، ويملك لذلك ألسنة وأقلاماً مأجورة كثيرة في الداخل والخارج، ومن تلك الأقلام من أصبح مستشاراً أو مستشارة للرئيس، و من ثم وزيراً أو وزيرة... يرون خروقات حقوق الإنسان لغيرهم ولايرون جرائم نظامهم، ويتألمون مع ذلك من اختلاف الموازين والمعايير الدولية في هذا الحقل الهام... فيا لهم من خونة ويالهن من خائنات للانسانية في وضح النهار...!

فماذا بقي من أهمية لمقولة الأسد الراحل، إن كانت صادرة عنه بصدق؟ ولماذا حملها هؤلاء الأتباع المتملّقون الدجالون كشعار برّاق، إن كانوا يؤمنون بها وبصاحبها بصدق؟ فلا أحد في النظام يطبقها على نفسه، ولا أحد في الشارع يثق في العمل بها دون أن يذهب في داهية كما يقال.
 

 
Link

News

Kdps

Gotar

Wêne

Stran

Têkilî

أتصل بنا

أغاني

صـور

مقالات

ك.د.ب.س

أخبار

مواقع الكترونية