|
نظام الأسد
بين خطوط التماس الساخنة في المنطقة
جان كورد
25 آب، 2009
كما
نجد في المجلات والصحف المختلفة زاوية للأبراج الفلكية، فإن هناك على كل الخارائط
خطوط ومربعات تتحدد بها الجهات والأطراف والاقاليم، ولكل برج فلكي توقعاته
المستقبلية حسب ظنون "العارفين!" بها، كما لكل مربع على الخريطة حسابات مستقبلية
تتعلق بالاستراتيجيات الدولية والسياسات الاقليمية للبلدان التي لها علاقات مباشرة
وغير مباشرة بتلك المربعات...وإذا كانت التوقعات الفلكية مجرّد ظنون وتلاعب
بالأقوال لا دقة علمية فيها وهي فاقدة للمصداقية في عالم الواقع والحقائق، وتستند
على التصادفات والخزعبلات وقليل من الخبرات الفلكية العامة، فإن ما يتوقعه
الاستراتيجيون والمهتمون بالمربعات الخرائطية يعتمدون في تحليلاتهم ودراساتهم
وتوقعاتهم على سيل كبير من المعلوماتية العلمية والخبرات السياسية ويربطون ذلك
بالكثيرمن التوقعات المالية والاقتصادية، لذا فإنها أقرب إلى الواقع، وليس هناك بلد
متطور في العالم لا يعتمد على النشرات الدورية والتقارير الرصينة للمعاهد
الاستراتيجية بصدد هذا المربع أو ذاك على الخريطة السياسية...
اذا ما نظرنا إلى خريطة الشرق الأوسط السياسية الحالية لوجدنا النظام الأسدي –
البعثي في سوريا يرقص في مربعه الخرائطي على أنغام سيمفونيات مختلفة، دولية
واقليمية، ويقترب من عدة خطوط تماس ساخنة لقوى تقف في مواجهة بعضها بعضا، ولايدري
أي من المراقبين متى تندلع النار على هذه الخطوط التي تزداد حرارة وحساسية...
فمن جهة يقع نظام العائلة الأسدية (المالكة جمهوريا) بين خطي تماس (ايران –
اسرائيل)، وفي حال اندلاع أي قتال بين الخطين المتخاصمين بقوة لن يبقى هذا النظام
في أمان، فالايرانيون سيطلبون منه استخدام الصواريخ والأسلحة الفتاكة التي حصل منهم
عليها في السنوات الأخيرة كمساعدات من دولة صديقة وشقيقة ، والاسرائيليون سيسددون
ضربات موجعة بهدف تحييد دمشق وردع نظامها عن ارتكاب أي خطأ عسكري كبير...ويكفي لأن
تندلع النيران على خط التماس الاسرائيلي – الايراني أن ينشب قتال فجائي بين اسرائيل
وحزب الله اللبناني... ولذا فإن نظام دمشق يحاول بشتى الوسائل ممارسة مختلف أنواع
الضغوط على السيد حسن نصر الله حتى لايتسبب في توريط سوريا في حرب مع عدوتها القوية
اسرائيل...ويسعى جاهدا للاقتراب من "سنة لبنان" أيضا لخلق بعض التوازن..
ومن جهة أخرى، هناك الخطر الكبير الذي يتهدد نظام الأسد من خط التماس الأمريكي –
الايراني الذي كان ملتهبا سابقا، وبخاصة في منطقة الخليج، حيث كادت السفن الحربية
الأمريكية والايرانية تصب الحمم على بعضها بعضا، في عهدالرئيس السابق جورج دبليو
بوش، وهدأ هذا الخط منذ وصول السيد أوباما إلى الحكم في البيت الأبيض إلى حد ما،
إلا أن اصرار ايران على الاستمرار في النهج الساعي لامتلاك القنبلة النووية وخرق
المواثيق الدولية بصدد الانتاج النووي قد يصب الزيت على النار ويحوّل المنطقة إلى
جحيم أبشع وأشد لهيبا من العراق فيما مضى، والخاسر الأكبر بعد ايران في المنطقة
سيكون نظام الأسد البعثي بالتأكيد، قبل دول الخليج وقبل الولايات المتحدة واسرائيل،
من النواحي الاقتصادية والمالية ولربما من حيث تقزيم الجيش السوري إلى مجرّد قطعات
صغيرة لا حول ولا قوة لها قد لا تقوى حتى على حماية النظام ذاته من "هبّة أو هبات"
شعبية للاطاحة بالعائلة المالكة الحاكمة في دمشق...
هناك خطا تماس آخران، لسوريا الأسد علاقة تكاد تكون مباشرة معهما:
-خط التماس في منطقتي كركوك والموصل في العراق، حيث الكورد يطالبون باصرار، حسب
المادة 140 من الدستور العراقي، التوصل إلى حل اداري وسياسي للمناطق المنتزعة من
كوردستان، ويرفضون كل السياسات التي تعرقل اجراء انتخابات تحدد هوية كركوك والعديد
من المناطق التي اغتصبها نظام البعث الصدامي من بلاد الكورد وغيّر معالمها
الاثنوغرافية طوال عهد حكمه، وحيث الأقليتان العربية والتركمانية في كركوك تتمسكان
بمبدأ "التوافق" وتقسيم السلطات بنسب متساوية بين العرب والكورد والتركمان (أي
ترفضان الانتخابات!)، في حين يتم رفض هذا (التوافق) من قبل الأكثرية العربية في
الموصل لأنها فازت فوزا حسنا في الانتخابات...وإن التواطؤ الحكومي المركزي للسيد
نوري المالكي مع كل من هو ضد المطالب الكوردية وحشده لقوات عسكرية في المناطق
المغتصبة هذه، قد يؤدي إلى انفجار كبير يعيد العراق والعراقيين إلى أيام قطع الرؤوس
وقيام الامارة الاسلامية وبناء الجدران الاسمنتية وسط العاصمة للفصل بين العراقيين
أنفسهم... وترّدي الأوضاع في العراقيين سيجلب لسوريا مشاكل كبيرة كهجرة مئات الآلاف
من العراقين إلى سوريا وما ينجم عنها من أزمات ونتائج وخيمة... والغريب أن الحكومة
العراقية بدأت في الآونة الأخيرة تشير باصابع الاتهام المباشر إلى تورّط النظام
السوري في دعم العاملين على احداث مزيد من أعمال الشغب والعنف والتفجيرات الارهابية
في العراق، بعد أن كانت تتكتّم على ذلك أو تتحدّث بصورة لبقة في الماضي، ووصل الأمر
إلى سحب السفراء والمطالبة ب"رؤوس الارهاب البعثيين" المتواجدين في سوريا، وكثير من
الزبد الاعلامي المتعاكس بين البلدين...
-خط التماس الناري الذي يلاصق المربع السوري هو احتمال تأجيج جنرالات الجيش
الطوراني التركي لنار الحرب الشاملة بين جيوشهم وبين مقاتلي حزب العمال
الكوردستاني، وذلك بعد أن فشلوا في وقف السيد رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان المدعوم
تماما من قبل السيد رئيس الجمهورية عبد الله غول عن الاستمرار في نهجه الحالي
الموسوم ب"الانفتاح على الكورد"...ومن المتوقّّع أن يجد الجنرالات الطورانيون
المستفيدون شخصيا وعائليا من استمرار سياسة الحرب والتسليح من يرقص على ايقاعا
موسيقاهم الحربية في الجانب الكوردي بحكم علاقاتهم العريقة داخل الوشيجة الكوردية
من خلال شبكة "الأرغنكون" التي تديرها "الدولة الواطئة" منذ سنين طويلة، ويعترف بعض
مسؤوليها الكبار الآن أمام المحاكم التركية بعلاقاتهم مع الجانب الكوردي على
مستويات عليا منذ زمن بعيد... إن وجود آلاف من المقاتلين الكورد السوريين في صفوف
حزب العمال الكوردستاني، والدور السوري الخطير في محاولة التخلّص من زعيم هذا الحزب
قبل أعوام، وعلاقات النظام السوري المتينة مع الحكومة التركية حاليا، كل هذا سيكون
له تأثير سلبي كبير على نظام دمشق الذي فقد عطف الكورد تماما، ولم يعد هناك أي فصيل
كوردي، سوى بعض العملاء الضعاف جماهيريا، يستطيع ربط مصيره بدمشق بعد كل ما فعله
النظام السوري بالشعب الكوردي، وبخاصة منذ انتفاضة 2004 المجيدة...
النظام السوري ليس بتلك القوّة التي تؤهله للخروج من وسط بؤر النزاع الاقليمية
الساخنة هذه بحكمة وبراعة هؤلاء الحاكمين اليوم في دمشق، إذ يبدو أنهم يفعلون كل ما
يضر بهم وببلادهم وبشعبهم السوري، وسياساتهم مع دول الجيران ومع شعوب المنطقة تتأزم
بعد كل انفتاح وعلاقاتهم تتردى بعد كل نجاح... ولقد جعلوا من سوريا التي كانت عنصر
"أمن واستقرار" طنجرة تغلي على نار متقدة، ولا يدري أحد إلى أين يسير هؤلاء
الحاكمون بها مستقبلا...إنهم يظهرون كل مرة كممثلين فاشلين على مسرح الأحداث
السياسية في المنطقة، وعالميا لاوزن لهم، ولا يملكون أي قدرة على احداث أي تأثير في
السياة الدولية...ومن المضحك المبكي أنهم يسيرون وراء الرئيس الايراني المكروه من
قبل شعوب ايران (الكورد والعرب والآذريون والبلوج والفرس) وفي ذات الوقت يريدون لعب
دور الوسطاء بينه وبين الولايات المتحدة الأمريكية، ففقدوا بقفزهم على الحبلين
مصداقيتهم السياسية أيضا...
في مثل هذه الأجواء كان يجدر بالمعارضين السوريين، الوطنيين والديموقراطيين، أن
يجتمعوا بدل افتراق، وأن يتحاوروا بدل نزاع، وأن يفعلوا شيئا غير هذا الشخير العالي
الذي يطلقونه وهم نيام في الغرف الجانبية للعاطلين عن العمل...
|