|
نظام الأسد والسعي
لاسقاط المالكي
جان كورد 07 أيلول، 2009
لاينكر
أحد أن السيد نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي الحالي، شخصية من طراز مختلف
عمن سبقه من رؤساء وزراء عرب، سواء في العراق أو في غيره من البلدان العربية
الأخرى. أنه يحاول التأكيد باستمرار على أن منصبه يجب أن يكون الأشد فعالية في
نظام الدولة، ويريد أن يظهر استقلاليته في اتخاذ القرار الحكومي، وأنه ليس
بتابع للرئيس (المجلس الرئاسي في العراق)، وانما صاحب سلطة تنفيذية واضحة
المعالم، ومتعددة الوظائف، منحها اياه الدستور، وقوته ضرورية لبلد يسعى من أجل
تحقيق الديموقراطية رغم أنه بلد غارق في دمه الذي شاركت ولاتزال تشارك جهات
داخلية وخارجية عديدة على نزفه، لتحطيم ارادة الشعب العراقي وتمزيق وحدته
الوطنية...
طبعا هذه صفات جيدة وايجابية في الحاكم، وتشير الى نمو فكرّة التوازن في
السلطات والجهات ضمن كل سلطة، في نظام يؤكد دستوره على الديموقراطية... وسعي
هذا الرجل لفتح جبهات عديدة مع كل من يعتبرهم أعداء نظامه في الداخل العراقي،
وآخرها جبهة الصدام العلني مع سوريا، مطروح للمناقشة من قبل جهات عراقية ودولية
لمناقشات مستمرة...إلا أنه يخلط أحيانا بين الأعداء والأصدقاء، كما في حال
مواقفه المتشددة أحيانا ضد الخصوم السياسيين غير المعادين للحراك صوب
الديموقراطية، وكذلك مواقفه المتناقضة حيال المطالب الكوردية الدستورية،
وتلويحه بين الحين والحين بالعصا في وجه الاقليم الكوردي، فهو يرتكز – مثلا-
على الدستور في شأن تعزيز سلطته ونشر قواته وتوسيع صلاحياته وتنفيذ قراراته،
إلا أنه في الوقت ذاته يترنح يمنة ويسرة عندما يسمع شيئا حول المادة (140) من
ذات الدستور العراقي....تلك المادة التي تتعلق بالمناطق "المتنازع عليها"اداريا
بين الحكومة المركزية والاقليم الكوردي الفيدرالي.
ومهما يكن الموقف الكوردي من السيد المالكي متشائما والصعوبات في العيش معه
كثيرة، فإنه بحكم الدستور والقرار البرلماني العراقي لايزال رئيس دولة "العراق
الديموقراطي الفيدرالي الجديد"، رغم أن صفة "الجديد" فيها شيء من المبالغة
حقا... ولايفهم الكثيرون من المراقبين، لماذا لايتخلى الكورد حتى اليوم عن دعمه
رغم كل مساوئه وتجاوزاته وتهديداته باستخدام القوة معهم وتناقضاته في
الاجتهادات الدستورية...
نعم، المالكي رئيس وزراء عراقي، تسعى عدة جهات عراقية وعربية ومن جيرانه
الآخرين، وكذلك بعض الجهات الدولية لعرقلة حراكه وتقزيم دوره واضعاف مركزه
داخليا ودوليا...والأسباب كثيرة يعلمها القاصي والداني...إلا أن هناك جهات،
ومنها النظام الأسدي – البعثي في سوريا ينفخ في نار العراك معه من خلال تجنيد
أبواق اعلامية عديدة، ومنها بوق "القدس العربي"، هذا البوق اللندني الشهير
بولائه لنظام صدام حسين المقبور، رغم كل الجرائم الكبرى التي ارتكبها بعثيو
العراق سابقا والآن ضد الشعب العراقي والشعوب المجاورة، وضد شعب كوردستان بشكل
خاص منذ انتزاعه السلطة بالقوة في عام 1963 والى سقوطه في عام 2003... والمعروف
أن السيد عبد الباري عطوان صاحب هذا البوق لايدع فرصة إلا للنيل من النظام
السوري، وبخاصة في مجالات السياسة العربية، واللبنانية والفلسطينية منها بشكل
خاص، إلا أنه مستعد لتقديم كل الخدمات المجانية للنظام السوري عندما يتعلق
الأمر بضرب النظام العراقي الذي يسير رغم كل العوائق والمشاكل صوب الديموقراطية
وليس صوب الصدامية أو الأسدية أو الملكية...
هذا النظام السوري الذي يشن حربا على الأرض العراقية ضد المالكي وغير المالكي،
من خلال دعم المنظمات البعثية وغير البعثية الارهابية، ويتهم المالكي الآن بأنه
"عميل للامبريالية والصهيونية" واقع أيضا في تناقض رهيب، إذ أنه يتوسل بنفسه
الأمريكان وعلى أعلى المستويات في تركيبته السياسية، أمام أنظار العالم كله،
للعفو عن أخطائه وجرائمه، ومنها تهمة "اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري و 22
انسان آخر كانوا في رفقته"، آملا احتضانه أمريكيا وأوربيا، ودعمه والابقاء عليه
حيا بعد أن أشرف على الهلاك اقتصاديا وعزل عربيا وازدادت معارضته سوريا بعد
اسقاط مثيله العراقي على وجه الخصوص... إنه يحاول اظهار نفسه قادرا على رأب
الصدع بين أمريكا وايران المتنازعتين حول عدة مسائل خطيرة، منها محاولة ايران
لامتلاك السلاح النووي، واتهامها أمريكيا وأوربيا بدعم "الارهاب" في المنطقة،
بدءا من أفغانستان والى المغرب العربي، بل وحتى تدخلاتها في أمريكا اللاتينية
والجنوبية... ويسعى النظام السوري للايحاء بأنه ضاغط بما ملكت يداه على كل من
"حماس" و" الجهاد" الفلسطينيتين، وعلى "حزب الله" الايراني- اللبناني... وأنه
قادر أيضا على احتواء وترطيب الأجواء "الاسلامية" داخليا، وقمع "الارهاب
الدمشقي" بعنف شديد، كما أظهر ذلك قبل فترة من خلال عدة مسرحيات هزلية نشرت تحت
يافطة "محاربة الارهاب" على بوابات العاصمة... نعم، النظام السوري سيعمل الآن
للتخلص من السيد نوري المالكي الذي لم تفلح الوساطات والنداءات العربية
والتركية في تخفيف حدة غضبه من نظام الأسد المتهم رسميا من قبل الديبلوماسية
العراقية أمام الأمم المتحدة والرأي العام العالمي بدعم "الارهاب" في العراق...
ولكن كيف سيتحرك هذا النظام ضد المالكي وحكومته بهدف اسقاطهما...؟
هناك احتمالات:
-أن يسعى النظام بدعم ايراني شديد لسحب ثقة بعض الأحزاب الشيعية المتحالفة مع
حزب السيد المالكي منه، وهذا أسهل احتمال، ولكن ايران التي تتوجس من علاقات
النظام السوري الواسعة بالبعث العراقي والمنظمات السنية المتطرفة في المنطقة
وكذلك محاولاتها الرامية لبناء علاقات جيدة مع أمريكا لن تقوم بكل ما يأمله
الأسد، دون أن يفعل كذا وكذا، ومن ذلك التوقف عن الرحيل كليا من المعسكر
الايراني...
-أن يعمل نظام الأسد على طرد كل اللاجئين العراقيين، ويقلل من امدادات ماء
الفرات الذي يجري عبر سوريا صوب العراق، بهدف احداث أزمة داخلية لحكومة
المالكي، وفي نفس الوقت يقوي من دعمه للمنظمات العاملة على تعكير أجواء السلام
والأمن والاستقرار في العراق، وبخاصة في منطقة الموصل السنيةفي معظمها، ولكنه
يخاف من أن يصدق العالم بهذا كل التهم العراقية ويعود ذلك عليه بنتائج
وخيمة...ويظهر التناقض بين اعلامه الذي يؤكد على دعم سوريا للأمن والاستقرار في
العراق وبين تدخلات نظام دمشق السافر في الشأن العراقي الداخلي...
-أن يمد يده للتحالف الكوردستاني ويقدم له تسهيلات معينة ووعودا برفع الغبن عن
الشعب الكوردي في سوريا، وأن يدعم جهود التحالف الكوردستاني في تحقيق مالم
يتمكن من تحقيقه في ظل حكومة المالكي، وبالتأكيد فإن النظام السوري له علاقات
جيدة مع الرئيس العراقي مام جلال طالباني، والذي لايريد أن يتوسع الخرق في
العلاقات العراقية- السورية أبدا والذي يحاول باستمرار الاستفادة من سوريا
لاحتواء من تبقى من المنظمات العراقية التي تنطلق من هناك ضد بلاده...وله
علاقات تاريخية ايجابية ونافعة مع سوريا منذ أن زارها في عام 1964 والى الآن...
وعلى كل حال فإن ما لقيه النظام السوري دوليا في لبنان، ومن ذلك التحقيقات
الدولية وتهمة تعكير الاستقرار اللبناني واضطراره الى اتخاذ خطوات تراجعية -
ولو وقتية- سيلقاه بصدد العراق أيضا، وسيضطر الى التراجع هنا كذلك... وهذا يعني
أن النظام السوري فاشل في مختلف سياساته العربية كما هو فاشل في سياساته
الداخلية أيضا...وان دور المعارضة الوطنية والديموقراطية السورية في لجم هذا
النظام وارغامه على تغيير سلوكياته المضرة بشعوب المنطقة وبالعلاقات السورية –
العراقية لاغنى عنه ويجب تعزيزه وتفعليه بشكل أفضل...
|