|
مخالفون للنظام
وخارجون على المعارضة
جان كورد
السبت، 18 نيسان، 2009
تراهم
في كل زاوية من زوايا المقاهي الشعبية، وفي ردهات الجامعات، وفي المناسبات
الوطنية، وفي المؤتمرات والندوات، وأحيانا في المظاهرات التي تجري في العواصم
البعيدة...إنهم سوريون يتكلمون باحدى اللغات السورية العديدة الجميلة، انهم عرب
أو كورد أو سريان أو دروز أو من غيرهم من المكونات السورية الرائعة...ويتكلمون
بجرأة في كل الموضوعات المطروحة، من مشاكل المعارضة ومآزق الحكم على حد سواء،
ومنهم من يكتب أو ينشد شعرا أو يضاهي المغنين والمغنيات في حلاوة أصواتهم
العذبة...ومنهم يساريون واسلاميون وديموقراطيون...فهم من ناحية الفكر بين
بين...إلا أنهم ليسوا مع النظام وليسوا مع المعارضة...وهم من الناحية السياسية
أيضا بين بين...يمكن تسميتهم ب"المخالفين للنظام الخارجين على المعارضة"...
منهم من لايدع بيضة من شؤون الحكم والنظام، إلا وينقر على رؤوسها الواحدة تلو
الأخرى، ويقول : هذه ستفقس، وهذه فاسدة وهذه لاتزال في طور الانتظار...إلا أنه
لاينخرط في أي عمل جاد من أعمال المعارضة في وجه الحاكم، ويتفادى الالتزام بأي
دائرة من دوائر المعارضة التي تعمل على مقارعة النظام الفاسد، وهو في يفلسف
برامج الجبهات والتحالفات وسياساتها ويرسم صورة عن مستقبلها، وينتقد شخوصها
بقوّة، فإنه يبدو معارضا للمعارضة، بل أشد من معارضته للنظام...
أعرف عن أناس نشيطين للغاية، يظهرون في كل مناسبة ويتحركون كالأسماك بسرعة
فائقة في كل الاتجاهات، وكذلك نحو الأعماق وإلى الأعلى في بحر المعارضة، ولكنهم
يحاربونها مثلما يشتمون النظام في ذات الوقت، بل يريدون اظهار أنفسهم وكأنهم
بوادر تيار ذي سمات معينة ووجهة معينة...
وحقيقة لايمكن اتهام هؤلاء الذين لهم اطلاع واسع على دقائق الأمور، سواء في صف
النظام أو في صف المعارضة، بأنهم جنود طابور خامس للنظام، أو أنهم عملاء
مزدوجون، فهم ليسوا مدسوسين وليسوا مزدوجين، وانما يجدون أنفسهم محقين في
مواقفهم المتذبذة كالرمال المتحركة...ويتذرعون بأن ليس هناك تيار معارضة يمكن
الاعتماد عليه أو الثقة به!!!.
وهؤلاء ليسوا أقلية حتى يقال عنها بأنها فئة غير مؤثرة، سلبا أو ايجابا، ولكنهم
يشكّلون دائرة واسعة كالثقب الأسود الذي يبتلع النجوم والكواكب، ودائرتهم في
توسّع تجذب إليها ليس شخصيات وطنية فحسب، وانما منظمات وأحزاب وكتل كبيرة من
المجتمع السوري، وسمتها الواضحة الظاهرة الابتعاد عن كل ما يمكن أن يشكّل نواة
قوية لمعارضة سورية حقيقية...وآخر الكواكب التي انجرفت بسرعة مفاجئة حتى للعديد
من أتباعه وأنصاره المخلصين إلى هذا الثقب الأسود، هم "الاخوان المسلمون"
السوريون...
من البدهي أن المستفيد من هذا الوضع القلق للكثيرين من السوريين الذين يحشرون
أنوفهم في كل شوربة دون أن يحسبوا من أصحابها هو النظام الذي يسعى إلى تحييد
الجماهير بانهاء أي وضع لتسيسها وتنظيمها وتشجيعها للانضمام إلى تيار ما، أو
كتلة ما من كتل المعارضة الحقيقية...
وعلى المعارضة أن تضع دراسة حول هذا الثقب الأسود الذي يتسّع ويتسّع، بحيث يمكن
له ابتلاع المعارضة برمتها إن لم يقم القائمون عليها بعمل حاسم وجاد في هذا
المجال...فالخاسر الوحيد من هذا الوضع الشاذ الذي يكاد يصبح وضعا عاما وواقعيا
ومرغوبا من قبل الغالبية السورية هي المعارضة التي لايمكن لها أن تعيش دون
جماهير...فهي كالسمكة التي تناقص ماء الحوض الذي تعيش فيه...
قد يسأل أحدهم: "أليس وضعك كذلك يا جان كورد؟" فأجيب:"لا، فأنا كنت دائما في صف
المعارضة، منذ أن فتحت عيناي على السياسة في نهاية ستينات القرن الماضي، ولا
أزال أؤيد وأدعم كل مبادرة معارضة، سياسية أو ثقافية أو اعلامية، وانتسبت
لتحالفات أطراف معارضة أيضا، كما شاركت في عدة مؤتمرات للمعارضين، صغيرة أو
كبيرة، وشاركت في العديد من المسيرات والمظاهرات بفعالية ولسنوات طويلة...ولكن
وجدت نفسي قادرا على المساهمة في دعم المعارضة ومخالفة النظام عن طريق الكتابة
بشكل أشد فعالية...وآمل أن يأتي ذلك اليوم الذي أجد فيه نفسي عنصرا ناشطا في
كتلة المعارضة من جديد، بعد أن أضطررت إلى ترك العمل التنظيمي لأسباب كنت قد
ذكرتها في تصريح شخصي قبل سنتين نشرته على الملأ آنذاك.
|