|
محسن جوامير وقريش كوردستان
جان كورد 01 نيسان، 2009
هل
ندع الفيل يحطّم كل الأواني الجميلة في دارنا ولايترك سوى اناء واحد...؟
هذه ليست كذبة نيسان، وانما حقيقة مع الأسف...
الأستاذ محسن جوامير الذي انكفأ عن "الكوردايه تي" لأن حكومة اقليم جنوب
كوردستان لم تأخذ بنصائحه المتكررة التي أصرّ فيها ردحا من الزمن على ضرورة "توحيد
اللغة الكوردية من خلال تثبيت اللهجة الصورانية وفرضها بالقوّة" على غرار ما
فعله بعض زعماء أفريقيا حتى يظهروا للعالم ولأنفسهم بأنهم شعب واحد، وبرأيه أن
لاهناك شعب كوردي دون توحيد اللهجات الكوردية في لغة واحدة...قد عاد الآن من "انكفائه
القصير الأمد" ليطالب سيادة رئيس الاقليم بتنفيذ "وعده؟" بالاقدام على شطب
اللهجة البهدينانية بشكل كامل حرصا على تحقيق مبدأ "وحدة الشعب الكوردي!"...وهذا
يتم دون عبارات صريحة وانما مبهمة تغطّي كل خطته وحلمه ومبدئه، إذ لايقول في كل
مقالاته بصراحة الكاتب الجريء: "دعوا هذه اللهجة البهدينانية الضعيفة وتمسكّوا
بلهجة (قريش كوردستان) القوية... حتى تصبحوا شعبا كورديا!!!"
ولقد كتبت سابقا، مرة أو مرتين، في هذا الموضوع، ولكن مع الأسف يبدو أن الأستاذ
محسن جوامير مصرّ على ارتكاب جريمة كبرى بحق هذه الأمة التي شبهها في مقاله
الأخير ب"اليهود المغضوب عليهم" عندما استخدم التعبير القرآني بحقهم (يخرّبون
بيوتهم بأيديهم)...كما يبدو أن المثقفين في مناطق بهدينان "المضطّهدة لغويا من
قبل الأستاذ محسن جوامير" لايهتمون كثيرا بما يجري حولهم أو أنهم استسلموا
لقدرهم ويأملون أن تحافظ مؤسسة ثقافية أو متحف ما على لهجتهم في احدى الأدراج
ليعود إليها دارسوا اللغات البائدة مستقبلا...
نقطتا الضعف في كل ما يستند إليه الأستاذ محسن جوامير واضحتان وأعتقد بأن معظم
المهتمين بالشؤون الثقافية الكوردية يتفقون معي عليهما، ألا وهما: التاريخ
والواقع...
فأنا لم أر في أي كتاب ذي نهج علمي تطرّق إلى تاريخ الشعب الكوردي بموضوعية
وأنكر عليه أنه شعب، رغم وجود عدة لهجات لغوية في كوردستان، وأولئك الذين
ينكرون على الكورد أنهم شعب واحد أو أمّة هم عنصريون، فاشيون، طورانيون،
عروبيون...وغير ذلك من الحاقدين على هذه الأمة ويباركون مجرمين كبار مثل
أتاتورك وصدام حسين وجلاوذة آية الله خلخالي على قيامهم بالتقتيل والتعذيب
والتشريد وحتى الابادة في كوردستان...أما كل كتاب العالم الذين تطرّقوا إلى
موضوع الكورد وكوردستان فإنهم ذكروا شعبا يدعى بالشعب الكوردي، وأمة بالأمة
الكوردية، والأستاذ محسن جوامير، مهما كانت حججه وذرائعه قوية، لايستطيع أن
يقلب هذه الحقيقة ويجعل منها خيالا، ويربط وجود أو كون هذا الشعب (الأمة) بوحدة
لغتها الرسمية فحسب...
وفي الحقيقة إن لفظ "كورد" ليس في الواقع اسم شعب من الشعوب وانما صفة مشتركة
وعامة أطلقت في مراحل مبكرة على كل الشعوب التي سكنت المناطق المحيطة بسلسة
جبال زاغروس والتي كانت تسمى ب"الشعوب الجبلية الشجاعة" وغير ذلك من المسميات
الشبيهة، وهذا ما نراه جليا في دراسات علمية رصينة كدراسة الدكتورة هيني بيشلر
التي ترجمناها إلى الكوردية منذ سنة، حيث أنها تؤكّد من خلال متابعة لفظ "كورد"
أن هذه التسمية تحولّت من صفة إلى اسم عبر التاريخ، وثبتت منذ أمد طويل،
واستخدمها المؤرخون الآشوريون والسريان والعرب والأرمن والفرس، ومن ثم
السلجوقيون والترك، والمبشرون والسائحون الأوربيون، وحتى كتاب من الهند
والبنجاب وغيرهما...فكيف ينزع السيد محسن جوامير وحدة هذا الشعب المثبتة
تاريخيا عنه لمجرّد أن هذا الشعب يملك عدة لهجات (الكورمانجية الشمالية،
الكورمانجية الجنوبية "الصورانية"، الزازائية، اللورية، الهورامانية...) وهي
ليست كثيرة للغاية ومن الخطأ تشبيه وضع الأمة الكوردية المجزّأة بموجب اتفاقية
استعمارية مصطنعة بوضع شعب من الشعوب الأفريقية ممن لديه عشرات اللهجات أو عدة
لغات...فلو تسنّى للكورد أن يتوحدوا سياسيا فلن تكون هناك عقبة كبيرة أمام
توحيد لهجاتهم، والدليل على ذلك أن معظم الكتاب الكورمانج، من أي جزء
كوردستانيكانوا، يبدون منذ حين اهتمامهم باللهجة الصورانية ويعملون على تعلّمها
وفهمها قدر استطاعتهم، ولو كتبت اللهجة الصورانية بالأحرف اللاتينية كاللهجتين
الكورمانجية الشمالية والزازائية لخفت الوطأة إلى حد كبير، ولو استخدم الاخوة
الصوران حرف (ڤ) بدلا عن (و) وأداة التأنيث بدلا عن أداة التذكير ( مثلا كه چه
كا عوضا عن كه چه كي) و أداة الجمع (آن = كوردان بدلا عن كان= كوردكان) لوجدنا
أن ليست هناك اختلافات كبيرة بين كورمانجية الشمال وكورمانجية الجنوب...
نقطة الضعف الثانية فيما يكتبه الأستاذ محسن جوامير تكمن في واقع كوردستان
اليوم، فكوردستان – كما نعلم- ليست الجزء الداخل بموجب خطة استعمارية بريطانية
في اطار الدولة العراقية منذ عشرينات القرن الماضي فقط، وانما تتوزّع على دول
تركيا وايران وسوريا أيضا، حسب كل المعلومات والوقائع الجغرافية والاثنية التي
بين أيدينا لمختلف علماء الانتربولوجيا واللغات والمهتمين بتاريخ وواقع الشعوب
والبلدان، ويتم تدريس ذلك كمادة تاريخية في مختلف الجامعات والمعاهد السياسية
في العالم... فلماذا يربط الأستاذ محسن جوامير بين وحدة الشعب الكوردي والعمل
على سيطرة لهجة أهل الصوران على كل لهجات الأمة الكوردية؟ ألا يعتبر ما هو خارج
حدود اقليم كوردستان العراق كورديا؟ وكيف سيفرض لهجة صوران على ملايين الكورد
في شتى أنحاء العالم؟ أم أنه يقصد بكوردستان (كركوك والسليمانية وهولير) فقط؟
في حين أن هناك عشرات المدن الكوردية الأخرى في كوردستان...
الواقع الكوردي هو غير الذي يريده أو يحب أن يراه الأستاذ محسن جوامير...وتوحيد
لغة العرب تم بفضل القرآن الكريم الذي نزل على الرسول الأكرم (صلى الله عليه
وسلّم) بلهجة قريش، ولكن العرب لم يهملوا لهجاتهم الأخرى، كما لم يهملوا
القراءات المختلفة للقرآن الكريم، وجمعوا كل كلماتهم حتى صارت لديهم قواميس
عظيمة تنوء عن حملها الحمير، والأستاذ محسن جوامير يدرك ذلك تماما...
طبعا هناك مشاكل تعاني منها الادارة الكوردية في اقليم جنوب كوردستان بسبب وجود
لهجتين رئيسيتين في الاقليم إلى جانب لهجة "الهورامانية" أيضا...ولكن كيف
يستطيع بلدان مثل سويسرا وبلجيكا تحمّل عدة لغات ولايستطيع شعب كوردستان
التعامل مع لهجاته (وليس لغاته)؟...فهل سيفقد صفته كشعب، وهو يتمتّع بذلك عمليا
منذ القرون السحيقة في التاريخ، لمجرّد أن ادارته السياسية الفتية تعاني من هذه
المشكلة اللهجاتية...وحقيقة لا أعلم عن أوربي عاد من كوردستان العراق، وقال: "أنتم
لستم شعبا واحدا لأن لديكم عدة لهجات!"...
إذا، ما الحل؟
برأيي، قبل كل شيء هو أن يتخلّى أهل صوران عن التمسك بالحروف العربية ويستخدموا
الحروف اللاتينية مثل اخوتهم واخواتهم الكورمانج والزازا، وبذلك يسهلّون أمر
تعلّم الكورمانج والزازائيين لهجتهم، وهنا سيكون لقرار من سيادة رئيس الاقليم
دور هام في الأمر، أما الادعاء بأن التخلّي عن الحروف العربية هو اقصاء للاسلام
في كوردستان، فهذا ادعاء سخيف حقا، لأن الطفل الكوردي يتعلّم اللغة العربية في
المدرسة الكوردية كلغة ثانية بشكل رسمي...
الشيء الآخر هو ضرورة تأليف قاموس واسع وشامل يضم مختلف ألفاظ وكلمات اللهجات
الكوردية جميعها، ووضعها في خدمة أهل التعليم في المدارس والمعاهد والجامعات في
كوردستان، حتى يعود اخوتنا الصوران إلى اللهجات الأخرى عندما لايجدون في لهجتهم
ما يبحثون عنه، بدلا من الاستعانة بالفارسية أو اللغات الأوربية، ولكن مع الأسف
هناك من يعود إلى الفارسية من اخوتنا وأخواتنا الصوران دون حرج، ولكنه يأبى
الاستعانة بالكورمانجية فيما يحتاج إليه أو يترفّع عن ذلك...وهذه حقيقة مرّة
وليست كذبة نيسان...وهل يعلم الأستاذ محسن جوامير أن للجماع في لهجة منطقة
كورداخ - مثلا- تسعة مسميات على الأقل؟ فهل يجد لي السيد جوامير لغة أو لهجة في
العالم تضاهي هذه اللهجة الكورمانجية في سعة مفرداتها؟
ثالثا، من الضروري جدا أن تكون هناك هيئة مسؤولة عن توحيد اللهجات من خلال وضع
برنامج طويل الأمد يتناول الأوجه المختلفة للاستخدامات اللغوية في سائر النواحي
القانونية والادارية والعلمية، بحيث يتم الاستفادة من مفردات اللهجات الكوردية
في تطوير اللغة الرسمية الموحدة، وتطوير ذلك العمل من خلال عقد المؤتمرات
وتأهيل الكوادر وتحسين وتبسيط المعاملات الرسمية، ولكن أن تحذف لهجة بالكامل
وتمنع على المسؤولين التعامل بها، فإنه بنظري لايختلف عن منع لغة، وهذا حرام
شرعا وفيه تعد وظلم واضطهاد وعدم ادراك للطبيعة البشرية...
وإذا ما كنا مؤمنين فعلا بضرورة حل مشاكلنا المختلفة، ومنها مشكلة تعدد اللهجات،
وهذه اللهجات الباقية من آلاف السنين قد تبقى موجودة دائما، فعلينا البحث عن
وسائل أخرى غير الاقصاء والمنع والابادة الثقافية وليست هناك مشكلة يمكن حلها
في وقت قصير، سوى تغيير الحروف، والتجربة التركية الناجحة في ذلك المجال لاتزال
حية في ذاكرتنا...وهذا لايتم إلا بقرار من برلمان كوردستان أو من رئاسة الاقليم...
وآمل أن يسمع أحد هناك نداءنا هذا...
إن علينا تشخيص المشكلة وتجزئتها إلى مشاكل أصغر، والبدء بحلها واحدة بعد أخرى،
بهدوء وروية، وبذلك نزيل تراكمات العهود والعصور الطويلة بصبر واصرار، وليس بأن
ندع الفيل يحطّم كل الأواني الجميلة في دارنا ولايترك سوى اناء واحد...
|