ماذا بعد مؤتمر الخلاص الوطني في برلين؟

 

جان كورد

23.09.2007

اثناء مؤتمراستنبول الذي دعا إليه معهد ايسبن للعلاقات عبر الأطلسي، قبل شهور عديدة، ، وحضره الدكتور صلاح عياش كممثل عن جبهة الخلاص الوطني، تحدثنا في صالون الفندق الذي نقيم فيه طويلا حول نظرة جبهة الخلاص الوطني إلى مستقبل سوريا وعرضنا موقفنا أيضا، من وجهة نظر بارتي ديموقراطي كوردستاني – سوريا تجاه مايحدث في بلادنا، وكيفية التعامل والتفاعل بين الحركة السياسية الكوردية والمعارضة الديموقراطية والوطنية السورية، فوجدنا أن ما يجمعنا أمران: - تغيير النظام البعثي الحاكم في البلاد، واقامة نظام ديموقراطي يضمن الحق القومي لشعبنا الكوردي أيضا...وزاد في اقترابنا من الخيمة التي قد تجمعنا مستقبلا الموقف المتفهم والواعي للدكتور صلاح عياش لقضايا الشعوب والأقليات وثقافته الواسعة وتواضعه الجم الذي يدفع المرء صوب الثقة به وبما يقوله، واتفقنا على أن يتم لقاء بين قيادة حزبنا وبين قيادة جبهة الخلاص الوطني للتباحث حول النقاط التي يمكن أن تكون قاعدة متينة للتلاقي عليها، ومن ثم نرى ماذا نفعله بصدد علاقتنا معها... وبالفعل تم لقاء ودي بمساعي الدكتور صلاح عياش بين رئيس حزبنا السابق الدكتور دكتور توفيق حمدوش ورفيق قيادي آخر وبين الأستاذ عبد الحليم خدام والدكتور صلاح عياش في باريس، ودار الحديث حول النقاط التي يزداد فيها الاقتراب بيننا وبينهم... وصدر بعد ذلك بيان من قبلنا حول ذلك اللقاء الايجابي.

وكنا نتوقع أن يؤدي مؤتمر جبهة الخلاص الوطني الأخير في برلين إلى مزيد من التقارب بين الحركة السياسية الكوردية "السورية" وجبهة الخلاص الوطني، وأن لاتبقى العلاقة في إطار بعض الشخصيات الوطنية الكوردية، مع احترامنا التام لمواقفها وجهودها المضنية في النضال من أجل الحق القومي للشعب الكوردي وفي سبيل اقامة مجتمع ديموقراطي في سوريا، وكنت قبل المؤتمر قد سمعت في عاصمة اقليم كوردستان العراق من الأستاذ صلاح بدرالدين بأن قائمة المدعوين للمؤتمركاملة، ولكنني لم أشأ – حقا - السؤال عما إذا كان حزبنا مدعوا للمؤتمرأم لا...

 المهم في الأمر أن مؤتمر جبهة الخلاص قد بدأ بكلمات رجاله الذين يعلمون على تقويض النظام الاستبدادي وعلى بناء مجتمع سوري جديد، ومن هؤلاء الرجال الأستاذ البيانوني (الإخوان المسلمين) والأستاذ خدام (حزب البعث العربي الاشتراكي)، فلم يتطرق هذان الشخصان الكريمان بحكم خلفيتهما العروبية الصارخة، ولو بكلمة واحدة، إلى قضية ثاني أهم قومية في البلاد، من حيث الانتشارالجغرافي والحجم الديموغرافي الهام، وأعتقد بأن الكورد الذين حضروا ذلك المؤتمر أصيبوا بدهشة أو بنكسة، وكأن كل ما قالوه وتحدثوا به خلال فترة طويلة من علاقاتهم مع جبهة الخلاص الوطني أو ضمن صفوفها قد ذهب أدراج الرياح، أو كأن السيدين الذين يريدان القيام بالتغيير الجذري الكبير في سوريا اتفقا قبل القاء كلمتيهما على تناسي أو تجاهل "القضية الكوردية" كونها "أجندة خاصة!"، في حين أن التركيز الشديد والطويل للسيد عبد الحليم خدام على الدورالايراني في المنطقة (اكثر من مائتي كلمة) استهدف حسب قناعتي أمرين:

 - التأكيد على وقوف الجبهة ضد ايران ومشاريعها التوسعية وذلك لكسب الدعم من الدول التي يهمها أمر مواجهة ايران في المرحلة القادمة، عربية كانت أو غير عربية، وتخفيف الضغط الأمريكي – الاسرائيلي على جبهة الخلاص التي تعمل على إظهار نفسها كقوة سياسية "سنية معتدلة" في المنطقة...

- محاولة لكسب أصوات وتأييد قدامى البعثيين المعروفين بمواقفهم الشبيهة بمواقف نظام صدام حسين البائد تجاه القضية الكوردية... 

 لقد خرج المؤتمر ببيان ختامي يؤكد على "الهوية العربية الإسلامية!" لسوريا، وهذا ما يطرح أسئلة عديدة، وأعتقد بأن الأستاذ غسان المفلح قد فهم جيدا ماذا تعنيه هذه العبارة وعلق على ورودها في نص البيان الختامي تعليقا مهما للغاية...بل إن هذه الهوية ستكون الأساس في اعادة النظر في كامل الملف التعليمي والثقافي في البلاد، بعد الوصول إلى عالم الديموقراطية والحرية، أي أنها ستكون شرطا من شروط الحياة في الحرية والديموقراطية مثلما أصبح الفكر الشيعي الاثني عشري أصلا ثابتا من أصول الحكم في ايران "الفارسية!"... فما الفرق بين هذا وذاك يا أستاذ خدام ويا أستاذ بيانوني؟  ولماذا لم تؤكدوا على "الهوية الوطنية السورية"؟ وهي الهوية التي لاتمنح الأكثرية امتيازات خاصة على حساب الأقليات... وماذا عن "الهوية القومية الكوردية"؟ أو الهويات القومية الأخرى؟

طبعا في هذا المجال تفسيرات مختلفة باختلاف وجهة نظر القائمين على شؤون الجبهة، واعتقد أن تفسيرات الدكتور صلاح عياش أو الأستاذ غسان المفلح أو الأستاذ صلاح بدر الدين ستختلف هنا بالتأكيد عن فهم الأستاذ زهير سالم أو الأستاذ عبد الحليم خدام... ولماذا الإصرار– أصلا- على منح الأكثرية العربية السنية حقوقا وامتيازات خاصة، عندما نؤمن حقا بالديموقراطية التي يتم فيها كل شيء عن طريق التصويت والاقتراع ، ولاترسم حدود مسبقة؟... نعم يجب على الديموقراطيين قبل صون حق الأكثرية القيام بما يضمن للأقلية حقها في حماية نفسها، وليس العكس...

 من ناحية اخرى، لايمكن التعويل على النص الباهت المتعلق بحق الشعب الكوردي والعسل المراق حول "الوطن والمصير المشترك!" في البيان الختامي لهذا المؤتمر، طالما لم يتطرق إلى قضية هذا الشعب زعماء هذه الجبهة العروبيون والإسلاميون في أهم خطاباتهم "التاريخية!"، وكأن ليس لهذه القضية أي علاقة بهم، او انها بعيدة عنهم بعد دارفور أو كينشاسا عن برلين التي عقدوا فيها مؤتمرهم ... ولابد من التذكير هنا بما كان يردده عدو الشعب الكوردي الكبير مصطفى كمال (أبو الأتراك!) حول "وحدة الوطن والدين" ودعوته المستمرة إلى انصاف الكورد ثم قيامه بذبحهم وتقتيلهم والعمل على ابادتهم بعد الوصول إلى دفة الحكم... فمن يضمن لنا أن لايحدث للكورد في ظل "الهوية العربية الإسلامية!" هذه ما حدث لهم في ظل ذات الهوية بعد أن رسخ نظام صدام حسين أركان حكمه من قبل...؟

وبدهي أن يعتمد هؤلاء العروبيون الإٍسلاميون دستورا لسوريا يطابق تصوراتهم القومية والدينية ، وفي أفضل الأحوال سيكون مثل دستور عام 1950 الذي خلا من أي إشارة إلى حق الشعب الكوردي وأكد هو الآخر على "الهوية القومية العربية" للبلاد وعلى الطموحات القومية العربية والوحدة العربية، شاءت الأقليات أم أبت، والنتائج معروفة حتى اليوم على الأرض وفي الواقع السوري...

 لذا على السياسة الكوردية "السورية" أن تفكر مليا قبل الاقدام على التواطؤ مع هوية كهذه وقبولها كما تم عرضها وفرضها من قبل جبهة الخلاص الوطني في سورية... وهذا لايعني أنني أحبذ الارتماء في أحضانها لدى "جبهة" أخرى، بل اطالب السياسيين الكورد برفض أي ادعاء بأن القضية الكوردية من "الأجندات الخاصة!" وأي هوية أخرى تحاول اهدار دم الحرية والديموقراطية بذريعة أن للأكثرية العربية الإٍسلامية حقوق أكثر يجب التأكيد عليها...وهذا ينطبق على "إعلان دمشق" وغيره أيضا...

 ومن أجل تحقيق هدف كهذا، أي التأكيد على "الهوية الوطنية السورية بمختلف مكوناتها القومية والدينية"، لابد من اقامة متراس كوردي قوي ليس فيه ثقوب يتمكن للباحثين عن السلطة من التسلل من خلالها إلى الصفوف الكوردية وانتزاع من يشاؤون انتزاعه لأغراضهم الخاصة واستخدامهم كورقة كوردية لتحقيق مآربهم الوقتية أوالمرحلية، دون ان يقدموا للشعب الكوردي ضمانات دولية بشأن حقه القومي العادل في سوريا...