ماذا حققت الدولة الأسدية

للشعب السوري؟

 جان كورد

02.10.2007

لو نظرنا إلى التاريخ لوجدنا أسماء دول وامارات خالدة، في مختلف المراحل، وفي شتى الأنحاء... فالدولة الأموية العربية جعلت العرب أسيادا في كل بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشرقا باتجاه السند والهند، وعلى الرغم ما كان فيها من ظلم عظيم، وبخاصة في عهد يزيد ومن على شاكلته من الذين تمرغوا في نعيم العاصمة دمشق، وقتلوا خلقا كثيرا كما يذكر المؤرخون المسلمون، فإن حضارة المسلمين بدأت بصعود الأمويين إلى مسرح التاريخ على الرغم من كل التحريفات التي أجروها في الإسلام لضمان استمرار حكمهم العائلي الملكي... والدولة العباسية، رغم مسلسل التقتيل والتعذيب والحرق ضد المناوئين لخلفائها والثائرين عليها، وهو مسلسل رهيب حقا يحاول بعض القوميين العرب انكاره أو تجاوزه، قد اشتهرت بتفوقها العلمي والثقافي عالميا، في تلك العصور التي كانت أوروبا شبه جاهلة.. وترك العباسيون وراءهم مكتبة تم رمي مؤلفاتها العظيمة في بغداد على أيدي الغزاة المغول الجهلة حتى أسود ماء دجلة من  الحبر الذي دونت به تلك الكتب القيمة والكثيرة...                          

ولايمكن لأحد انكار الدور الكبير الذي لعبه الزنكيون في تقوية بلاد الشام وفي مقارعة الصليبيين ورد كيدهم إلى نحورهم، ومن ثم دور الأيوبيين ودولتهم الشامخة في القضاء على نفوذ الصليبيين في سائر أنحاء الشرق الأوسط، لدرجة ان بعض المؤلفين الألمان يشبهون اندحارالأوربيين في حطين بسقوط هتلر في ستالينغراد ويقارنون التأثيرات الناجمة عن الحدثين الكبيرين في تغيير مجرى التاريخ البشري...                                                                    

 ولو نظرنا إلى التاريخ الحديث، فيمكن القول بأن الحجاز قد تطور في ظل العائلة السعودية من قفار وصحار إلى دولة كبيرة وغنية وحديثة العمران في الشرق الأوسط ويلعب الآن دورا رياديا في رسم خارطة السياسة العربية، وله مكانة هامة لدى كبار زعماء العالم، وبخاصة في الغرب الذي الذي يعتبر المملكة السعودية عنصر استقرار أساسي في المنطقة، ويتمتع زعماؤها بالصبر والحنكة والهدوء وعدم التطرف وتسمع كلمتهم عربيا ودوليا، ويمكن أن يؤثروا تاثيرا كبيرا في سائر المجالات السياسية والعمرانية والثقافية والمالية لكل دول المنطقة إن خرجوا من إطار سياستهم الوطنية المتسمة بعدم التدخل في شؤون الآخرين...                                                                                                

 ومهما تكن انتقاداتنا لتركيا وايران ومصر، فإنها أصبحت دولا ذات شأن هام في المنطقة، بل ولايمكن نسيان دول صغيرة الحجم وقليلة السكان مثل اسرائيل والأردن والكويت، أما العراق الذي لايزال في محنة سياسية فإنه يمكن أن يلعب هو الآخر دورا كبيرا في المستقبل، وكان يلعب مثل ذلك الدور سابقا...                                                                   

 وماذا عن سوريا الأسد، وبحيرة الأسد، ومطار الأسد، وملعب الأسد...؟                                                            

 لقد فشل الأسد ونظامه في تحقيق أي من شعاراته البراقة (الوحدة والحرية والاشتراكية)، وخاب الأمل في (الحركة التصحيحية) بعد انطلاقتها مباشرة، حيث ردد الأسد الراحل بأن حركته قد جاءت للشعب لكل الشعب، ولم يتحقق من ذلك الشعار أيضا أي شيء...حيث لم يتمكن النظام من الخروج من شرنقته الطائفية الضيقة في يوم من الأيام... بل إن النظام قد ساهم بقوة في تسعير التناحرات الطائفية والمذهبية والاثنية وفق سياسة محددة وعلى مدى طويل، وبخاصة في دق الأسفين بين القوميات وفق مبدأ (فرق تسد)...                                                                                             

 الجولان لايزال محتلا، ومزارع شبعا يتم التنازل عنها مثلما تم التخلي كليا عن فكرة (استعادة الاسكندرون السليب)، أي ان مساحة البلاد في تناقص، وهذا يذكرنا بالدولة الأموية التي كانت عاصمتها دمشق أيضا...                                  

 إذا ما دخلت سوبر ماركت في دولة اوروبية فإنك ستجد منتوجات ومعلبات من شتى انحاءالعالم، سوى سوريا، ويخطر على بالك بسرعة تساؤل: "- عجبا ألا توجد منتوجات سورية للتصدير؟ أم أنها دون المستوى وغير صالحة؟" وحتى في كوردستان العراق، فإنك ترى اليد العليا في الأسواق لايران وتركيا، وهما البلدان الأكثر عداء للاستقرار في كوردستان..

 بعض الجداول المخصصة لأسماء الدول في شركات ومؤسسات دولية لاتضم إسم سوريا، وكأن هذا البلد غير موجود أبدا... والعالم يتحدث عن صناعات هذه الدولة وتلك ولكن هل سمع السوريون من يتحدث في مؤتمر من المؤتمرات عن "صناعة سورية!"؟                                                                                                                             

 أسلحة الجيش السوري باتت صدئة، ومخازنه يعلوها الغباروتسكنها الصراصير، فالعساكر ليسوا في الثكنات وانما هم يخدمون في بيوت الضباط ويقضون أوقاتهم في العمران والتفنن في بناء حدائق الأسياد، ومنهم من يتخلى عن راتبه لسيده مقابل الحصول على "إجازة مفتوحة!"...  وهكذا جيش لن يحارب، لا من أجل الجولان ولا لاستعادة الهيبة في لبنان...                                                                                                                                             

 النظام الأسدي يتحمل وزر مذابح جماعية، كما حدث في حماه في عام 1980، وقتل بالجملة في القامشلي عام 2004، وتعذيب وحشي انتهى بعملية قتل جماعية كما في سجن تدمر نفذتها وحدات خاضعة لأوامر العائلة الأسدية مباشرة...كما أنه يعاني من وطاة "محكمة دولية" بسبب مسلسل الاغتيالات الذي لاينتهي في لبنان...                                         

 المستوى المتدني للمعيشة في سوريا مرعب وكارثي، وقد يؤدي إلى ثورة للجياع لاتبقي ولاتذر، وهذا سبب أساسي في نمو وانتشار التطرف الديني، والكره الطائفي، والتذمر السياسي، والكثير من المشاكل الاجتماعية التي تؤدي في النهاية إلى المزيد من الجرائم وإلى الانغماس في السكر والعربدة واقتناء المخدرات واستعمالها والاتجار بالرقيق الأبيض.. ولايخفى أن النمو الكبير للمدن على حساب الريف يؤدي إلى اضطراب في مجالات الانتاج، وبخاصة الانتاج الزراعي الذي هو مصدر أساسي للاقتصاد السوري...                                                                                              

 الدولة الأسدية، رغم وجود كل أجهزة الشرطة والأمن بمختلف مسمياته، باتت كالضرس المنخور، فالفساد مستشر، ولايمكن للمواطن الحصول على وثيقة أو اجراء معاملة دون رشوة، والكل من أعلى إلى أدنى، سوى بعض الشرفاء منهمكون في سلب المواطن لقمة عيشه وفي حرمان أطفاله من الحياة الكريمة... ولم تتمكن آلة القمع السرية والعلنية من خفض عدد المعارضين للنظام، أفرادا وجماعات، بل إن المعارضة في تزايد وتقوى يوما بعد يوم..                        

 النظام يعاني من عزلة عربية ودولية شديدة، وكل محاولات الأسد الهادفة إلى الخروج من هذه العزلة فشلت حتى الآن، والدول العربية الكبرى تسدد سهام النقد اليومي لسياسة الحكم الأسدي، وتعلن عن عدم رضاها عن تدخلاته العلنية في العراق ولبنان ودعمه للمنظمات السلفية المتشددة... والشكوك على كل لسان حول تورطه في جرائم الاغتيال السياسي ومحاولة تأليب اللبنانيين على بعضهم وعرقلة احراز تقدم سياسي وطني في لبنان...                                            

  ترى ماذا قدم النظام الأسدي، وهو في هكذا حال، للشعب السوري؟                                                                  

 نحن الكورد السوريون، نؤكد بان هذا النظام لم يعطنا شيئا، بل استمر منذ انتزاع البعثيين للسطة عام 1963، في تجويع شعبنا الكوردي وسلبه ثرواته، وحاول انهاء وجودنا القومي ومحو لغتنا الكوردية، وقام بتشريد جزء كبير من مواطنينا ونزع الملكية منهم وأسكن العرب من مناطق بعيدة في موطنهم، ومارس التمييز الصريح والقاسي في سائر مجالات التوظيف والتطوير والاعمار، بحق المناطق الكوردية ومواطنيها، واستعمل الكورد كأيد رخيصة في العمل وكجنود في الجيش وكعبيد في سائر المجالات دون أن يعتبرهم مواطنين سوريين... وهذا ما يدفعنا للقول بصراحة: إن النظام الأسدي – البعثي لم يقدم لنا شيئا، كما لم يقدم للشعب السوري شيئا، ولذلك فإننا نسعى لرحيله والاتيان بنظام ديموقراطي حديث يعطي لكل حقه ويؤمن بالعدالة الاجتماعية وبأن كل المواطنين أحرار وأن انصاف القوميات حسب حجمها السكاني سيعيد للبلاد توازنها...                                                                                                                                 

 وأعترف أنه من الظلم حقا أن نقوم بمقارنة بين هذه الدولة الأسدية وأية دولة أخرى حكمت هذه البلاد في التاريخ، حتى أن وضع الشعب السوري في زمن الاحتلال الفرنسي كان بأفضل من الوضع الحالي...