ماذا عن الزيارة النجادية إلى بغداد؟

جان كورد

05‏/03‏/2008

الزيارة التي قام بها الرئيس الإيراني أحمدي نجاد لها أسباب عديدة...

 

إنها مجموعة من الرسائل ، منها علنية وقوية النبرات كصفارات الإنذار ، ومنها ضمنية عميقة الايحاءات، في اتجاهات متعددة، كما أنها زيارة عمل وصفقات، سياسية واقتصادية، حيث لايمكن لرؤساء الدول والحكومات أن يلتقوا دون أن تكون هناك مصالح متبادلة في الأمر، والايرانيون مشهورون بحبهم للتجارة وعقد الصفقات...

 ولكن الزيارة تبدو أحيانا وكأنها نداء استغاثة، ترتسم ملامحها على صورة صاحبها، ويقرأها المراقب في عينيه اللتين تبدوان مليئتين بالألم العميق وخيبة الأمل والضعف وانتظار المجهول المخيف... وبعضهم يشدد على أنه كان للساسة الفرس دائما وجهان: وجه طافح بالترحاب، ووجه يضمر الغدر ، وفي التاريخ أمثلة واضحة على ذلك، حيث غدروا بالقادة اليونانيين لدى انسحابهم صوب بلادهم في زمن الملك أردشير، ورافقتهم وحدات فارسية إلى مقربة من حدود المملكة، وتعهدوا بأن يدعونهم إلى وليمة عشاء فاخرة، إذا ما خرجوا من بلاد الفرس دون أن يهاجموا قرية أو يقتلوا أحدا من مواطنيها، وفجأة هجموا عليهم أثناء تناولهم الطعام معهم وقتلوهم شر تقتيل.. وفي التاريخ الحديث عاهدوا الأمير الكوردي الثائر سمكو آغا ثم غدروا به وقتلوه ، كما قتلوا قبله آخاه أيضا في لعبة قذرة أخرى، وكذلك دعوتهم للقاء رئيس الحزب الديموقراطي الكوردستاني – ايران، الدكتور عبد الرحمن قاسملو في العاصمة النمساوية فيينا عام 1989 للتفاوض والتشاور حول صيغة مناسبة لتمتع الشعب الكوردي في كوردستان ايران بحقه في حكم ذاتي، ثم اغتالوه في الاجتماع مع مرافقه الذي لعب دورا حياديا لانجاح مفاوضات السلام تلك، ويقال بأن الرئيس الكوردي الشهيد القاضي محمد ، رئيس جمهورية كوردستان في مهاباد عام 1946 قد نبه الكورد إلى غدر الفرس على هذه الشاكلة:" إذا قدم لك الفارسي كأسا مليئا بالعسل فتأكد بأن فيه من السم ما يكفي لقتلك." ومع الأسف فإن المغدور الدكتور قاسملو الذي كان يردد هذه العبارة أيضا، خدع بالوعود المعسولة لملالي طهران وأدواته من أمثال هذا الرئيس الحالي رغم ذلك، وقدم حياته ضحية "للسلام الوطني"!.

من الرسائل الواضحة التي وجهتها الزيارة النجادية للعراقيين هي أن ايران جارة قوية وقادرة على التعامل مع الوضع العراقي بشكل مباشر، وعبر البوابة الديبلوماسية أيضا، وهي ستحمي الشيعة العرب فيما اذا انسحب الأمريكان من العراق... وهي رسالة واضحة لسوريا أيضا، حيث بدأ النظام يظهر ميلا لاقامة علاقات جادة، ودون أي شروط مسبقة مع اسرائيل، كما أن الزيارة رسالة لتركيا التي دخلت كوردستان العراق عن طريق الجبال التي تكللها الثلوج بأن ايران لاتحتاج إلى ذلك وبامكانها الوصول إلى بغداد في لمح البصر إن اقتضى الأمر، ولكي لاتتمادى تركيا في دعمها للمجموعات السنية، وبخاصة "الجبهة التركمانية" ولتتخلى عن طموحاتها التوسعية ، فايران لن تقبل بذلك...

من الرسائل الضمنية التي وجهتها الزيارة للعالم الذي كان قبيل الزيارة على وشك اصدار قرارات وعقوبات جديدة في الأمم المتحدة ضد ايران بسبب مشروعها النووي، رسالة رقيقة مفادها أن ايران مستعدة لمساعدة أمريكا في تحقيق الأمن والاستقرار في العراق ولجم جماح القوى التي ترعاها وتدعم قواتها العسكرية في المناطق الشيعية الواسعة وفي مدينة الصدر، وذلك مقابل أن لاتصدر القرارات بالعقوبات الجديدة...

إلا أن في تلك الزيارة التي تمت لهجة رجاء على استحياء أيضا، فعلى الرغم من أن الديبلوماسية الايرانية تهاجم الوجود الأمريكي ، وتواجد قوات مجاهدي خلق على الأراضي العراقية، وتزعم بأنها لاتتعامل مع واقع "المنطقة الخضراء" التي تعتبرها تحت الاحتلال الامريكي، فالحقيقة هي أن الديبلوماسية الايرانية جلست عدة مرات مع أعدائها الأمريكان في بغداد وأبدت شيئا من التعاون في مجال ضبط القوى الشيعية التي لاتزال تأتمر بأوامرها... والواقع الذي لايستطيع الايرانيون انكاره هي أن رئيسهم نزل في مطار تحت الحماية الأمريكية، وجاء إلى بلاد تحتلها أمريكا منذ عام 2003 وأمريكا بذاتها لاتنكر ذلك، فكيف يرفض رئيسهم النزول ضيفا على المنطقة الخضراء، أم أنها المنطقة الوحيدة المحتلة في العراق؟

الرجاء الذي يضطر الايرانيون لهمسه هو اضطراري، حيث أن الولايات المتحدة الأمريكية قد حشرت حتى الآن العديد من السفن الحربية في الخليج الفارسي / العربي لممارسة مزيد من الضغوط على طهران، ويقال بأن حلف الناتو يملك 120 حاملة ومدمرة وسفينة تحمل 55 ألف جندي في البحر الأبيض المتوسط، وها هي الادارة الأمريكية تهدد حلفاء ايران (سوريا وحزب الله وحماس وعملاءها الآخرين في لبنان والمنطقة) بصراحة ومباشرة... فمهما كانت لهجة التحدي الايرانية تجاه أمريكا شديدة ، ومهما استمر الايرانيون في اطلاق شعار" مرد  بر أمريكا – الموت لأمريكا) فإنهم يدركون بأن الخطر بات قاب قوسين منهم أو أدنى... ولقد شهدوا بأنفسهم ما حدث لعدوهم القوي صدام حسين الذي لم يكن يصدق أن يقضي عليه الأمريكان وينهوا نظامه بتلك السرعة...

أما المصلحة الاقتصادية المتبادلة، فإن ايران هي المستفيدة الثانية بعد تركيا من "الوضع الاستهلاكي المستفحل" في العراق ، وكما قلنا فإن الايرانيين يشمون رائحة المال من بعيد ويعرفون كيف يتصرفون تجاه الأسواق... وهناك أيضا طموحات ايرانية بصدد المياه الخليجية ومنابع البترول المنتشرة على الحدود الايرانية – العراقية، اضافة إلى رغبتها في تشديد القبضة على منظمة مجاهدي خلق القوية والقوة الوحيدة التي يمكن لها احداث حالة من عدم الاستقرار في الداخل الايراني... كما أن زعماء ايران يبحثون عمن يساعدهم في فك الحصار الاقتصادي عنهم بفتح النوافذ لهم في حال حدوثه بقرار دولي، وتأمين تدفق المال والمواد الممنوعة عليهم ، وتوكيلهم في تبيض الأموال عندما يتم ضبط مصادرهم المالية دوليا، وليس هناك بلد في العالم يمكن للايرانيين الاستفادة منه في تلك الأحوال السيئة أكثر من العراق وسوريا، ولكن وضع سوريا المهزوز يدفع بالايرانيين للاقتراب من العراقيين بحرارة، واتباع سياسة ذات وجهين، وجه ظاهر ومبتسم، ووجه كاشر ومستور، وهكذا كانت سياسة الفرس عبر كل العصور والأزمنة...إنها سياسة "التقية" التي لايمكن فهمها دون فهم العقيدة الرسمية للنظام الحاكم في طهران.

 

 
Link

News

Kdps

Gotar

Wêne

Stran

Têkilî

أتصل بنا

أغاني

صـور

مقالات

ك.د.ب.س

أخبار

مواقع الكترونية