|
استراتيجية التعامل
الكوردي مع
النظام والمعارضة في سوريا
جان كورد
الجمعة، 28 آذار، 2008
رغم سياسة الكبت العام، ومنع العمل السياسي للأحزاب والمنظمات المرخصة، فإن
الشعب الكوردي في الجزء الخاضع لسوريا من وطننا الأم كوردستان مسيس لدرجة أن كل
مواطن من هذا الشعب المتميز بتكوينه القومي في البلاد يشعر بأن قضيته القومية
أهم بكثير من كل أعماله اليومية الأخرى، ونادرا تجد كرديين يلتقيان ولاينخرطان
بسرعة وقبل كل موضوع يهمهما في بحر السياسة وتبادل الأخبار عن الكورد وكوردستان،
حتى لتجد لديهم اهتماما أشد بالمشاكل العمرانية والتطورات الثقافية في اقليم
كوردستان العراق أو بالمسيرات الشعبية في مدن شمال كوردستان وشرقها من اهتمامهم
بموضوع مؤتمر القمة العربية الذي سينعقد نهاية الأسبوع الحالي في عاصمة سوريا:
دمشق. والشارع الكوردي عامة مهتم بالسياسةكأي منتسب لحزب سياسي ما، بل ربما
أكثر وأشد. وأسباب هذا الميل الكبير صوب الانشغال بالسياسة كثيرة، أهمها سياسة
الاقصاء والاضطهاد والحرمان التي يعاني منها الشعب الكوردي في هذا الجزء من
كوردستان، وصلت إلى حد التقتيل والتعذيب اليومي والاستهتار بكل مطالب هذا الشعب
ومحاولة القضاء الدائمة على وجوده القومي والثقافي، إضافة إلى السياسات الخاطئة
للنظام البعثي المستبد التي أوصلت البلاد إلى حافة كارثة اقتصادية و مزالق
سياسية كبيرة، كما أن بقاء الأمة الكوردية مجزأة وممزقة حتى هذا اليوم، في عالم
متشابك ومتقارب ومتداخل سياسيا واعلاميا في عصر العولمة، بحيث يرى الكوردي
السوري ما يجري كل يوم في أقصى مدن شرق كوردستان (غرب ايران!) من مآس بسبب
انتفاضة شعبية ، أو يستمع إلى نساء شمال كوردستان وهن ينشدن للحرية لأمتهن ،
ويرى كيف يجتمع رجال الجندرمة على شاب غير مسلح ليضربوه ويركلوه بوحشية
جنكيزخانية لا مثيل لها إلا في أفلام هوليود الدموية ، فإنه يزداد التصاقا
بقضيه قومه وكردستانه، ويتكون لديه استعداد للتضحية في سبيلهما بالغالي والنفيس،
وقد ينخرط في حزب متطرف آيديولوجيا أو جمعية تؤمن بالعنف طريقا للخلاص أو يتبع
دون تردد من يظن بأنه قادر على انقاذه من هذا الجحيم...
هذه الحال المتوترة التي عليها الشعب الكوردي في سوريا منحت الحركة السياسية
الكوردية زخما قويا، لم تكن تحظى به من قبل كما هو عليه الوضع اليوم، وهي على
الرغم من انشقاقاتها المضنية والمتتالية وتشعبات تنظيماتها وقياداتها قادرة على
الاستفادة من حراك وتحريك الشارع الكوردي الذي يشكل جزءا حيويا وهاما من عموم
الشارع السوري ...
إلا أن هناك مشكلة تقف حائلا في وجه استفادة الحركة السياسية من هذا الفوران
الشعبي الذي يمكن أن يتحول إلى بركان ثائر، كما حدث في آذار عام 2004، حيث تفجر
الشارع الكوردي إلى درجة السيطرة الشعبية التامة على كل مرافق الدولة ومفاصلها
، بل إلى تحرير المناطق الكوردية في غضون 24 ساعة من كل أشكال الوجود الرسمي
للنظام... وهذه المشكلة تكمن في أن قيادات الحركة السياسية الكوردية غير قادرة
لعدة أسباب موضوعية وذاتية على التخلص من استراتيجيتها القديمة في التعامل مع
النظام والمعارضة، ومن تلك الأسباب تواجد بعض القياديين العجائز الذين لا
يزالون يعيشون بعقلية عصر "الحرب الباردة" ولم يتمكنوا من تفهم التحول التاريخي
الكبير في المسيرة العالمية بشكل عام ولا يفهمون من "العولمة" إلا القليل. بل
منهم من يخلط بين المعارضة والنظام، وقد يراهما ليس كندين متعارضين وانما
كفريقي عمل متجاورين لا فرق بينهما ... وهذا الخلط الذي يحدث في عقول بعض
القياديين الكورد يعيق الاخرين الأشد تفهما لما يجري حولهم من تطورات دولية
وشرق أوسطية كبيرة، بل وداخلية على صعيد التطور الحاصل لدى الشعب الذي يقودونه
من ناحية الوعي والاستعداد للتضحية والعمل مع الحركة والسير خلفها كجندي مخلص.
والدليل على ذلك هو فشلهم في اقامة "مرجعية!" فيما بينهم، بعد أن وعد ممثلوهم
بذلك لدى اتفاقهم على افشال مشروع "المجلس الوطني الكوردستاني" في العام الماضي
ببلجيكا.
الحركة الكوردية تقف حائرة بين ثلاثة أضلاع لمثلث المعارضة السورية:
إعلان دمشق، جبهة الخلاص الوطني والتجمع القومي الموحد، وهذه الحيرة تسبب لها
وجع رأس وتزيد في تناحراتها الداخلية وتثير لها الزوابع بين الشعب الكوردي،
فاعلان دمشق الذي يعتبر تجمعا وطنيا – يساريا، يضم أحزابا عربية وكوردية
ومنظمات لأقليات دينية والذي شرعت الادارة الأمريكية في مدح بعض رجالاتها
المعتقلين أو الخارجين من سجون النظام، دون أن تتحدث عن امكانية دعمه، يبدو
بخيلا جدا في مجال الاعتراف بحق القومية الكوردية التي هي ثاني أكبر قومية في
البلاد، ولا يزال يضرب على وتر "عروبة سوريا" وأهمية القضايا العربية وابداء
أقصى حالات المرونة مع النظام "حتى لا يزداد الأسد ضراوة!" كما نسمع، وليس
غريبا أن يصبح الأستاذ عبد الحميد حاج درويش الديموقراطي التقدمي (يترأس حزبه
منذ خمسين سنة) رئيسا فعليا لهذا الاعلان الدمشقي، وهو معروف بمواقفه المتميزة
من النظام، بعد أن تخلص النظام من الرئيسة فداء الحوراني وزج بها في المعتقل.
وبخل اعلان دمشق من ناحية ابداء المزيد من المعارضة للنظام القائم ومن ناحية
الاعتراف بحقوق الشعب الكوردي القومية على أساس أن قضيته هي قضية "أرض وشعب"
دفع بالشعب الكوردي إلى اتخاذ موقف سلبي من هذا الاعلان ، ووصل الأمر إلى حد
مطالبة الكثيرين من الكورد الأحزاب الكوردية بالانسحاب من "اعلان دمشق".
جبهة الخلاص الوطني التي تضم الإخوان المسلمين ومنشقين بعثيين عرب من بينهم
الأستاذ عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية السورية سابقا ويساريين أكراد من
الطراز الأول مثل الأستاذ صلاح بدر الدين ومستقلين ، والتي تأسست في خارج
البلاد، تبدي مزيدا من الحيوية والنشاط المعادي للنظام القائم في البلاد،
وتستطيع بحكم تواجد زعمائها في الخارج أن تقيم علاقاتها الدولية بشكل أفضل
وأكثر حرية من جماعة اعلان دمشق، إلا أنها بسبب تواجد الإخوان المسلمين كقوة
أساسية فيها غير مرغوبة لدرجة اقامة التحالف معها من قبل العالم الحر
الديموقراطي في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، ولقد أظهر العديد من مثقفي
الكورد الذين شاركوا في مؤتمر جبهة الخلاص ببرلين في العام الماضي استياءهم من
الموقف العام للجبهة حيال قضية الشعب الكوردي التي تحاول الجبهة تقزيمها على
أنها ليست قضية "شعب وأرض" وانما مجرد قضية "حق المواطنة" على أرض عربية سورية.
وهذا يضر بعلاقة الأحزاب الكوردية بهذه الجبهة أو أنها تتخذ الموقف المعلن
للجبهة تجاه القضية الكوردية ذريعة لعدم الانتساب إليها، ولاندري هل هناك حزب
كوردي منضم "سرا" لهذه الجبهة أم لا، ولكن نحن واثقون من أن الشعب الكوردي
سيمارس ضغطا كبيرا على الجبهة للاعتراف بقضيته القومية على أنها قضية ثاني
قومية في البلاد، ولايمكن أن تقبل هكذا جبهة بدولتين في فلسطين وثلاث ولايات
قومية – ثقافية في بلجيكا أو في سويسرا، وترفض ذلك في سوريا بذرائع وحجج دينية
أو بطرح مغالطات سياسية – تاريخية بعيدة عن واقع القرن الحادي والعشرين، حيث تم
الاعتراف بكوسوفو وابخازيا كدولتين مستقلتين، وهما ليسا بأعظم أو أوسع من
كوردستان سوريا التي يطالب شعبها بدولة سورية موحدة قائمة على أساس اتحاد
اختياري فيدرالي ديموقراطي يتناسب ووجود قوميتين أساسيتين في البلاد، إلى
جانبهما قوميات وأقليت دينية أخرى.
أما التجمع القومي الموحد الذي يقوده نائب سابق لرئيس الجمهورية السورية أيضا،
هو الدكتور رفعت الأسد، شقيق الرئيس الراحل وعم الرئيس الحالي، وله من القوة في
صفوف الجيش السوري والأموال بين يديه ما يؤهله والدعم من الطائفة الحاكمة لأن
يلعب دورا كبيرا في تعرية واقصاء ابن أخيه عن كرسي الحكم، ولكنه كما يبدو بحاجة
إلى غطاء سياسي لا يستطيع الأكراد وحدهم تأمينه له، وبحثه المضني لتوسيع تجمعه
السوري قوميا وعربيا لا ينفع بقدر ما ينفعه ترك دفة القيادة لنجله الذي لايمكن
اتهامه كأبيه باقدامه على ارتكاب مجازر في البلاد في ثمانينات القرن الماضي،
هذا الأمر الذي يثير المزيد من المعضلات في وجه التجمع القومي الموحد ويضر به
سوريا ودوليا، بل يطالب بعضهم باهماله وتصفيته ضمن صفوف المعارضة السورية وعدم
اعتباره فصيلا معارضا ، بل اتهامه بأنه غطاء غريب لنظام العائلة الأسدية، إلا
أن هذا التجمع القومي الموحد قد اعترف في بياناته الأخيرة ب"حق تقرير المصير
للشعب الكوردي في سوريا" ، وهذه الخطوة – رغم الكثير من التشويشات والغموض الذي
يرافق توضحيها من لدن المسؤولين عن التجمع في قناتهم التلفزيونية التي تجري
حوارات شبه يومية حول الموضوع- قد لقيت ترحابا حارا من العديد من قادة ومسؤولي
التنظيمات الكوردية المختلفة، في الداخل والخارج، وقد يثمر ذلك عن قيام تحالف
عربي – كوردي من نوع آخر، قائم على الاعتراف المتبادل بين مكونات المجتمع
السوري الأساسية، إلا أن مثل هذا التحالف لن يحيا دون التمتع بعلاقات دولية
سليمة ومتينة ودون اظهار مزيد من المعارضة الفعلية ضد النظام القائم في البلاد،
والذي يمكن أن تعصف بأركانه المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الشهيد رفيق
الحريري ، رئيس الوزراء اللبناني السابق، ويؤدي ذلك إلى احداث خلل في النظام
السياسي في سوريا، يستطيع التجمع القومي الموحد استغلاله لصالحه قبل أي فصيل
آخر بسبب ما له من علاقات وثيقة ضمن النظام ذاته.
الشعب الكوردي سيكون بالتأكيد مع من يحترم حقه في تقرير مصيره بنفسه، ويقوم
بتنفيذ وعوده عمليا على أرض الواقع، وهذا الشعب بحكم قواه السياسية وحراكه
السياسي الفعال، داخليا وخارجيا، سيلعب دورا هاما في البلاد بمجرد اسقاط أو
زوال النظام القائم الذي يسميه التجمع القومي الموحد بنظام الأمر الواقع تلطيفا
وتخفيفا... ولن يكون في مقدور أحد حذف هذا العامل الكوردي بعد اليوم من
المعادلة السورية، لذا فمن الضروري – قبل كل شيء - أن تستقيم استراتيجية
التعامل الكوردي ضمن المعارضة السورية، وفي مواجهة النظام الاستبدادي الرافض
لأي إصحات سياسية حقيقية، بأن تتخلى الحركة الكوردية تماما عن فلسفة "الحوار
الذي بد منه مع النظام!" وعن الذين لا يزالون يدورون في فلك هذه الفلسفة
ويؤمنون بها... وهذا يعني تجديد الشرائح العليا في الحركة وتبديل العناصر التي
لاتزال تعيش في عصر "الحرب الباردة" بعناصر تؤمن بأن العالم قد انتهى من تلك
المرحلة وترسم سياساتها على هذا الأساس الجديد، وتبني استراتيجيتها وفق
المعطيات والافرازات الجديدة للواقع الحالي في البلاد، على ضوء التغييرات
الدولية والشرق أوسطية الكبيرة التي حدثت منذ سقوط نظام الصنم في العراق عام
2003 على وجه الخصوص.
|