إيواء الأسد عربيا لايعني قبوله سوريا


جان كورد ‏12‏ آذار‏، 2009
انعقد مؤخرا الاجتماع المصغّر للقمة العربية في الرياض، وضمّ قادة العربية السعودية ومصر والكويت وسوريا، ل"يمثل بداية لمرحلة جديدة في العلاقات تسعى فيها الدول الأربع لخدمة القضايا العربية بالتعاون في ما بينها والعمل الجاد والمتواصل لما فيه خير الدول العربية، والاتفاق على منهج موحد للسياسات العربية في مواجهة القضايا الأساسية التي تواجه الأمة العربية، وفي مقدمها القضية الفلسطينية" حسب ما صدر عنه على لسان وزير الخارجية السعودي...
ولقد جاء هذا الاجتماع دون دعوة العراق الهام من حيث موقعه الاستراتيجي في خريطة الخلافات والتحالفات العربية ومن حيث ثروته النفطية وقواه البشرية وموقعه الهام بين العالم العربي وايران وتركيا، رغم كونه من أهم "القضايا الأساسية التي تواجه الأمة العربية" بعد "القضية الفلسطينية"، ولربما بسبب أن رئيسه الحالي مام جلال الطالباني كوردي وليس عربي، أو لأن القيادة السورية اشترطت ذلك على الآخرين، أو لذات الأسباب التي عرقلت انضمام زعماء الدول العربية الأخرى...كما جاء هذا الاجتماع وسط النقاشات الواسعة حول الأوضاع الأمنية المتردية في أفغانستان، وعدم قدرة استراتيجية حلف النيتو على احراز تقدّم حقيقي في وقف التقدّم النشيط لحركة طالبان، وتوسّع نطاق النزاع بين الحكومة المركزية الباكستانية وطالبان باكستان على الطرف الشرقي من الحدود مع أفغانستان، مما يزيد الأجواء التهابا ويطيل من أمد عدم الاستقرار...وللوضع في أفغانستان وجارتها باكستان تأثير مباشر على مجمل الاستراتيجية الدولية لحلف النيتو، والولايات المتحدة الأمريكية خاصة، في منطقة الشرق الأوسط، وبالتحديد في المنطقة الواقعة مابين ايران وفلسطين...وهذا الوضع لابد وأن يكون أحد الدوافع الحقيقية لمثل هذا الاجتماع العربي وما ستليه من اجتماعات قمّة لاحقة في المستقبل القريب...
"القضايا الأساسية في العالم العربي" يمكن تلخيصها بما يلي:
-قضية فلسطين (المصالحة الفلسطينية في هذه المرحلة) وسبل التعامل مع واقع الاحتلال الاسرائيلي في ظل حكومة يرئسها ناتانياهو وليبرمان وباراك المعروفين بمواقفهم المتشددة حيال العديد من المسائل التي تخص مستقبل فلسطين.
-وضع العراق بعد الانسحاب العسكري الأمريكي منه (ملء الفراغ ايرانيا، النزاعات الطائفية، التأثير النفطي سلبا وايجابا، المحاولات التركية للتدخّل بشكل سافر في الشؤون العراقية، امكانية نشوب نزاع مركزي – اقليمي بين بغداد وأربيل (هولير) حول المناطق المتنازع عليها بين الكورد والحكومة المركزية والنفط والجيش وغيرها من المسائل التي قد تجرّ العراق إلى مهالك، وتسهّل عودة المنظمات المتطرّفة والارهابية، بل والدكتاتورية إلى البلاد...).
-البحث عن سبل وامكانات العمل العربي المشترك للوقوف في وجه النزعة التوسعية الفارسية غربا وجنوبا في المشرق العربي، بعد أن حققت ايران تقدّما ملحوظا في المجالات العسكرية رغم انخفاض في أسعار النفط ورغم الصراعات القوية بين "الاصلاحيين" و"المتشددين" في ايران، وبخاصة اتساع زاوية الانفراج بين مواقف التيارين حيال العلاقات مع دول الخليج العربي والعربية السعودية والعراق...
-الانعكسات السلبية على الأمن في لبنان من جراءعقد المحكمة الجنائية الدولية بصدد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق الشهيد رفيق الحريري وما تلاها من اغتيالات في لبنان...واحتمالات جرّ القيادة السورية إلى وضع شبيه بوضع الرئيس السوداني عمر البشير.
-امكانية تسعير الأجواء في السودان وحدوث حرب أهلية أو تدخّل دولي واسع النطاق لارغام البشير على المثول أمام المحمكة الجنائية الدولية بعد أن صدرت بحقه مذكرة توقيف من المدعي العام الدولي.
-الخلافات العربية بين هذه الدولة وتلك حول بعض المواقف والممارسات والنزاعات الاقليمية والحرب الاعلامية والشتائم على المستويات العليا وغيرها من المشاكل التي تعكر صفو العلاقات العربية- العربية...
إن دعوة الرئيس السوري في ظل اصرار سوريا على أن يكون لها صوت مسموع عربيا، بعد أن أعطت واشنطن اشارة الضوء الأخضر بذلك لأصدقائها من الزعماء العرب، تنوي تحقيق عدة أهداف، منها:
-ايقاف النظام الأسدي السوري عن ممارسة سياسة "المنشار" المؤذية في المنطقة والمهيّجة للأعصاب، وبخاصة في لبنان والعراق وفي العلاقة مع حزب ألله وحركة حماس وغيرها من المنظمات الفلسطينية التي تلقى منها التأييد والايحاءات المضطربة والمتناقضة مع "الخط العربي العام"...
-محاولة انتزاع النظام السوري الذي لبلاده موقع استراتيجي عربي هام من حضن النظام الشيعي الفارسي الذي يستخدم سوريا كجسر هام للوصول إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط والذي بنى لنفسه رأس جسر هناك في الجنوب اللبناني، وحاول استغلال بعض متطرّفي السنّة في شمال لبنان لبناء "امارة إسلامية!" بهدف تقليص حجم الفعالية الرسمية للحكومة اللبنانية في بيروت، وبالتالي تحويل لبنان مجددا إلى مدجنة ايرانية – سورية...ونسف اجراءات المحكمة الجنائية الدولية لبنانيا...
-مساعدة الأصدقاء والحلفاء في أمريكا وأوروبا في لجم السياسات السورية غير المسؤولة في العديد من النواحي، وبخاصة في مجال احتضان المنظمات المتطرّفة وتمويلها وايذاء الجيران بها وضربها ببعض حين تحاول المسّ بالهيمنة السورية الايرانية في صفوفها...
إلا أن ايواء النظام السوري عربيا لايعني أبدا قبوله سوريا، فالنقطة الأهم من جملة القضايا الأساسية بالنسبة للشعب السوري هي الوضع الداخلي في سوريا، هذا الوضع الذي لم يطرح للنقاش على طاولة الحوار في هذا الاجتماع المصغّر للقادة العرب حسب ظننا، إذ عادة تهمل قضايا حقوق الإنسان والحريات السياسية وقضايا الأقليات القومية والدينية وحرية المرأة ومسائل التعذيب وقتل المعارضين وسواها من المسائل التي تعتبر لدى زعماء الدول العربية مجرّد"مشاكل داخلية!" يعاني منها كل نظام عربي، في حين أنها من صلب أولويات الحضارة الانسانية ومن واجبات الحاكم، وتدخل في باب "نصيحة الجار للجار" ومن باب "درء المفاسد" وهو واجب شرعي...
يرى الشعب السوري بعربه وكرده وكل مكوناته القومية والدينية الأخرى أن له حقا على زعماء العالم العربي في مساعدته على التخلّص من شرور ومفاسد النظام العائلي الدكتاتوري الطائفي، وله الحق في أن تصان ثقافته الوطنية والدينية من اجتياح فارسي طائفي ممقوت، كما له الحق في محاكمة مسؤولي الحكم عن الفساد الشامل على كافة مستويات الدولة والحكم وعن مسلسل الاغتيالات الداخلية والتعذيب والسجن لعقود من الزمن لأبنائه وبناته...وبخاصة ما يحدث من اضطهاد عنصري منظّم ودائم للشعب الكوردي الذي يعيش على أرض وطنه التاريخي باعتراف العديد من فصائل المعارضة الوطنية والديموقراطية السورية، والذي على حد قول الرئيس ذاته "جزء من النسيج الاجتماعي للشعب السوري"...أي أنه ليس غريبا عنه وليس مهاجرا وليس لاجئا ومع ذلك فإن مئات الألوف من أبنائه وبناته، جيلا بعد جيل، محرومون من حق الجنسية السورية منذ عام 1962، ويتعرّض هذا الشعب إلى العديد من المشاريع الاستثنائية الشوفينية المتعارضة مع الشرع السماوي وكل المواثيق الدولية المتعلقة بحق تقرير المصير للشعوب والميثاق الدولي حول حقوق الإنسان...
ولذا يطالب الشعب السوري، قبل كل شيء آخر، أن يفكّر الزعماء العرب بمصيره ومستقبله وواقعه الحالي أيضا، مثلما يفكّرون بمصير الشعب اللبناني أو الفلسطيني أو العراقي أو السوداني، لأنها مسؤولية انسانية وقومية وضرورة من ضرورات تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة...وإن سوريا قويّة هي سوريا التي يكون فيها التلاحم بين الشعب وقواه السياسية وبين النظام الحاكم قويا، وليس على العكس بتدهور الأوضاع إلى درجة تنذر بالخطر، وقد تؤدي إلى كارثة سياسية، لأن تعريض شعب إلى سياسة أبشع من سياسة الدكتاتور تشاوتشيسكو ستأتي بالتأكيد بنتائج وخيمة للحاكمين كالتي نجمت في رومانيا آنذاك، حيث دمّر الشعب أركان النظام المستبد تدميرا رهيبا...
نعم، إن ايواء الأسد عربيا لايعني أبدا قبوله سوريا اليوم أو غدا...وعلى العرب والعالم الحر الديموقراطي ادراك ذلك جيدا.

 

 
Link

News

Kdps

Gotar

Wêne

Stran

Têkilî

أتصل بنا

أغاني

صـور

مقالات

ك.د.ب.س

أخبار

مواقع الكترونية