|
حتى يكون القرار
كوردستانيا
جان كورد

31.01.2008
القضية المركزية لأمتنا الكوردية هي بلا شك قضية حريتها، وكل القضايا الأخرى
تبقى جزئية ودون القضية الأساسية التي يجب أن ترسم الاطار الواسع لحركتنا
السياسية ، في مختلف أجزاء وأنحاء كوردستان... وهي بالتأكيد تلك القضية التي
كافح من أجلها آباؤنا وأجدادنا الوطنيون، وقادوا حركاتهم المباركة وقدموا
تضحيات جسام في سبيلها، بل بذل كثيرون منهم دماءهم الزكية بسببها، والآخرون
تعرضوا لمختلف أنواع الاضطهاد والحرمان والتشريد والاذلال، إلا أنهم ظلوا
مخلصين للهدف الكبير الذي وضعوه نصب أعينهم، وتقدموا مسيرة أمتهم صوبه...
بدون هذا الاطار الذي يجب أن تضعه سائر فصائل حركتنا الوطنية نصب أعينها، لا
يمكن وضع أو بناء استراتيجية كوردستانية موحدة، وهذا يعني التوصل معا إلى رسم
هذا الاطار المشترك، من خلال التقريب بين برامج ومناهج الأحزاب والسياسات
المختلفة، رغم كل الخلافات الفكرية والتناحرات على مواقع القوى والتناقضات في
المصالح الحزبية الوقتية...
نحن بحاجة لاطار جامع حتى يكون القرار كورديا، لأن قراراتنا إلى يومنا هذا
لاتؤخذ وفق استراتيجية واضحة المعالم، فليس هناك ما يمكن تسميته اليوم
ب"الاستراتيجية الكوردية أو الكوردستانية"، فهي لم تولد بعد، أو أنها أصيبت
بانتكاس كبير، بعد اخماد حركة خويبون في النصف الأول من القرن الماضي... ولربما
تكون هناك لكل حزب كوردي أو كوردستاني "استراتيجية واضحة" ولكنها تبقى
استراتيجية لحزب وليس لأمة... ولذا فلا يمكن القول بأن قرار ذلك الحزب هو "استراتيجية
قومية"...
وهذا يمكن قوله بصدد "استراتيجية" التحالفات أو الجبهات أو اللجان المشتركة
لبعض الأحزاب والقوى، فكل هذا لايمكن اعتباره تمثيلا كوردستانيا، إلا إذا تحول
الحراك إلى عمل كوردستاني مشترك، منظم ومتماسك ومتطور وواضح المسلك... على شكل
مجلس قومي كوردستاني مثلا، يصبح دستوره ميثاقا وطنيا شاملا، ملزما لكل وطني وكل
حزبي كوردي، في كل مكان من العالم... عندها يمكن الحديث عن قرار كوردستاني،
وليس الآن...
ولكن السياسي الواقعي والموضوعي يتحرك ضمن إطار الواقع، وهنا نرتطم بجدار
معاهدة سايكس – بيكو التي جزأت أرضنا ومزقت شعبنا وأضعفت قوانا وجعلتنا ضحايا
المصالح الدولية والاقليمية للشعوب والأمم الأخرى...
فكيف نتوصل في هذا الوضع إلى اتخاذ هذا "القرار الكوردستاني"؟
هناك طريقان لا ثلاثة في هذا المجال...
الطريق الأول – هو أن تتلاقى قوى الأمة الكوردستانية ، رغم كل المصاعب
والتحديات الداخلية والخارجية، من أجل بناء مجلس وطني كوردستاني، لتصل في
النهاية إلى قرار موحد وملزم للجميع، يتم اتخاذه على ضوء ميثاق وطني كوردستاني
واضح وجريء...
الطريق الثاني – هو أن نعزز تلك الجهة التي نراها مؤهلة اليوم لرفع سوية القضية
الكوردستانية على الصعيد الدولي، وتستطيع نيل الاعتراف الدولي بها وبالقضية
الكوردية ، على مستوى المنظمات الدولية والحكومات والهيئات الديبلوماسية،
وبالتالي تحقق هذه الجهة من خلال الاعتراف الدولي بها أرضية ثابتة وقوية للتقدم
نحو الأمام صوب تطوير المشروع القومي الكوردستاني...
وهنا علينا المناقشة حول الطريقين ومدى امكان الربط بينهما ربطا محكما، على
طريق حراكنا السياسي العام...
في الربع الأخير من القرن الماضي كنت أركز على ضرورة انشاء مجلسس وطني
كوردستاني ولا أزال أجده حتى اليوم أداة سياسية قوية على طريق الوصول إلى "قرار
كوردستاني موحد"، ولقد شاركت بنفسي في بعض المحاولات في ذلك الاتجاه، وطرحت
أيضا مشروعا لمثل هكذا مجلس، تم نشره بعدة لغات آنذاك... وهو منشور في كتابي "
كوردستان وشعب يريد الحرية" أيضا.. إلا أن تبدل الظروف الدولية وتغير الأحوال،
على الصعيد العالمي وعلى صعيد المنطقة، وبخاصة بعد سقوط نظام صدام حسين في عام
2003، فقد تحقق في جنوب كوردستان ما كنا نحلم به سابقا، وأحرزت القوى
الكوردستانية الباسلة في هذا الجزء من كوردستان ، في ظل قياداتها وزعمائها
السياسيين، وبخاصة قيادتي الحزبين الكبيرين، نجاحات باهرة جذبت أنظار العالم
الحر الديموقراطي، وكل الأمة الكوردية... وساهمت الانجازات التي حققتها في سائر
المجالات في تعزيز مكانة الاقليم، عراقيا وشرق اوسطيا ودوليا، في أن يفرض علينا
قبوله الوضع الجديد واحترامه وتعزيزه والمشاركة فيه بهدف دفعه قدما إلى الأمام،
لما في ذلك من فائدة ومنفعة لنا جميعا...
هذا الوضع الجديد الناشىء منذ بدايات القرن الحالي في جزء من كوردستاننا
الحبيبة يجبرنا على اعادة خلط الأوراق وتوزيعها وتنظيم قوانا وترتيب بيتنا
الكوردستاني حسب التطور الحاصل... وهذا يعني العمل على هذا الطريق الجديد بهدف
التوصل إلى قرار كوردستاني شامل... فالعمل على هذا الطريق سيعطي مردوده بسرعة
وسيكون له أنصار دوليون بسرعة أيضا، كما لن يتمكن أعداء الكورد وكوردستان من
هدمه بالشكل الذي يريدونه إلا إذا تمكنوا من اختراق الصفوف الكوردية وكسب قوى
كوردية معينة لزجها في المعركة ضد الأمة الكوردية وضد هذا الجزء الذي حقق بعض
أهدافها في الفترة الأخيرة...
برأيي، الزمن يسير ولا نستطيع التأثير في حركته، وكذلك المجتمع الدولي في تطور
مذهل وسريع، وعلينا السير حسب تطوراته وسرعته، إذ لايمكننا التخلف والتأخر عن
هذا الحراك الدولي، لأننا في الأصل متأخرون ومتخلفون عن ركب الحضارة البشرية،
ولذا يجب أن توافق ممارساتنا وعلاقاتنا ومناهجنا وتربيتنا وسياستنا هذا المسار
الدولي الكبير... وما يحدث في جنوب كوردستان هو انعكاس كوردي لما يحدث دوليا في
السياسة العالمية... إنه سير حثيث رغم كل الأخطاء والهفوات والمزالق صوب عمل
جاد، حتى يصبح القرار كوردستانيا....
|