|
|||||
|
الأستاذ عبد الحميد حاج درويش ونهاية سياسة التفاؤل
جان كورد 13.11.2007 يتساءل بعض الوطنيين الكورد السوريين عن السبب في سكوت أقطاب الحركة السياسية الكوردية في غرب كوردستان عما يطلقه السياسي العريق الأستاذ عبد الحميد حاج درويش من تصريحات بين الحين والحين تخالف ما يجب أن تكون عليه مواقف من يعتبر نفسه زعيما أو قائدا أو رائدا لهذا الشعب، منذ ان وجدت حركته السياسية ... وأقول بأن هذا الصمت مع الأسف - أشبه بصمت القبور أحيانا... الأستاذ عبد الحميد درويش، ومنذ الاعتقالات الأولى التي نالت قيادة بارتي ديموقراطي كوردستاني سوريا في ستينات القرن الماضي وإلى اليوم، أمين عام حزب يدعى بالحزب الديموقراطي التقدمي الكوردي في سوريا، ومن أهم شروط الديموقراطية والتقدمية في السياسة أن يتبادل أعضاء الحزب القيادة ويجدد الحزب من مسيرته وأسلوب عمله ومواقفه حسب الشروط التاريخية التي تتبدل وتتغير من فترة زمنية إلى أخرى، فماذا تغير في قيادة وسياسة وممارسات ومواقف هذا الحزب، في ظل هذا الزعيم الذي يتحكم بمسار حزبه منذ عهد الديناصورات؟ وأي ديموقراطية وتقدمية وتجديد في نضالات هذا الحزب؟ ولماذا لايتم تنحية هذا الرئيس (الأمين العام) ولو لدورة انتخابية واحدة بين مؤتمرين رغم أنه طاعن في السن؟ فهل حقق الأستاذ درويش انجازات عظيمة لشعبه ولحزبه سوى البقاء على حافة الطريق، في ظل دكتاتورية عريقة، وحفظ أعضاء قيادته من الملاحقات والسجون والتعذيب؟ ولكن لماذا يزج نظام البعث الدكتاتوري بكوادر مختلف الأحزاب السورية، عربية وكوردية ، في السجون والمعتقلات، ويستثني من سياسته القمعية هذا الحزب بالذات؟ ... أهذه مصادفة تاريخية مستديمة أم أن النظام لايرى أي خطر من هذا الحزب على نفسه؟ أم أن الأستاذ درويش ينفذ سياسة "الدولة الواطئة" أو "الدولة السرية" التي يعتبر ما يسمى ب"الجبهة الوطنية التقدمية!" جزءا من أركانها وأدواتها؟...أو لنسأل بوضوح: - هل تم تعيينه في هذا المنصب كرئيس حتى الممات؟ ومن عينه في هذا المنصب الذي لا يجرأ أحد على انتزاعه منه، وكأنه ستالين أو ماوتسى تونغ أو كيم ايل سون أو فيدل كاسترو؟ حتى الممات؟... المشكلة ليست في ربط زعامة حزب أو شعب بأقدام شخص ما بالسلاسل، ولكن هذا ينقلب مع الأسف إلى تقليد سائد في الحركة الوطنية السياسية... إن عدوى مرض الرئاسة خطير وينتقل بسرعة إلى الآخرين...من يصبح رئيسا لحزبه يحاول بشتى الطرق اللاديموقراطية والألاعيب والتصفيات والمؤتمرات اللاديموقراطية أن يقضي على كل من تخوله نفسه ممارسة التقد له ولسياسته، وتنقلب أحزابنا إلى جمعيات دكتاتورية، لا ديموقراطية ولا تقدمية فيها، وتصبح كمنابر لمدح الذات والنفخ في الأبواق لهذا الزعيم أو ذاك، ولمن يخلفه من عائلته في القيادة بعد خروجه من الساحة... وفي هذا تدمير وتحقير لقضية شعب مظلوم ولمبادىء الديموقراطية والتقدمية على حد سواء... مجرد طرح هذه التساؤلات والمخاوف سيدفع ببعض المدافعين عن النظام الدكتاتوري من خلف الستائر الكوردية إلى اتهام السائل بأنه متحامل على رجل قدم للشعب الكوردي ما لم يقدمه أحد في تاريخه من قبل وسيتهم الناقد بأنه عميل للنظام يهاجم قيادة "حزب معارض!" امتلأت السجون السورية بكوادره على مر العقود ... ولكن هذه الأسئلة تبقى رغم كل الطنطنات الدفاعية عن الأستاذ درويش وحزبه بدون جواب؟ نعم... ماذا حقق هذا الزعيم لشعبه الكوردي خلال النصف قرن الماضي حتى يستحق البقاء رئيسا لحزب من أحزابه منذ نصف قرن من الزمن؟ هل يمكن لأحدهم الاجابة بشكل جاد عن هذا السؤال؟ امتازت سياسة الأستاذ درويش عبر المراحل المختلفة بأنها بنيت على "التفاؤل!"، التفاؤل في أن يغير حزب البعث الحاكم بقوة الحديد والنار من سياسته العنصرية تجاه الشعب الكوردي، ويؤمن بأن لهذا الشعب حقوق قومية، وينقلب مع الأيام إلى نظام ديموقراطي تقدمي على غرار حزبه الذي يترأسه، ويصبح الكل إخوانا، في ظل شعارات "الوحدة والحرية والاشتراكية العربية" وينال الكورد حقهم القومي المسلوب، وتصبح سوريا "العربية" جنة خلد للجميع، بما فيهم الكورد أبناء الجن... وهذا التفاؤل كان يرافق ابتساماته العريضة منذ أن وضع البعثيون في يديه نشرة من نشرات الحزب الحاكم التي تدعى ب"المناضل" والتي نشرت مرة من المرات في أواخر ستينات القرن الماضي مقالا لمؤسس البعث السيد ميشيل عفلق، ذكر فيه أن هناك حركة تحرر وطني كوردية في تركيا وايران والعراق... لقد دفعت الحركة الوطنية الكوردية ثمن تفاؤل هذا السياسي العجوز باهظا، فتعرضت إلى الانشقاق الكبير عام 1965 بسبب مواقفه المتفائلة تجاه البعث الحاكم ومعاداته التامة والصريحة لقيادة الأب الخالد للنضال التحرري الكوردستاني البارزاني مصطفى، ووجد في انشقاق الأستاذ إبراهيم أحمد والأستاذ جلال الطالباني عن الحزب الديموقراطي الكوردستاني آنذاك ما يستند عليه في دعواه، ويعزز موقفه المتفائل تجاه النظام البعثي، حيث كانت العلاقات آنذاك متينة بين المثلث البعثي الديموقراطي التقدمي القيادة المنشقة عن الثورة الكوردية... ولقد دفع الشعب الكوردي ثمنا باهظا بسبب تفاؤل الأستاذ درويش تجاه البعث السوري، عندما خرج عن الوحدة التنظيمية المنبثقة عن المؤتمر الوطني الكوردي الأول في عام 1970، ذلك المؤتمر الذي انعقد في ظل قيادة البارزاني الحكيمة، وعاد الأستاذ درويش إلى البلاد بذرائع مختلفة بناء على دعوة سرية مرفقة بوعود لحل القضية الكوردية السورية من الأستاذ أحمد الخطيب ، الرئيس المؤقت لسوريا بعد قيام الحركة التصحيحية التي قادها الجنرال حافظ الأسد في عام 1970، وشرع في تدمير القيادة المرحلية التي ترأسها الوطني الكوردستاني دهام ميرو، والهجوم الصارخ المستمرعلى قيادة الثورة الكوردية تحت شعارات "التقدمية والمعاداة للامبريالية والصهيونية والرجعية!"، مقابل لهجة وطنية سورية متفائلة للغاية تجاه النظام "التصحيحي الجديد" لحافظ الأسد، تكاد تفوح منها رائحة الزهور العطرة... وليصبح الأستاذ درويش منذ ذلك الحين حجر الرحى في الحرب على كل ما تفوح منه رائحة التغيير والتجديد في الحركة الوطنية الكوردية... منذ عام 1970 وإلى اليوم... إنه صاحب الفصيل الذي اتخذ على الدوام مواقف متعارضة مع مواقف الحركة الوطنية الكوردية، ليس لأنه كان يعتبر الحركة الكوردية بطيئة السير، ضعيفة القوى في اتخاذ المواقف الجريئة، بل على العكس من ذلك، حيث اعتبر على الدوام كل خطوة جريئة لأي فصيل كوردي كان، طفولية وتطفلا وخروجا عن الخط الوطني، والوطنية لديه تكمن في "التفاؤل" تجاه النظام وسياسته وعقيدته البعثية... لقد مال لمواقف النظام على اختلاف مراحله بشكل سافر، وبخاصة في السياسة الخارجية والقضايا العربية، حيث لانجد له أي موقف يتعارض ولو قيد شعرة مع مواقف النظام، والموقف الكوردستاني الوحيد الذي التزم به التزاما تاما هو التبعية المطلقة لسياسة الاتحاد الوطني الكوردستاني والصداقة القديمة بينه وبين الأستاذ جلال الطالباني، حتى بدا وكأن حزبه فرع سوري للاتحاد الوطني الكوردستاني، وهذا ليس بعار أو خطيئة، إلا أن هذا الموقف الكوردستاني الذي حرص على التمسك به طوال مسيرته منذ ستينات القرن الماضي لايعني أن الحزب الديموقراطي التقدمي الكوردي في سوريا بزعامة الأستاذ درويش التاريخية لم يكن في الوقت نفسه حريصا على عدم ازعاج النظام السوري الدكتاتوري طوال تلك المرحلة، وبخاصة لدى قيام الشعب الكوردي بانتفاضة تاريخية باسلة في وجه آلة القمع البعثية في آذار 2004، حيث موقف الأستاذ درويش وجماعته من هذه الانتفاضة مشين للغاية ومشكك بنضال الشعب الكوردي ومثير للقرف حقا، بل يتم تكرار هذا الموقف من كل عمل وطني كوردي في الاتجاه المعارض للنظام واظهاره وكأنه الموقف الوحيد الصحيح، وآخر ذلك المسلسل قرأناه مرة أخرى منذ أيام قلائل في مقابلة للأستاذ درويش... الجديد في الموضوع هو الانتقال من "التفاؤل" إلى "التشاؤم" ...!!! فما الذي تغير وتبدل حتى فقد أستاذنا أمد الله في عمره أمله في النظام البعثي الدكتاتوري هذا، وانقلب تفاؤله إلى تشاؤم فجأة؟ الدستور هو هو، والبعث هو هو والعائلة الأسدية المستبدة بالشعب السوري هي هي، فما الذي جعله يتشاءم بعد نصف قرن من التفاؤل المطلق؟..هل يعني أن الأسد الأب الذي نفذت في عهده عدة نقاط من المشروع البعثي العنصري تجاه الشعب الكوردي كان أكثر تقدمية؟ أم أنه كان أرحم بالشعب الكوردي؟ أم أن سياسة التقدمي الديموقراطي الكوردي متأثرة بسياسة الاتحاد الوطني الكوردستاني الذي دفعته الظروف التاريخية للابتعاد عن دمشق؟ أم أن الأستاذ السياسي العريق درويش اكتشف في وقت متأخر جدا من حياته السياسية بأن النظام البعثي الحاكم في سوريا عدو للأمة الكوردية؟ أي هذه الأسئلة تلقى الاجابة؟ فإن كان سؤالنا الأخير هو الأنسب للتعبير عن التغيير الحادث في سياسة الأستاذ درويش، فنقول: لقد كان البعث دائما على طول الخط عدوا مبينا للشعب الكوردي ولكنكم لم تعترفوا بذلك إلا الآن... وهذا ما يثير غضب الشارع الكوردي ويدفع بالكثيرين إلى مطالبة الحركة الوطنية بالرد الحاسم على سياسة الأستاذ درويش التي انتهت إلى افلاس محقق، بعد خمسين عاما من التفاؤل اللامجدي... وبقي سؤال واحد لابد من طرحه هنا: - هل انتهت مرحلة سياسة التفاؤل إلى الأبد وبانتهائها يخلد الأستاذ درويش إلى الراحة بعد نصف قرن من زعامة لم تحقق للشعب الكوردي سوى النظر بعيون متفائلة إلى الحاكمين في دمشق؟ أم أنه سيقود حزبه لنصف قرن آخر...؟ أم أن دوره أو عصره قد انتهى؟... واستغرب كيف لم يقلده المام جلال حتى الآن أوسمة الشجاعة في قيادة المعارضة الكوردية السورية، ولم يعرض عليه منصب مستشار له في "شؤون التفاؤل" بعد أن ثبت انتصار هذه السياسة التي جاءت بالحرية والديموقراطية والتقدمية للشعب الكوردي في غرب كوردستان... |
|||||