|
هل أفلست المعارضة السورية؟
جان كورد السبت، 11 نيسان، 2009
إن
استمر الحال على ما هو عليه الآن، فإن النظام الحاكم في سوريا سيعتبر فلول
المعارضة الديموقراطية مسؤولة عن جميع الانتكاسات الاقتصادية والمشاكل المتعددة
الوجوه في البلاد، وسيعقد المحاكم الغيابية لمحاكمة "المسؤولين" عن التأخر
الشامل الذي تعاني منه سوريا، وهؤلاء المسؤولون هم بالطبع كل صوت رفض أو لايزال
يرفض اخضاع عنقه للمقصلة السياسية التي أعدها النظام للمعارضة منذ أن اغتصب
السلطة في ستينات القرن الماضي، إذ أن نظام بشار الأسد ليس إلا حفيدا هزيل
القامة ولكنه مدجج بكل أنواع الأسلحة الفتاكة التي وضعها فكر البعث المتفرّد في
أيدي زبانيته العسكريين والحزبيين ومن تبعهم ووالاهم في أكبر عملية نهب وسلب
منظّم وعلى كافة المستويات في تاريخ سوريا...
ومن الضروري الاعتراف بأن جزءا كبيرا من سوء الأوضاع هذه يقع على عاتق المعارضة
الديموقراطية والوطنية السورية التي أوقعت نفسها في هذه المصيدة الرهيبة...وذلك
لأنها لم تتمكّن حتى اليوم من بناء تحالفاتها على أساس متين، وانهار ما بنته
بسرعة فائقة لقلة مهندسيها وخبرائها وبسبب النزعة الانتهازية لبعض فئاتها التي
تبحث عن مكاسب وقتية بممارسة تكتيكات متسرّعة وتصرفات غير مسؤولة، كان آخرها "الانزلاق
الكبير" للاخوان المسلمين الذي مردّه التخلي عن أصول التنظيم في العمل الحزبي
وعدم استشارة قواعدهم والتعويض عن ذلك باستشارة "شيوخ" من بلدان أخرى لاتستطيع
فهم الواقع السوري بشكل أفضل من التنظيمات السورية، ولها سلّم للأولويات "العربية"
أو "الاسلامية" يختلف تماما عن سلّم الأولويات للشعب السوري الذي يعاني أوضاعا
مهينة ومزرية حقا...
إن الاخوان المسلمين لهم أكبر تجربة في بناء التحالفات باسم المعارضة السورية
منذ دخولهم اللعبة البرلمانية في عهود الديموقراطية، وبعد صدامهم الكبير مع
نظام البعث الحاكم في أواخر سبعينات القرن الماضي، ومن ثم في عهد الرئيس بشار
الأسد، إلاّ أنهم لم يتمكنوا حتى اليوم من الاحتفاظ بأي من هذه التحالفات التي
منحوها أسماء براقة وكبيرة، سوى بقائهم الذي لاندري إلى متى سيستمر في "اعلان
دمشق للتغيير الديموقراطي"، ومن هذه التحالفات والجبهات:
في العهد الديمقراطي:
- الجبهةَ الاشتراكيةَ الإسلامية
- الجبهةَ الإسلاميةَ التعاونية بقيادة الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله تعالى)
بعد الصدام الكبير مع البعث الحاكم:
- الجبهة الإسلامية في عام 1980
- التحالف الوطني لتحرير سورية في عام 1982
- الجبهة الوطنية لإنقاذ سورية في عام 1990
- التحالف الوطني لإنقاذ سورية في عام 1995
في عهد الرئيس بشار الأسد:
- مؤتمر الميثاق الوطني في عام 2002
- إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي في عام 2005
- جبهة الخلاص الوطني في عام 2006
وإذا ما نظرنا إلى كل هذه الكيانات التي كان الاخوان جزءا هاما منها فإننا
نلاحظ تكوّنها الفجائي وانفراطها الفجائي في فترة قصيرة، وأطول فترة زمنية (8
سنوات) بين تحالفين هي الفترة بين اقامة "التحالف الوطني لتحرير سورية" في عام
1982 والمعلوم عنه أنه كان يتمتّع بتأييد نظام البعث الموالي لصدام حسين له
عندما كان صدام حسين يجول ويصول ك"حارس للبوابة الشرقية للأمة العربية!"، وبين
"الجبهة الوطنية لانقاذ سورية" في عام 1990 وحسب معلوماتنا المتواضعة فإن أي
تحالف أقامه أو دخل فيه الاخوان لم يكن نتيجة لقرار مؤتمر من مؤتمراتهم وانما
بقرار من قيادتهم السياسية والتنظيمية، وكذلك الانسحاب أو فرط هذه
المكونات...ومهما كان تلاحم الاخوان السوريين مع الاخوان المصريين قويا، أو
مهما كان الشيخ الغنوشي والدكتور الهلباوي ويوسف القرضاوي وغيرهم من العرب غير
السوريين ضليعين في الفقه والعمل السياسي الاسلامي فإنهم ليسوا ولن يكونوا
بديلا عن رأي القواعد التنظيمية لحركة تقول بأنها واسعة وكبيرة بين جماهير
الشعب السوري...حتى يقرر الاخوان - حسب مشورتهم- الكف عن معارضة نظام كان يتهمه
الاخوان السوريون على الدوام بأنه "أشرس نظام دكتاتوري عائلي طائفي مستبد وعميل
للأجنبي..."
ولكن هذه المشكلة ليست خاصة بالاخوان المسلمين وحدهم، فالتحالفات الأخرى التي
تشكلت باسم المعارضة السورية، مثل "التحالف من أجل سورية" في عام 2003 من تلاقي
حزبين: بارتي ديموقراطي كوردستاني – سوريا وحزب الحداثة والديموقراطية في خارج
البلاد، ثم انضم إليهما حزب الاصلاح السوري، حيث تم باقتراح منه تغيير اسم
التحالف إلى "التحالف الديموقراطي السوري"، وكان لي شرف المساهمة في بناء هذا
التحالف في مرحلتيه الأولى والثانية ووضع اللمسات الأخيرة على الميثاق النهائي
الذي صدر في نوفمبر 2003 في واشنطن، إلا أن هذا التحالف الذي يمكن اعتباره اول
تحالف ديموقراطي (عربي – كوردي – أقلياتي) سوري يبنى على أساس الاعتراف بوجود
قوميتين أساسيتين في البلاد وضرورة منح الشعب الكوردي حقه القومي العادل في
اطار نظام فيدرالي (لامركزي) دستوريا بموجب هذا الاعتراف، لم يدم أكثر من عام
واحد، بسبب التصرفات اللامسؤولة لبعض قادته التي يمكن وصفها حقا بعدم النضوج
السياسي وتجاوز الأصول الديموقراطية في التعامل ضمن التحالف، ومحاولة بعضهم
اللعب على حبلين في آن واحد بالتحالف سرا مع جهات لاتريد التغيير الحقيقي إلا
حسب نظرة "اعلان دمشق" في حين سعى آخرون لاظهار هذا التحالف وكأنه "ابتكار شخصي"
أو "شركة خاصة" بهدف جني أموال أو الحصول على امتيازات معينة...
كما نعلم أن السيد رفعت الأسد، عم الرئيس الحالي، قد وضع أساسا لما سماه
ب"التجمع القومي الموّحد" قبل سنوات، واتصل هذا "التجمّع" بعدة شخصيات وأطراف
كوردية وعربية وسورية بهدف اقامة تحالف سوري واسع يسعى لاناخة الجمل دون احداث
أذى، مستخدما باستمرار مقولة "نظام الأمر الواقع!" في قناته التلفزيونية الخاصة
التي أفسحت المجال بعض الشيء أمام المعارضين لأن يقولوا قليلا مما يجول في
أذهانهم بصراحة، إلا أن الخلافات العميقة عرقلت التلاقي بين السيد رفعت الأسد
الذي كان نائبا لرئيس الجمهورية في عهد أخيه الراحل حافظ الأسد ثم انفك عنه
نتيجة صراعات عائلية وبين منافسه السيد عبد الحليم خدام الذي كان هو الآخر
نائبا للرئيس الراحل ومن ثم نائبا لابنه الذي تولّى الحكم كما في الدول الملكية
باقتراح أو بموافقة من السيد خدام ثم انفك عنه لأسباب عديدة لامجال لذكرها
الآن...ومن جهة أخرى فإن السيد رفعت الأسد يعتبر في نظر "الاخوان المسلمين"
المسؤول الأوّل عن المجازر التي ارتكبت في ثمانينات القرن الماضي في البلاد
أثناء وبعد الصدام الدموي الواسع بين النظام البعثي الحاكم وبين الاسلاميين،
ولذا فإن "التجمع القومي الموّحد" الذي يلعب بين الحين والحين بالعواطف القومية
و"الأقلياتية" للكورد السوريين ظهرا محصورا ومحاصرا من جهات عدة، ولم يتمكّن من
تطوير نفسه، وبخاصة فإن "جبهة الخلاص الوطني في سورية" التي يقودها السيد عبد
الحليم خدام وتشكلت في عام 2006 وكذلك "اعلان دمشق" الواسع الذي تشكّل قبل
الجبهة بعام واحد رفضا العمل مع السيد رفعت الأسد وتجمّعه هذا...
في عام 2008 بدأت المشاورات بين الأستاذ مروان حمود من تجمع "تود" وبين بعض
الشخصيات والتنظيمات الكوردية والعربية خارج البلاد، وتشكلّت في نوفمبر 2008 في
مدينة بون الألمانية "جبهة التغيير والوفاق الوطني" من تجمّع "تود" الذي يقوده
السيد مروان حمود وبارتي ديموقراطي كوردستاني- سوريا وشخصيات سورية
مستقلة...إلا أن هذه الجبهة التي نصت هي الأخرى على ضرورة بناء نظام فيدرالي في
سوريا ومنح الشعب الكوردي حقه القومي العادل على أساس أنه يشكل القومية الثانية
من حيث الحجم السكاني والتوزّع الجغرافي الواسع قد ولدت ميّتة، على الرغم من
حضور أطراف أخرى اجتماعه الثاني المنعقد أيضا في مدينة بون الألمانية في شباط
2009، إذ أعلن تجمّع "تود" بأنه لايوافق على بعض النقاط الأساسية في برنامج
الجبهة، وظهرت مشاكل تنظيمية بسبب محاولة بعضهم التفرّد بالقرار السياسي
والتنظيمي، وسرعان ما أعلن السيد مروان حمود عن رغبته في التخلي عن العضوية في
الجبهة بعد أن رفض زملاؤه في قيادة الجبهة تنفيذ ما اعتبروه "أوامر فوقية" منه،
ومحاولاته طرد أو تجميد عضوية من لايتفق معه في الرؤى أو لايقبل الدخول تحت
عباءته الشخصية...أو كما سمعناه من أعضاء مهمين في هذه الجبهة...
والآن، هل يمكن القول بأن المعارضة السورية قد أفلست؟ بعد مسلسل الفشل الكبير
الذي سجلته المعارضة الديموقراطية والوطنية السورية، والهجمات المتبادلة بين
أٌقطاب الجبهات والتحالفات، ومؤخرا بين المكوّن الكوردي بقيادة الأستاذ صلاح
بدر الدين ورفاقه من جهة وبين مسؤولي جبهة الخلاص بعد خروج الاخوان والمكون
الكوردي منه،
طبعا لا...طالما هناك استبداد سياسي وتناقضات رهيبة بين سلوك النظام وما يجب أن
يكون عليه سلوك حكومة في خدمة الشعب، فإن المعارضة لاتموت ولاتذبل، فمنطق
النظام هو الذي يوّلد رد فعل بين الشعب الذي يندفع لبناء أداة "معارضة" لاعادة
المياه إلى مجاريها...هذا هو الوضع في كل بلدان العالم ولايمكن أن تكون سوريا
استثناءا فيه...الأنظمة تقوى بقدر ما تحققه من عدالة ومساواة وبقدر ما تقدّمه
من خدمات لشعوبها، وليس عن طريق المزيد من الارهاب واستخدام العصا ضد من لايتفق
معها في نظرته السياسية...والتاريخ يرينا بأنه كلما ازداد النظام وحشية تعاظمت
المعارضة ضده وتوحدت، وما يحدث في سوريا الآن ليس إلا مرحلة مرض وضعف مؤقتة، إذ
أن سلوك النظام تجاه مختلف فئات الشعب شرس، وهو نظام سلب ونهب وقمع استخباراتي
ومعتقلات وكبت حريات، وهذا لايدوم دون ظهور معارضة حقيقية له...والشعب السوري
ليس شعبا مخصيا وليس عبدا لأحد، ولايمكن تبادله كسلعة بين النظام والانتهازيين
الذين لهم قدم في المعارضة وأخرى في خدمة النظام...الشعب السوري معروف بتمرّده
على سائر الأنظمة القمعية والدكتاتورية التي حاولت كتم صوته إلى الأبد...
لا...ثم لا...المعارضة السورية لم تفلس ولن تفلس وستشق طريقها بقوة وستبني
نفسها بعزم، وما هذه الحال سوى حال مريض يعلم أن خضوعه لمرضه سيضرّه أكثر،
ولابد له من مقاومة المرض والعمل على انهاء ضعفه، ومن ثم القيام على ساقيه
ليتصدى للتحديات العديدة التي تواجهه...والأمل كبير في أن تجد المعارضة السورية
قاعدة متينة للتلاقي والتحالف في أقرب وقت ممكن لما للعمل المشترك من أهمية
قصوى...
|