|
الشخصية الكوردية
في الأدب والسياسة والأمثال الشعبية
( 4-4 )
جان كورد
الأربعاء، 12 آب، 2009

في الجزء الرابع والأخير من مقالنا هذا، نحاول وضع اليد على الملامح الأساسية
في الشخصية الكوردية التي تكوّنت عبر التاريخ ونمت وتطوّرت وسط الكثير من المحن
والكوارث السياسية والانقلابات الفكرية الكبرى في التاريخ كالاسلام والشيوعية
والعولمة، ولذا يجدر بالذكر هنا أن معظم المستشرقين الذين اهتموا بالمجتمع
والجغرافيا والتاريخ والثقافة الكوردية، من آلمان وروس وفرنسيين وطليان
وأمريكان وبريطانيين، والعديد من المؤرخين والدارسين العرب، (وهم كثر ومتفقون
تقريبا على نظرتهم إلى الانسان الكوردي) قد ذكروا في كتبهم الجوانب المتألقة في
الشخصية الكوردية مع وقوفهم على سلبياتها أيضا، وهذه الجوانب في عمومها ايجابية
وتكاد تكون متميّزة في صورها، فالكوردي لدى المستشرقين رغم عيشه تاريخيا في
وحدات مجتمعية تكاد تكون منعزلة عن بعضها بسبب العوائق الجغرافية الكبيرة في
التاريخ كالأنهار العظيمة وسلاسل الجبال الشاهقة والتقسيمات الاجتماعية لعهود
الاقطاع المتأصل والعشائرية والمذهبية والطائفية والتنوع في اللهجات اللغوية
كان أشد انفتاحا على الغريب القادم من بعيد، يمكن الثقة به تماما، يحترم النساء،
صادق الوعد، شجاع لايهاب الأعداء، إنه مستعد للتضحية من أجل الحق دائما، ولكن
يمكن خداعه بسرعة وتأليب الكوردي على الكوردي من قبل الأعداء بسرعة أيضا، (
وهذا ماحدث في التاريخ فعلا، فلم تكن قلعة دمدم تسقط لولا تعاون بعض رجالها مع
الشاه الفارسي ضد أميرها خانى يه ك ده ست) وزجّه في حروب لاناقة لها فيها
ولاجمل كما تقول العرب، وكريم في داره وحقله وعشيرته، حتى أنك تستغرب لكرم
الكورد الرحل (الكوجر) رغم الفقر المدقع الذي كانوا يعيشون فيه، والمرأة
الكوردية متحررة من حيث لباسها واختلاطها بالرجال وادارتها للمنزل ومشاركتها في
العمل، سواء في الدار أو في الحقل أو في المراعي، جنبا الى جنب مع الرجل الذي
يحميها بدمه، وهي التي لها في معظم الأحيان اليد العليا في تربية الأطفال
واختيار الصهر لابنتها وتتصرّف في بيتها كسيدة، وتستقبل الضيوف الغرباء في غياب
زوجها دون حرج وتكرمهم وتودّعهم، دون أن يهينها زوجها على ذلك، بل كان هذا
الاحترام للضيف من قبل المرأة أمرا طبيعيا في المجتمعات الكوردية القروية
والعشائرية...بل إن هناك نساء كورديات اشتهرن في التاريخ كمحاربات وأميرات مثل
(ضيفة خانم الأيوبي) التي كانت ملكة في حلب وقادت الدفاع عن مدينتها على جبهتين
(المغول من المشرق) و(الصليبيين من المغرب) وقضت على الذين أرادوا استغلال
فقدانها لزوجها حينما شعرت بخطرهم يقترب من امارتها القوية (أنظر مقالنا الطويل
حولها المنشور منذ سنتين أو أكثر باللغة الكوردية)...
إن المقدّم الباكستاني شيخ عبد
الوحيد الذي نشر في عام1955 كتابه (الأكراد وبلادهم) عن تاريخ الشعب الكوردي (منذ
أقدم العصور إلى العصر الحاضر) وقدّم له الفيلد مارشال محمد أيوب خان (رئيس
جمهورية باكستان الأسبق) يكاد يتفّق في رأيه حول الانسان الكوردي مع رأي
المستشرقين الأوربيين والأمريكان حول الشخصية الكوردية، ويشبه الشعب الكوردي
بالشعب الباثاني الجبلي في بلاده، وهذا يقودنا إلى أن الغرباء اتفقوا في نظرتهم
إلى "الشخصية الكوردية"، كانت شخصية الرجل أو المرأة الكوردية، رغم اختلاف
الشرق والغرب جغرافيا وديموغرافيا وثقافيا وتاريخيا، ورغم تنوّع بلدانهم
وقاراتهم وما يكمن في ذلك التنوع من تباين سياسي وديني... (للحصول على هذا
الكتاب المذكور هنا نذكر بأنه طبع بالانجليزية في لاهور بالباكستان لدى المكتبة
العلمية،ثم ظهرت الطبعة الثانية في يناير 1958، وطبع للمرة الثالثة بالعربية في
عام 1970)...
يقول الكاتب الباكستاني في مقدمة كتابه ما يمكن مقارنته بالحاضر الكوردي من
وجوه عدة: ((يلقى السائح في المناطق الكوردية كرما وترحيبا كبيرا على عكس
الدعايات المغرضة التي ينفثها أعداء العراق وأعداء ايران- وكفى أن يقوم السائح
بزيارة قصيرة لمهاباد وتبريز في ايران أو الموصل وكركوك في العراق ليشاهد بنفسه
حسن الادارة واستتباب الأمن والنظام مما يدحض تلك الادعاءات المغرضة...)) وعن
احترام الكورد للمرأة يقول:((ولقد استفدت كثيرا من جولاتي في مناطق الأكراد
بصحبة زوجتي التي يرجع اليها الفضل في ترحيب الأهالي بنا في والدساكة التي
زرناها...)) ويقول عن الكورد بأن وجودهم في حال "حرب مستديمة مع كل سلطة حاكمة"...((الأمر
الذي نتج عنه اصابتهم بمركب نقص ليس في صالح الوطن الذي ينتمون إليه...ويمتاز
الكوردي بالشجاعة والكرم، فهو كريم مع كل شخص، ويستجيب الآغا الكوردي لأي طارق
يطرق بابه في أي ساعة من الليل، ومهما كان الطارق فقيرا ومهما كان غريبا، ومهما
كان عدوا للمضيف فانه يلقى كرم الأكراد وسعة صدرهم...)) ويلاحظ هذا الكاتب الذي
لاعلاقة له بالكورد مطلقا ويأتي من المشرق وليس من المغرب، حيث يتهم الكورد لدى
الشوفينيين من القوميات المسيطرة على كوردستان بالولاء للغرب "الامبريالي-
الصهيوني" باستمرار (وهم معلّقون بهذا الغرب من لحاهم)، بأن الكرم من "عقيدة
الكوردي" إذ يقول:(( ويعتقد الأكراد أن البيت الذي لاتدخله الضيوف محروم من
بركة الله، ففي اعتقاد الكوردي أن زيارة الغريب والضيف تجلب البركة والرزق...))
(ص 15- الطبعة العربية)
ولدى قراءتنا لهذا الكتاب ومقارنة وضع المجتمع الكوردي آنذاك بوضعه اليوم نلمس
تبدّلا وتغيّرا ملحوظا في جوانب عديدة من "الشخصية الكوردية"، إذ يذكر الكاتب
أن الكوردي آنذاك رغم اختلاطه في جميع أنحاء بلادهم بالأرمن والايرانيين والعرب
والأتراك ورغم وجود المشروبات الروحية مثل الفودكا والنبيذ والعرق في بلادهم "ماكانوا
يقربون أبدا أيا من هذه المشروبات الروحية" في حين أن الكورد - الآن- يشربون
البيرة على حد قول أحد الاسلاميين البارزين في جنوب كوردستان أكثر مما يشربه
الألمان...ورغم أن هذا السياسي الاسلامي -كما يبدو- يجهل عن الألمان وشربهم
المبالغ فيه للمشروبات الكحولية، فإن مجرّد المقارنة بين الحالة الكوردية
والحالة الألمانية في هذا المجال دليل على تغيّر كبير في "الشخصية الكوردية"
الكلاسيكية...وهذا يعني أن الانقلابات الاجتماعية الكبرى في العالم قد أثّرت في
"الشخصية الكوردية الجبلية المحاربة المتدينة، الشخصية الشرقية التي يمكن
اعتبار الكوردي أنموذجا لها بكل ضعفها وسلبياتها وبساطتها، والتي يمكن خداعها
باستمرار، ومن هذه الانقلابات الروحية والفكرية، انتشار الاسلام السريع في
كوردستان قديما، وبعدها انتشار أفكار التحرر القومي والاجتماعي، ومنه "تحرر
المرأة"، في بداية القرن الماضي، أثناء الشلل الذي أصاب دولة "الخلافة" وانتشار
الفكر الشيوعي في منطقة الشرق الأوسط بعد انتصاره في شمال العالم الآسيوي
وأجزاء واسعة في العمق الأوربي، ومن ثم انحسار هذا الفكر مع نهاية القرن الماضي
وتنامي فكر "الحرية والديموقراطية وحقوق الانسان" مع تحوّل العالم من "عالم
القطبين والمعسكرين" إلى "نظام العالم الجديد" الذي تشرّب أفكار العولمة في
دنيا "القرية الالكترونية العالمية"...
لوضع "الشخصية الكوردية" في
اطارها الملائم لها بصورة أشد التصاقا بالواقع والحقيقة، يجدر بنا النظر بتعمّق
في "الأمثال والحكم الشعبية" للمجتمع الكوردي، فالأمثال والحكم الشعبية لأي قوم
من الأقوام أو أي وسط اجتماعي – ثقافي، هو الاناء الذي تجتمع فيه خبرات تلك
الأقوام والأوساط الاجتماعية – الثقافية...
لقد نظرت في ثلاث كتب في هذا
الشأن، منها كتاب الشخصية الوطنية الشهيرة ملا محمودى ديرشه وي، وكتاب الأستاذ
علي جعفر (الجزءالثاني) الذي يضم أكثر من ألف مثل شعبي بالتأكيد، وكتاب السيد
بلال حسن (باڤى هوزان) الشخصية الكوردية العريقة في معرفة الحياة الاجتماعية
والسياسية واللغوية لمنطقة جبل الكورد (كورداخ)، ويضم الكتاب (5246) مثلا شعبيا
وحكمة، بترتيب جيد، وكذلك قائمة طويلة بالأمثال والحكم للصديق الكاريكاتوريست
عنايت ديكو كان قد أرسلها لي منذ عدة سنوات، الأوّل من هؤلاء المهتمين بالأمثال
والحكم الشعبية الكوردية من منطقة زاخو بجنوب كوردستان، والآخرون من جبل الكورد
الذي مركزه الاداري مدينة عفرين التي تقع بالقرب من مدينة حلب بحوالي (60 كم)
غربا...وعلى الرغم من أن هذا لا يكفي لجعله مرآة تعكس "الشخصية الكوردية" في كل
أنحاء كوردستان، إلا أنها تعطينا صورة صادقة ومعبّرة إلى حد بعيد لهذه الشخصية...
وللنزول من شواطىء هذا البحر
الواسع الفسيح إلى مائه العميق يجدر بنا فتح صفحة جديدة من الدراسة عن "الشخصية
الكوردية"...ولذا نكتفي هنا بهذا القدر من هذا المقال (4 أجزاء) الذي أردناه أن
يكون موطئا أو مدخلا لبحوث جادة يقوم بها العلماء والدارسون في سبيل تجلية أقرب
وأسطع لهذه الشخصية التي شغلت الكثيرين من المؤرخين والسياسيين والمثقفين من
شتى أنحاء العالم...
وأخيرا أذكّر بأن الدارس الأوربي
الشهير الدكتور فرديناند هينى بيشله ر في دراسته المعمّقة عن لفظ "الكورد" يرى
بأن هذا اللفظ هو صفة ملازمة لشخصية تلك الشعوب التي استوطنت جبال زاغروس وما
حولها منذ فجر الحضارة البشرية، وبخاصة الميديين والكاردوخ واللولو والهوريين
والآريين وغيرهم الذين يعتبرون أجداد الكورد الحاليين، أو أنهم غزوا تلك
المناطق واختلطوا مع سكانها الأصليين القدامى في مراحل تاريخية متقدّمة جدا،
أكثر مما يكون اللفظ اسم شعب دون آخر من الشعوب الزاغروسية، وتعني هذه الصفة
حسب دراسته (ترجمنا منها الجزء الأول إلى الكوردية قبل حين)، في العديد من
اللغات القديمة للشعوب المجاورة لزاغروس، مثل السومريين والآشوريين وغيرهم: (الشجاع)...
وهكذا نجد أن "الشخصية الكوردية"
بحد ذاتها تفسّر نفسها بنفسها من خلال الصفة التي هي عليها، صفة (الشجاعة
والجرأة) التي كانت مشتركة بين شعوب كوردستان العريقة في التاريخ...
|