العم عثمان صبري... وقصة الفئران والهرة

جان كورد

   تطرق الأستاذ عثمان صبري في حياته الثرية بالتجارب، مع رفاقه أولا، ثم مع أعيان الكورد وزعمائهم، إلى العديد من المواضيع المثيرة للانتباه، مستخدما في بعض الأحيان القصص الشعبية والحكايات الأسطورية للتعبير عما يجول في خاطره، ولا يمكننا أن ننسى روايته لقصة الفئران التي كانت تهاجمها كل يوم هرة ضخمة وبشعة المنظر وتفترس منهم ما تشاء، إلى أن اهتدى أحد زعمائهم إلى فكرة منيرة، مفادها أن تعلق الفئران بعنق الهرة جرسا، إذا ما سمعوه يرن، هربوا إلى جحورهم، فلا تتمكن الهرة من القبض على أحد منهم وافتراسه... وفرح الجميع بالفكرة العظيمة التي ستنقذهم من جبروت وطغيان ووحشية الهرة السمينة، إلا أن أحد عجائزهم الذين صقلت الحياة عقولهم وملأت التجارب جوانبهم، انتبه إلى نقطة الضعف في خطة بني قومه، ألا وهي الجواب على هذا السؤال: - من الذي سيعلق الجرس بعنق الهرة؟

 ...فبهت القوم وهم يسمعون سؤال عجوز من عجائزهم

 أفلا تذكرنا هذه الأقصوصة القصيرة بحال أحزابنا الكوردية في سوريا، وهي تسمع تهديدات الرئيس السوري الذي وقف ليخطب في "مجلس الشعب!!” بأن القضية الكوردية في سوريا هي فقط مسألة "الاحصاء الاستثنائي!” التي تمس بعض الكورد دون غيرهم من "المكتومين!” و"القادمين من وراء الحدود!!” وأنه لا يرضى بأن يتم الحديث عن شيء آخر للكورد (حقوق قومية!) بعد حل هذه المسألة وفق قانون يضعه النظام البعثي الذي هو العقل المدبر والمفكر والمنفذ لكل المشاريع العنصرية المطبقة حتى اليوم بحق هذا الجزء من الأمة الكوردية الممزقة، حسب رغبات المستعمرين ومن أخذ عنهم دورهم في كوردستان المجزأة، منذ أن غادروا مستعمراتهم...

 الأحزاب الكوردية التي كانت تخفي بعض زعاماتها نفسها عن بعضها الآخر في الطريق إلى دمشق أصيبت الآن بوعكة صحية وصدمة نفسية، وهي تسمع "ابن القائد البار!” وهو يفرض نفسه على الكورد كقدر محتوم لا مناص من قبوله  وتقديم فروض الطاعة له، أو البحث عمن يعلق الجرس بعنق الهرة، كما تروي الأقصوصة التي جاء بها معلم النضال في بداية مرحلة التأسيس... ومنهم من يندم الآن على ترداد عبارة "الرئيس الملهم، صديق الكورد!” الشهيرة التي أطلقها حين كوت نار الانتفاضة المجيدة في آذار 2004 عنقه: "الشعب الكوردي جزء من النسيج الاجتماعي التاريخي للشعب السوري"، فانطلقوا لتهدئة العباد وإطفاء الساحة المشتعلة وتدجين القواعد الحزبية، بأمل كبير في ما بين الضلوع، أمل أن يتكرم السيد الرئيس على هذا الشعب المظلوم ويفرج الكروب عنه...

 ماذا الآن، يا قادة حركتنا الوطنية العظيمة!

البحر من ورائكم، والعدو من أمامكم !! فهل أحرقت سفنك يا طارق ابن زياد؟

لقد بح صوتنا وكاد يجف قلمنا، خلال سبع سنوات عجاف، ونحن ننفخ في رماد، وهيهات يسمعون...

 أتذكر أن بعضهم شتمنا وأنب رفاقه المتمردين المتذمرين قائلا:” قضيتنا قضية وطنية داخلية ولانسمح لكم أن تقوموا بتدويلها، ألآ ترون الرئيس الوطني الشاب، وهو يزيل مآثم الماضي ومآتمه، ويفتح الباب على مصراعيه لتهب نسائم الحرية على بلادنا، وتنفك العقد بصدد قضيتنا، ويطلع نهار مشرق لنا، فنصبح ممثلي شعبنا، نتنكب طرائح ووسائد "البرلمان!”؟... فهل كان هذا كله حلما؟

 البارحة سمعت زعيما من زعمائنا الطيبين يعلن براءته التامة من كل هذه الولائم السياسية ولكن صوته كان لايزال مضطربا من أثر عودته السريعة من دمشق التي ترك فيها رسالة لهذا الرئيس، وضع فيها آخر آماله في حل وطني عادل للقضية القومية الكوردية، أوعلى الأقل الكف عن مزيد من الايذاء للشعب الكوردي عن طريق تنفيذ المرحلة الجديدة من مشروع الحزام العربي الكريم، هذا الذي على حد تفكير بعض أنصار "الوطنية العربية السورية!” التي لم نجن منها سوى العلقم حتى اليوم، سيعزز من تفاعل وتلاحم القوميتين العربية والكوردية في منطقة حساسة وخطيرة، هي الجزيرة، وعلى طول الحدود السورية – العراقية – التركية، وهو ليس بمشروع استيطاني عنصري كالكيوبيتز الاسرائيلي في الأراضي الفلسطينية (!)، وانما عناق عربي للكورد في وطنهم المشترك !!!...

 الأسد ليس هرة الأقصوصة الكوردية، فهو يريد كل شيء، يريد لبنان والعراق وكوردستان والجولان، (بترول الكورد والعرب للعرب، والأكراد ما لهم شيء!) وهو مستعد لأن يخربط العالم من بحر قزوين إلى غزة وطرابلس وحطين... وفقراء حركتنا الوطنية الكوردية في حالة اغماء دون انعاش بعد صدمة كهرطيسية " أي بفولتات بعثية هائلة" كادت تصيب بعضهم بالسكتة القلبية التي أصابتني مرتين خلال السنوات التي كنا نحذرهم فيها من "المطبات" السورية الرسمية تلك...

أين المفر الآن؟ يا أحفاد نور الدين زازا وعثمان صبري (آبو) وجكرخوين ومحمد علي خوجة وغيرهم؟ هل نتحدث بعد الآن عن فضائل الأجراس؟ أم ننظر إلى عالم الحقائق والوقائع بعيون جديدة، بعد أن سمعنا كلام الأسد وقرأنا في عينيه مطالبه ونواياه المثيرة للتساؤل بصدد القضية القومية الكوردية...ومستقبل سوريا المجهول...

السيد الأسد يقول لكم يا زعماءنا الكرام:“ لاتطلبوا مني شيئا للكورد، فأنا قوي ولا أعطيكم درهما... وإذا ضاقت علي الدنيا فإن أولمرت أقرب إلي منكم لأنه في الحقيقة ابن عم للعرب...” فماذا تقولون: هم...هم...هم...؟ أليس هذا بجواب أسدي شاف وكاف لكم؟ !!... وهل حلفاؤكم الدمشقيون مستعدون لأن يقولوا لرئيسهم:” أنت غلطان يازعيم، الكورد أمة كبيرة لاتعامل هكذا، ونحن أصدقاؤها...!” إذا لم يكونوا مستعدين لموقف كهذا فما فائدة البقاء بين من لا قيمة لوجودي عنده...؟

هناك طريق واحد لانقاذكم يارفاق الدرب الطويل ... اخرجوا من دائرة النار المرسومة حولكم وحرروا أنفسكم منها، أو تخلوا عن السياسة لجيل جديد لا يضع أمله مثل كثيرين منكم في رئيس هذا جوابه لكل توسلاتكم ومناشداتكم وعرائضكم ودعواتكم...