كيف نتعامل مع أمريكا؟ (*)
1 - 2


جان كورد  ‏الأحد‏، 29‏ آذار‏، 2009


(1)
هذا السؤال يطرحه الناشطون الكورد على أنفسهم باعتبار أمريكا احدى الدول العظمى في العالم، ولها علاقات وشيجة مع أحداث ومشاكل ودول الشرق الأوسط، وترى نفسها مسؤولة بشكل جاد عن الاستقرار والأمن في المنطقة الغنية بالنفط وتمتلك الممر المائي الهام بين الشرق والغرب (قناة السويس)، وتجري فيها صراعات مؤّثرة في مسار الحياة السياسية الدولية كالصراع الاسرائيلي – العربي، وما إلى هنالك من قضايا ساخنة وأزمات تجد أمريكا نفسها مضطرة إلى التعامل معها عن كثب لتثبيت نفوذها الاستراتيجي في المنطقة...
والتعامل يكون بين اقتصادين أو تجارتين أو أرصدة مالية وأسواق، حيث أن التعامل في أصله مادي وعلى أساس المصالح المالية والتجارية، قبل أن يكون تعاملا سياسيا، ونحن كأمة كوردية لانملك حتى اليوم قرارنا الاقتصادي بأيدينا، فكيف بالكورد الذين يشكلّون القومية الثانية المضطهدة والمحرومة من معظم حقوقها السياسية والثقافية والاقتصادية في سوريا ويتعرّضون إلى سياسة "ارهاب الدولة" ولاتوجد في هذه البلاد حريات سياسية أو اعلامية ، وتنحصر اقامة العلاقات مع العالم الخارجي في أيدي حفنة من المستبدين برقاب الشعب الذين يقيمون كل علاقة حسب مصالحهم المادية والعائلية والطائفية الضيّقة...لذا فإن الحديث عن التعامل مع أمريكا هنا ينحصر في اطار العلاقة السياسية فقط، وأمريكا شأنها شأن أي دولة أخرى، كبيرة أو صغيرة، انما تعقد مثل هذه العلاقات على أساس المنفعة التي تحققها لاقتصادها ومن أجل صون أمنها القومي، وترتيبات استراتجيتها في المنطقة من حيث الأولويات والاهتمامات والضرورات...
وقبل الاتصال عن سؤالنا المطروح، يجدر بنا الاجابة عن سؤال هام، ألا وهو: كيف ننظر إلى أمريكا؟ أو بشكل آخر: هل أمريكا دولة عدوة لنا أم صديقة؟
هنا سنجد آراء مختلفة لتيارات سياسية أو آيديولوجية في الحراك السياسي الكوردي "السوري"، فمنهم من يشدد على الماضي البعيد ويعود بنا إلى مرحلة الحرب الباردة، حيث لم تكن تلعب القضية الكوردية أي دور في سياسات أمريكا في الشرق الأوسط، وإن أول احتكاك رسمي بين ممثلي وزير خارجيتها الأسبق هنري كيسنجر والقائد الكوردي الخالد مصطفى البارزاني ظل سريا إلى حين التضحية بها لصالح تحقيق اتفاقية الجزائر المشؤومة في عام 1975 بين الشاه الايراني المخلوع محمد رضا القاجاري وصدام حسين المقبور الذي تألق نجمه في العراق منذ اقدامه على تصفياته الدموية بين البعثيين والاسلاميين والشيوعيين والكورد في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي، وأراد الأمريكان بتلك الاتفاقية انتزاع العراق من أيدي اليسار العربي الذي كان يقترب من الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية..والتضحية بالكورد وثورتهم كانت أليمة ومدمّرة لولا القرار التاريخي لقائد الثورة بوقف العمل العسكري فورا والانسحاب إلى ايران والانتظار للعودة إلى حرب العصابات مجددا عندما تحين الظروف...كما أن علاقات أمريكا المتينة بنظام العسكر التركي وضم تركيا إلى حلف الناتو قد اقام سورا كبيرا فاصلا بين الكورد والسياسة الأمريكية لما كانت تلعبه تركيا من دور هام في الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة الاتحاد السوفييتي، حتى أن أمريكا كانت تتغاضى عن اعتداءات تركيا على قبرص وعلى اليونان، ولكنها في الوقت نفسه كانت تشدد على بقاء العلاقة جيدة بين تركيا وايران التي كانت هي أيضا في قبضة أمريكا عسكريا وبتروليا وسياسيا...
وهنا كانت الزاوية الوحيدة التي يمكن للكورد منها اقامة علاقة ما مع أمريكا هي الزاوية السورية، حيث نظام البعث "اليساري!" كان معاديا "للامبريالية والصهيونية والرجعية!" حينذاك، وكانت سوريا في ظل الحكم البعثي المطلق، وفيما بعد في ظل ما سمي ظلما وعدوانا ب"الحركة التصحيحية!" تتدحرج صوب المعسكر الشيوعي عسكريا واقتصاديا وسياسيا وثقافيا...إلا أن الحركة الكوردية كانت هي الأخرى "يسارية" وعلى ذات النهج المعادي لأمريكا كالحزب الحاكم وما أطلق عليه جذافا اسم "الجبهة الوطنية التقدمية" التابعة لنظام الأسد العائلي الطائفي...كما أن هذه الحركة لم تكن تمتلك الوسيلة والامكانات المادية والكوادر المؤهلين لاقامة مثل تلك العلاقات... وسمعت من أحد قدامى أعضاء الحزب الديموقراطي الكوردي في عام 1967 بأن ممثلا للسفارة الأمريكية قدم إلى حلب وحاول الاتصال بالحزب، إلا أنه رفض ايصاله إلى أي مسؤول للتنظيم في المدينة نظرا لخطورة الأمر ولعلمه مسبقا بأن قيادة الحزب آنذاك وخاصة (عبد الحميد حاج درويش – رشيد حمو) سترفض الاجتماع بذلك الأمريكي بتاتا...وبخاصة فإن ما جرى من نكبة للجيوش العربية في حرب الستة أيام في حزيران العام ذاته، والدعم الكبير الذي قدمته أمريكا لاسرائيل قبل الحرب وأثناءها وبعدها، سد الأبواب أمام أية علاقة كوردية – أمريكية في سوريا، ومنذ ذلك الحين بات التفكير في هذا الموضوع لايقل عداءا للنظام عن اقامة علاقة مع اسرائيل مباشرة...
وهناك من يفكّر تفكيرا آخر فيقول بأن العالم قد تغيّر تغييرا كبيرا منذ انهيار المعسكر السوفييتي وظهور ما أطلق عليه اسم "النظام العالمي الجديد" ، ومنذ تنامي واتساع "العولمة"، وبخاصة بعد 11/9/2001 والضربة الارهابية الكبرى لتنظيم القاعدة ومن وراءه على برجي التجارة العالمية في نيويورك ووزارة الدفاع الأمريكية في واشنطن... إذ تحولّت السياسة الأمريكية إلى سياسة هجومية أكيدة، رأينا نتائجها في أفغانستان والعراق والصومال والسودان ومناطق أخرى في العالم، حيث قامت الوحدات الصاروخية الأمريكية بعمليات عديدة ضد معسكرات أو ما يمكن أن يكون مخابىء ومراكز تسليح وتدريب أو تهيئة مواد كيميائية وجرثومية لتنظيم القاعدة وسواها ممن تعتبرهم أمريكا "العدو رقم واحد" منذ 11/9. ولذا فإن أمريكا لم تعد كما كانت في السابق دولة عظمى غير مهتمة ب"قضايا صغيرة!" وانما نشطت سياسيا وديبلوماسيا، مثلما أرسلت قواتها العسكرية الضخمة لتقضي على نظام صدام حسين الذي كان أقوى نظام عربي عسكريا ولتنهي حكم حركة طالبان الأفغانية التي فتحت الباب على مصراعيه لكل الحركات المتطرّفة المعادية للغرب وحلفائهم في العالم.
وهذا النشاط الأمريكي الذي اتسع واتخذ شكل "تدخل سافر" في شؤون العديد من بلدان العالم على أساس فلسفة للبيت الأبيض كانت تقول "من ليس معنا فهو ضدنا" وبذريعة "الحرب على الارهاب"...
ويجدر أن لاننسى بأن وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت (قبل 11/9 بزمن طويل) كانت قد قامت بدور كبير لعقد الصلح بين الزعيمين الكورديين الكبيرين (البارزاني والطالباني) بدعوتهما إلى واشنطن...كما أنها ذكرت في احدى مقابلاتها قبل عامين أو ثلاثة مع مجلة فانيتي فير الألمانية بأنها سعت أثناء توليها منصبها للاتصال مع حزب العمال الكوردستاني إلا أنها اكتشفت بأن هذا الحزب كان في واد آخر...
أمريكا بوش كانت تركّز بقوة على مسائل حقوق الإنسان في بعض البلدان وتغض النظر في بعضها الآخر، وطرحت "مشروع الشرق الأوسط الكبير" على أساس القضاء على "محور الشر" وفتح باب الحرية والديموقراطية للشعوب، وعليه فقد قامت مؤسسات أمريكية شهيرة وعريقة في السياسة الدولية بعقد المؤتمرات في واشنطن، في أوروبا، وفي الشرق الأوسط، ودعت إليها المجموعات القومية والدينية والمعارضات السياسية للبلدان المختلفة، ويجدر أن لاننسى زيارت السيد جورج دبليو بوش الشهيرة للمؤسسات الداعمة للديموقراطية عالميا في العاصمة واشنطن والقائه خطبا مدوّنة بشكل دقيق حول الاسلام والديموقراطية والحرية والمسؤولية التاريخية لبلاده من أجل مناهضة الدكتاتورية والعنصرية، والاستشهاد بالدور الأمريكي في القضاء على العسكريتاريا اليابانية والنازية الألمانية والفاشية الايطالية في القرن الماضي...
شرع السياسيون الكورد في هذه المرحلة القصيرة (8 سنوات) بين حكمي بيل كلينتون وباراك حسين أوباما (كلاهما ديموقراطيان) يتجرؤون على القول بأن أمريكا قد تحوّلت من داعمة للدكتاتوريات الارهابية (كما كانت فعلا في الماضي) إلى هادمة لها، وتتحدّث الآن واضحا وجليا حول الحريات الديموقراطية وحقوق الإنسان واستعدادها لمد يدها إلى كل من يتجرّأ على معاداة النظام الدكتاتوري في بلاده... وراح بعضهم يرسل ممثلي حزبه الكوردي السوري إلى واشنطن للقاء الكورد الناشطين هناك من أجل عقد مؤتمر وطني كوردي سوري يلقى دعما سياسيا أمريكيا... وحقيقة كانت أوّل خطوة في هذا المجال في نوفمبر عام 2003 ، حيث تأسس آنذاك التحالف الديموقراطي السوري الذي ضمّ من الطرف الكوردي بارتي ديموقراطي كوردستاني – سوريا وحضر اجتماعه التأسيسي ذاك ممثلان عن حزب يكيتي الكوردي في سوريا، إلا أنهما رفضا التوقيع على الوثيقة التي شاركا بنشاط في وضعها ل"تناسب سياسة يكيتي!" بذريعة أنهما غير مخولان بذلك، وأنهما حضرا إلى واشنطن بحثا عن دعم أمريكي في موضوع الافراج عن قياديين من حزبهما وللتعريف بالقضية الكوردية السورية فقط لاغير. ولكن السبب الحقيقي هو أن التحالف الديموقراطي السوري دعا إلى ازالة نظام البعث السوري الدكتاتوري واقامة نظام ديموقراطي في البلاد، وهذا لم يكن في منهاج حزب يكيتي الكوردي في سوريا آنذاك...
بعد ذلك، ورغم هجوم عدة أطراف كوردية وعربية سورية تعتبر نفسها معارضة للنظام على هذا التحالف (مع الأسف كان أحد المهاجمين آنذاك الأستاذ عبد الحليم خدام نفسه حين كان نائبا للرئيس السوري)، هذا الهجوم الذي لم يقل شراسة عن هجوم عملاء وممثلي النظام، فإن موضوع اقامة العلاقات مع العالم الحر الديموقراطي وأمريكا بشكل خاص، نظرا لدورها الكبير في المنطقة، لم يعد مجرّد "مغامرة لبعض المتمردين على الخط العام للحركة" وانما بدأ يطرح داخل اللجان المركزية واللقاءات بين تنظيمات الخارج والداخل للحركة وفي المؤتمرات وفي الشارع الكوردي بشكل صريح...ولم يعد التعامل مع أمريكا مجرّد "استقواء بالأجنبي!"، بل ضرورة سياسية لتدويل القضية الكوردية "السورية" ولترتفع الحركة السياسية الكوردية إلى مستوى الحدث الدولي...وصار بعضهم يصنّف أمريكا على أنها صديقة للشعب الكوردي وليست عدوّة...
ولكن أمريكا تغيّرت سياسيا إلى حد ما بوصول الرئيس باراك حسين أوباما إلى البيت الأبيض وشروعه بانتهاج سياسة دولية من طراز آخر، مختلف عن سياسة سلفه جورج دبليو بوش، فهل يعني ذلك الانتكاس إلى سياسات أمريكا القديمة فيصعب التعامل مع ادارتها للشعوب المضطّهدة الصغيرة كشعبنا الكوردي في سوريا؟ أم أن المستقبل سيفتح آفاقا أوسع وأرحب لتطوير التعامل الكوردي مع إحدى أقوى الدول في العالم؟
هذا ما يجب أن نجيب عنه...ولكن مقالنا قد تجاوز الثلاث صفحات...لذا سنعود إلى الموضوع في مقال لاحق...
________________________________________________
(*) المقصود بأمريكا في المقال: الولايات المتحدة وليس القارة الأمريكية...

 

 
Link

News

Kdps

Gotar

Wêne

Stran

Têkilî

أتصل بنا

أغاني

صـور

مقالات

ك.د.ب.س

أخبار

مواقع الكترونية