|
كيف نتعامل مع أمريكا؟ (*)
(2 - 2)
جان كورد الاثنين، 30 آذار، 2009
تحدثنا
في الجزء السابق من مقالنا هذا عن المراحل التي سبقت وصول السيد باراك حسين
أوباما إلى البيت الأبيض، وكيف كان التعامل الأمريكي مع الملف الكوردي ضعيفا
قبل الحرب على نظام صدام حسين، ويجدر بنا أن نبيّن بأن الكورد، رغم حذرهم
الكبير قبيل هجوم الولايات المتحدة وحلفائها على العراق في عام 2003 ، قد تم
تصويرهم على أنهم حلفاء أمريكا ضد العراق، ولكن هذه الصورة تعود في الحقيقة إلى
عهود قديمة، حيث اعتبر العنصريون وغلاة القومية العربية من ناصريين وقاسميين
وعفلقيين أي حراك كوردي من أجل الحرية والحقوق القومية "جيب عميل" للامبريالية
والصهيونية والرجعية، وفي حين أعتبر التحالف العربي المكماهوني والعلاقات
العربية – الصهيونية قبل تأسيس الدولة العبرية طبيعية للغاية لأنها أتت
بالتحرير للدول العربية مابين باب المندب وخليج الاسكندرونة...بل أتهمت الثورة
الكوردية في جنوب كوردستان التي قادها الزعيم الخالد مصطفى البارزاني "محاولة
تأسيس كيان اسرائيل ثانية في قلب الأمة العربية!" على الدوام...وصورة الكورد
رغم كل المآسي التي تعرضوا لها لاتزال هي نفسها السائدة في الاعلام العربي مع
الأسف...ولاندري هل قلب الأمة العربية في مكة والمدينة أم في منابع النفط في
كركوك؟
بعدما منعت تركيا عن طريق قرار برلماني متابعة القوات الأمريكية لمسيرها في
الأراضي التركية (!) رغم وصولها إلى مدينة نصيبين الكوردية القريبة من الحدود
العراقية ومطالبتها بالعودة، رأى العسكريون الأمريكان بأن خطتهم لفتح جبهة
شمالية على الجيوش العراقية قد فشلت، ولكن التقدم السريع لقوات البيشمركه
الكورد باتجاه أهم مدينتين شمال بغداد (كركوك والموصل) أبهر القادة العسكريين
لقوات التحالف الدولي، مما شجّع، اضافة إلى السجل الرهيب للنظام العراقي تجاه
الشعب الكوردي إلى مزيد من التنسيق، السياسي والعسكري بين الأمريكان والاقليم
الكوردي الذي كان محررا في معظم مناطقه منذ عام 1992 بشكل فعلي وكانت هناك
ادارة كوردية مشتركة بين الحزبين الرئيسيين البارتي الديموقراطي الكوردستاني
والاتحاد الوطني الكوردستاني، بعد أن هدأت الصراعات الدموية بينهما وجرت
انتخابات ديموقراطية، وبخاصة بعد أن تحوّل "التحرير من صدام حسين" بقرار من
الادارة الأمريكية إلى "احتلال" بتعيين السيد بول بريمر كحاكم مدني بدلا عن
الجنرال غارنر الذي كان يتمتّع بصداقات عريقة مع العديد من زعامات المعارضة
العراقية، ومن ضمنها الكوردية أيضا...
ومنذ ذلك الحين، ونظرا للواقع الجديد الذي أفرزه تحرير العراق من طغيان حزب
البعث المستبد ورأس النظام الذي لم يدع طرفا عراقيا إلا وعمل فيه التقتيل
والتعذيب والتشريد بصورة جماعية، وكان قد حوّل العراق إلى مزرعة عائلية خاصة في
أيديها كل أسلحة القمع ضد الشعب العراقي...فقد تعززت العلاقة بين العراق الجديد،
ومن ضمنه اقليم كوردستان العراق، وبين الادارة الأمريكية، وتوالت الزيارات
المتبادلة والمؤتمرات واللقاءات على أرفع المستويات، بحيث صار الاقليم الكوردي
جزءا هاما في مجمل الاستراتيجية الأمريكية في العراق، وعلى الرغم من وجود قوات
كورية جنوبية في كوردستان وليست أمريكية أو انجليزية حتى رحيل الكوريين مؤخرا،
فقد كان الاعتقاد السائد لدى الكثيرين من العرب بأن الكورد يتمتّعون بحماية
عسكرية أمريكية وبأن الاسرائيليين يمرحون ويلعبون في كوردستان، وسيتمكن الجيش
العراقي من ابادة قوات البيشمركه وتدمير الادارة الكوردية وازالة قانون
الفيدرالية وما إلى هنالك من اشاعات كاذبة مصدرها أبواق الاعلام البعثي البائد
التي تلبّست رداء "جهاديا إسلاميا" ، وهذا النوع من الدعاية الرخيصة ضد الكورد
وقياداتهم بعيد كل البعد عن الحقائق الثابتة على أرض كوردستان...بل إن بعضهم
مستعد لأن يستقبل القوات التركية بالورود إن هي احتلت "شمال العراق!"، حتى تقضي
على ما أنجزه الكورد، بدماء مئات الألوف من شهدائهم أولا، وبسواعد بيشمركتهم
المخلصين ثانيا، وبحنكة قيادات الشعب الكوردي التي فهمت ظروف وأجواء التغيير
الحاصل وتصرّفت بسرعة وحكمة ومسؤولية...وفي الحقيقة فإن هذه الانجازات الكوردية
في كوردستان العراق ساهمت بقوة في تفعيل معظم الحراك الكوردي خارج العراق،
وأثرت بشكل مباشر في أجزاء كوردستان المختلفة، وأكبر دليل على ذلك هو الانتفاضة
الشعبية الهادرة للشعب الكوردي في غرب كوردستان في آذار 2004...
بعد سنتين أو أقل ينتهي احتلال الأمريكان للعراق رسميا، وإن بقيت قوات أمريكية
في العراق فستكون رمزية ولحماية المصالح الأمريكية وسفارتها لاأقل ولا أكثر،
وبخاصة فإن الطاقم الجديد في البيت الأبيض قد وضع خططا مختلفة عن خطط (النيوكون)
الذي خرج من الادارة الأمريكية، وهذه الخطط تصر على مزيد من الحوار حتى مع
الأعداء واخفاء العصا خلف الظهر، وهذا يعني أن مجمل مسار العلاقات الأمريكية مع
دول وأحزاب ومنظمات وشخصيات العالم السياسية سيكون خاضعا لرقابة على ضوء هذه
الخطط...ولكن أحدا لا ينكر أن السيد باراك حسين أوباما الهادىء والذكي والقوي
داخليا وخارجيا يحتاج إلى انتصارات فعلية على صعيد العلاقات الدولية وعليه
اتخاذ قرارا حاسمة مثل قراراته المتعلقة بترتيب البيت المالي لبلاده، وها نحن
نرى آثار احدى خطواته الهامة عالميا بتعزيز دور وزير دفاعه "الجمهوري" في موضوع
أفغانستان في ذات الوقت الذي يبحث فيه عن معتدلين من طالبان أفغانستان وباكستان
لفتح الحوار معهم...
لقد سمعنا كيف أن الخبير القانوني والسياسي العريق جو بايدن (صاحب فكرة ثلاث
فيدراليات عراقية) بعد تعيينه نائبا للرئيس مباشرة قد سافر إلى كركوك وليس إلى
كابول أو غزة أو عاصمة الاتحاد الأوربي، وسمعنا أيضا كيف أن باراك أوباما ذاته
سيزور تركيا في وقت قريب لجملة من الأسباب، وفي تركيا قضية كوردية ملتهبة، كما
يريد الالتقاء بالرئيس السوري بشار الأسد وهناك نشاط كوردي متنامي مقابل سياسة
"ارهاب الدولة" تجاه الشعب الكوردي، وقد تقترب الادارة الأمريكية من حكومة
طهران، حيث هناك أيضا قضية كوردية تسيل من أجلها الدماء ويعدم الناشطون الكورد
ورجال الاعلام بشكل رهيب...ولايمكن لمن يريد احداث تغيير في العلاقات الدولية
لصالح "الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان" أن يتجاهل كل المذكرات والرسائل
والمطالبات التي تأتيه يوميا وتصر على فتح باب الحوار مع هذه الأنظمة العسكرية
الدموية حول هذه القيم التي يتأبطها في كل مناسبة...بل وممارسة الضغط عليها
لتغيّر سلوكها المشين ذاك.
ومهما تكن سياسة الديموقراطيين رخوة تجاه "دول محور الشر" فإن الشعب الأمريكي
الذي ذاق الهول في عام 2001 بسبب سياسات ادارته المؤيدة للنظم الدكتاتورية حتى
ذلك الحين لن يسمح بأن يستغل أعداء أمريكا سياسة الجزرة والعصا المخفية لصالح
أعمالهم الارهابية ضده، لذلك فإنه سيمارس ضغوطا شديدة على ادارة بلاده حتى يبقى
اتجاه البوصلة صحيحا، وإلا فإنه سيغيّر الادارة بعد أربعة أعوام بأسلوب
ديموقراطي، مثلما غيّرت ادارة بيل كلينتون الديموقراطي الذي اعتبرته غضا في
مواجهة التحديات الخارجية الكبيرة...أي أن باراك حسين أوباما، بغض النظر عن
رضائنا عن سياسته أو عدم رضائنا لن يحكم أمريكا فترة تزيد عن 8 سنوات مهما كان
قويا ومقبولا...
لذا فإن تعامل أمتنا الكوردية من خلال حراكها السياسي بشكل عام شرعي وله أهداف
شرعية محددة، ألا وهي ازالة الاضطهاد القومي ضدها، وتحرير معتقليها من السجون
ومن حبائل المشانق، صون لغتها وثقافتها القومية، وتخفيف المظالم الواقعة عليها
من جراء السياسات الشوفينية، والقدرة على ممارسة حقها الديموقراطي في انتزاع
الحرية وتأمين الحياة الكريمة والأمن والاستقرار كأي أمة أخرى في العالم...وهذا
ينطبق على شعبنا الكوردي في غرب كوردستان أيضا، فالكورد لن يحصلوا على أي حقوق
قومية في ظل نظام استبدادي لايعترف بوجودهم القومي كمكون أساسي إلى جانب
المكونات السورية الأخرى، ولذا فإن ممارسة الضغوط عليه ستكون فعّالة بقدر ما
تتمكن حركته السياسية، رغم ضعفها وترددها وتشتتها، من "تدويل القضية الكوردية"،
والتدويل يعني قبل كل شيء اقامة علاقات دولية متينة ورصينة، سواء من خلال
المعارضة السورية الديموقراطية، حيث تعتبر الحركة الكوردية السياسية نفسها
ملتزمة بالعمل ضمن صفوف هذه المعارضة، أو عن طريق ممثلياتها في الخارج، أو
توكّل مجلسا وطنيا كورديا (كوردستانيا) بالعمل على ذلك، بالانضمام إلى هكذا
مجلس أولا...
الكورد بشكل عام، وكحركة سياسية، في الداخل والخارج، رغم أن القوانين الدولية
لاتستثنيهم من "حق تقرير المصير" فإنهم – في غالبيتهم العظمى- متفقون ضمنا على
العيش مع سائر اخوتهم السوريين ضمن سوريا موحّدة ديموقراطية وقائمة على العدل
والمساواة، وتكون دولة القانون للجميع، وتحترم حقوق المكونات الاثنية والدينية
وتصونها دستوريا..
إذا، فإن الاطار العام للتعامل الكوردي مع أمريكا وسواها من بلدان العالم الحر
الديموقراطي والأسرة العربية وكذلك مع جيران الكورد من ترك وفرس واضح ومثبت في
برامج ومناهج الحركة السياسية الكوردية، وأي تفسير آخر هو ضرب من الظن ونابع –بالتأكيد-
عن خلفيات عنصرية شوفينية معادية للأمة الكوردية لاترتبط بالواقع مطلقا...
وعلى ضوء هذا الوضوح يجب أن تنطلق الهيئات السياسية الكوردية لبناء مؤسسة
ديبلوماسية مشتركة تقوم بهذا الواجب القومي الكبير، وهذا سيكون صعبا دون تطوير
مشروع " المجلس الوطني"....فالعالم يريد قرارا كورديا موحدا وسيتعبر الكورد
مخاطبا يمكن التحدث إليه والاتفاق معه على رؤى مستقبلية عندما يكون القرار
كورديا وموحدا...وأي اتفاق فوقي لايمس أعماق المجتمع الكوردي، ويبقى أسير
الطوابق العليا في الأحزاب السياسية لن يكتب له النجاح...
________________________________________________
(*) المقصود بأمريكا في المقال: الولايات المتحدة
وليس القارة الأمريكية...
|