من أجل حراك كوردي سوري أقوى


"التهويد" الذي يستهدف الأرض الفلسطينية لايجبر الفلسطيني على تبديل قوميته ولغته وثقافته واسمه، في حين أن "التعريب" يستهدف كل جوانب الحياة الكوردية، هوية وثقافة وأرضا


جان كورد
‏الثلاثاء‏، 20‏ تشرين الأول‏، 2009

يمتلك الكورد السوريون، حاليا، طاقات هائلة، سواء في داخل البلاد أو في خارجها، بالنسبة إلى العديد من فئات الشعب السوري الأخرى، وهذه الطاقات متنوعة، تشمل مختلف مرافق الحياة العلمية والسياسية والثقافية والمالية، إلا أنها مبعثرة، مع الأسف، وليس هناك - مع الأسف- نقطة جاذبة لهذه الطاقات، سوى المعاناة المشتركة لمختلف أبناء الكورد وبناتهم من السياسات العنصرية الحاقدة لنظام البعث. ونظام البعث هذا يعتبر من الأحزاب التي على طريقها للهلاك فكريا وسياسيا وثقافيا في عالم العولمة هذا... ولكنه لا يزال يلعب على المسرح السوري المتخلف دور الخادم (سانشو ﭘانسا) في رواية دون كيشوت الشهيرة لسيرفانتس الاسباني...

كان الأمل في الماضي متعلقا بأول تنظيم سياسي لهم تأسس في سوريا، في عام 1957م ، إذ سرعان ما التف حوله الشيوخ والشباب، المثقفون والعمال والفلاحون، الرجال وبعض النساء، حيث كانت المرأة الكوردية تعاني من صعوبات جمة في المجالات السياسية والتعليمية، وكذلك من مختلف الاتجاهات الدينية والفكرية، يسارية كانت أم يمينية، سنية أو علوية أو يزيدية...إلا أن الأنظمة الحاكمة والمستبدة برقاب الشعب السوري، والتي يجري في عروقها دم العنصرية حتى اليوم، لم تدع فرصة ولا وسيلة إلا واستغلتها في ممارسة الكبت والمنع والاقصاء والتشتيت والعزل ضد مناضلي ذلك التنظيم، حتى أرهقته وأضعفته وبالتالي تعرّض إلى أول انشقاق في تاريخه، بعد أقل من عشر سنوات من تأسيسه، وبذلك تم فتح الطريق مع الأيام لانشقاقات أخرى وأخرى، والى ظهور أحزاب وتنظيمات مختلفة في أسمائها واسماء شخوصها القيادية، وأحيانا في برامجها ومطالبها، إلا أنها اتسمت جميعا بالضعف العام، وتشابهت في الأداء السيء وفي أسلوب نهج سياساتها... حتى بات الكوردي لايدري إلى أي تنظيم ينتسب، وخلف من يسير، وبمن يثق، وذبلت الآمال مع الأيام في صدور أبناء الكورد وبناتهم في خروج تنظيماتهم الحزبية من غرفة الانعاش، ومن خنادق معاركها الجانبية، فأدار العديد من المثقفين والشباب ظهورهم للأحزاب، في حين أن المثقفين هم شعلة المجتمع التي تبعث النور والدفء، والشباب يمنحونه الاستمرارية والحياة...

ولم تكتف النظم الشوفينية العاملة بكل ما أوتيت من قوى على "تعريب" الكورد على غرار "التهويد" وكتقليد سيء له، بل إن "التهويد" الذي يستهدف الأرض الفلسطينية لا يجبر الفلسطيني على تبديل قوميته ولغته وثقافته واسمه، في حين أن "التعريب" يستهدف كل جوانب الحياة الكوردية، هوية وثقافة وأرضا... وانما سعت الى بناء شبكة عنكبوتية من عملائها ضمن التنظيمات الكوردية بهدف ضرب بعضها ببعض، وعدم افساح المجال أمامها لأن تصبح قوية، ومحاولة ابعادها عن تشرّب الثقافة الديموقراطية الضرورية للحياة التنظيمية والسياسية كضرورة الماء للبساتين، بأساليب المراوغة والاحتيال والتسلط في الهيئات العليا للأحزاب من قبل أولئك المستعدين لتمرير سياسات النظم الحاكمة في سوريا على مر العهود... وتمكنت بذلك من تطبيق مشاريعها العنصرية، الواحد تلو الآخر، دون مقاومة كوردية تذكر، منذ الاحصاء الاستثنائي لعام 1962 م والى المرسوم التشريعي رقم 49 الذي جاء كضربة قاسية للحق الانساني في ملكية الأرض والعقار...

وازداد افتراق الجماهير الكوردية عن أحزابها التي كانت معقد آماله، بعد الانتكاسة العامة في عام 1975 بشكل ملحوظ، وانهيار مشروع "القيادة المرحلية" للبارتي...ومع قدوم الثمانينات انتهز حزب العمال الكوردستاني الضعف العام الذي عليه فصائل حراكنا الكوردي السوري ولرفعه شعارات كوردستانية كبيرة كالحرب الثورية والاستقلال الكوردي، اضافة إلى قوته التنظيمية الفائقة وسعة رقعة انتشاره كوردستانيا، وغض نظر النظام عن نشاطاته، فاقتحم الساحة وملأ الفراغ الناجم فيها، فاندفعت الجماهير الكوردية المتعطشة للحرية والمنجذبة للحياة التنظيمية المتينة الجدران، فقدمت لهذا القادم الجديد طاقات بشرية ومالية وثقافية وفنية هائلة حقا، فأصبح حزب العمال الكوردستاني سيد الموقف، وزج بآلاف الفتيان الكورد السوريين والفتيات في "حرب الاستقلال"...إلا أن هذه الجماهير اكتشفت مع الأيام أن هناك تنسيقا تاما بين مسؤولي هذا الحزب وبين الأجهزة الأمنية السورية، وأن هذا الحزب لايعمل على اضعاف الحراك الكوردي الديموقراطي السوري فحسب، وانما إلى تأليب الشعب الكوردي عليها، اضافة إلى عدة تصريحات خاطئة لزعمائه وتصرفات لاديموقراطية لمنتسبيه على مستوى المناطق، بل واغتيالات لامبرر لها بين الشعب الكوردي...ومن تلك التصريحات الخاطئة ما ورد على لسان زعيم الحزب السيد عبد الله أوجلان، المعتقل حاليا في سجن عمرانلي بغرب تركيا، وبخاصة تلك التي أطلقها ضد الوجود القومي الكوردي في سوريا في الكتاب الشهير (سبعة أيم مع آبو) لنبيل الملحم، الكتاب الذي كان حزب العمال الكوردستاني يبيعه بنفسه ويمدح به...ثم سارع الى جمعه واخفائه لما لاقاه من رفض له في الشارع الكوردي السوري، كما كان لمواقف هذا الحزب تجاه قيادات جنوب كوردستان وانخراطها في اشتباكات مسلحة معها على أرض جنوب كوردستان دور سلبي، جعل الجماهير الكوردية السورية تنفر منه، وبخاصة بعد اعتقال زعيمه وتخليه عن شعارات الحزب وأهدافه المعلنة وتحوله الى مغرم بالزعيم الطوراني آتاتورك، عدو الشعب الكوردي الأكبر...

وعلى مدى سنوات طويلة، ترافقا مع صعود وتراجع شعبية حزب العمال هذا، تمكنت فصائل الحركة الوطنية الكوردية السورية من مداواة جراحها بعض الشيء، فتشكل تحالف وطني ديموقراطي له، قابلته جبهة ديموقراطية بنفس المواصفات السياسية والانشطارات التنظيمية، ثم تشكلت لجنة تنسيق من الأحزاب التي وجدت أو تكونت خارج اطار هذين الاطارين الجامعين، ولقد أعطى التحول العالمي الكبير في العلاقات الدولية وتوازن القوى العظمى قضايا حقوق الانسان والشعوب المتعطشة للحرية والديموقراطية زخما كبيرا، وما جرى لبعض النظم –كما في العراق في عام2003-، والانجازات التي تحققت في اقليم جنوب العراق على أثر ذلك، دفع الجماهير الكوردية إلى المشاركة بذاتها في الفعل السياسي، فجاءت انتفاضة آذار 2004 م كمنعطف جديد في مسار النضال العملي لرفع الغبن عن كاهل الشعب الكوردي، مما أدى الى جرأة واضحة في النشاط العملي والفعاليات الديموقراطية على الساحة الدولية للناشطين الكورد وفي قدرتهم على المطالبة القوية والنشيطة بما هو حق للشعب الكوردي من قبل منظمات وشخصيات وأقلام كوردية، بل أحدث هذا التحول رغبة حادة لدى كثيرين من الحزبيين الكورد في التغيير بشكل جذري في أسلوب النشاط... وبات البحث عن شخصية كاريزمية قوية ضرورة قومية، فإذا بالشيخ الشهيد محمد معشوق الخزنوي يتقدّم الصفوف الكوردية إلى الأمام ليقول الحق بصوت عال ولكن النظام كان له بالمرصاد، ولكل محاولة سعت إلى توحيد الكورد حزبيا أو سياسيا، في اطار حزب ديموقراطي موحد أو تحت مظلة مجلس وطني أو "قومي" واحد...

وفي الوقت الذي كان ولا يزال النظام يقففي وجه مختلف الشخصيات الوطنية الكبيرة، والشيخ الشهيد بصورة خاصة، انتكست المحاولات -مع الأسف- في داخل البلاد وخارجه، وتقزمت فكرة بناء مجلس وطني كوردستاني – سوري إلى مشروع "مرجعية" سياسية كان المفروض أن تؤسسها قيادات الأحزاب منذ زمن بعيد، وتحولت في النهاية إلى مشروع آخر يحمل اسم "المجلس السياسي"، ولاندري هل سيتم تنفيذه أم سيتحول إلى اسم آخر، في حين أن فكرة المجلس الوطني الكوردستاني – سوريا كانت على وشك التحقيق بقوة، لو أن بعض الأحزاب لم تتراجع عن دعم المشروع والمشاركة فيه، في اللحظات الأخيرة، لأسباب تاكتيكية أو تحت ضغط املاءات داخلية صرفة فرضت عليها من قبل من كان هكذا مجلس شوكة في عينيه...

اليوم، نجد اهتماما أكبر من الجماهير الكوردية بقضيتها القومية، وبخاصة بعد تزايد عدد الجنود الكورد الذين يتم تقتيلهم واحدا بعد الآخر في الثكنات العسكرية السورية، بل إن الجماهير تتقدم الحراك السياسي الحزبي بخطوات في مجالات عديدة، وهذا يفسر لنا الاهتمام الكبير لها بمراسيم دفن الشهداء وتعزية ذوي المناضلين الذين نفقدهم والمثقفين ونسبة مشاركة الوطنيين الكورد في الاحتفالات القومية والمهرجانات الفنية والمظاهرات التي تدعو اليها الأحزاب... ولكن خلو الساحة من قائد قومي كوردي، وضعف التأييد العلني للحراك السياسي الكوردي من قبل القوى الديموقراطية والوطنية السورية، وقلة اهتمام الرأي العام العالمي بالقضية الكوردية السورية، وندرة الامكانات المالية للفصائل الكوردية النشيطة، دفع بالجماهير الكوردية الى التطلع حولها، يمنة ويسرة، وإلى نقد الحراك السياسي التنظيمي علانية ودون ورقة توت، هذا الحراك الذي كان من المفروض فيه أن يقود هو هذه الجماهير الغاضبة، ويستفيد من طاقاتها الهائلة في كل المجالات.

هنا يجب القيام بعمل واسع مخطط له ومدروس بشكل جيد. وهذا العمل يجب أن يقوم على فكرتين أساسيتين:
-تجميع طاقات الشعب الكوردي الخلاقة في اطار وطني واحد
-استثمار هذه الطاقات بشكل صحيح وقوي من قبل الحركة السياسية الكوردية
وهنا لا يمكن الحيث باستمرار عن نسبة تواجد الحزبيين في مشاريع الوحدة الوطنية كقدس من الأقداس، ولايمكن فرض سياسة معينة دون سياسة أخرى...أو فرض شخوص دون غيرهم بالقوة على رأس تنظيمات أو تحالفات أو مجالس...

فيما إذا تحقق لحراكنا السياسي التنظيمي تنفيذ هذين الهدفين وفق برنامج عمل واضح وصريح، فإن هذا الحراك سيصبح أقوى واشد فعالية وأقدر على معالجة مختلف الأمور، والمشاركة في الحوار السوري العام، وفي بناء علاقات دولية جيدة وعلاقات متوازنة مع مختلف القوى الوطنية والديموقراطية في البلاد، لابد منها لارغام النظام على القبول بالوجود القومي الكوردي في سوريا، وايقاف المسلسل الاجرامي– الارهابي لمشاريعه الشوفينية بل سيساهم هذا في تخفيف حدة الانشقاقات داخل البيت الكوردي، وانتهاء عهد التمرد على القيادات، وتوقف بعض الزعامات عن انتهاك الأصول الحزبية – الديموقراطية...

إنني أناشد الجميع، حزبيين ووطنيين، في خارج البلاد وداخله، أن نتشارك في عمل جاد وبناء من أجل تجميع طاقات هذا الشعب في اطار يمثل الشعب ويتم استثماره بشكل نافع من قبل الحركة التي تقود هذا الشعب...حتى يصبح حراكنا السياسي الكوردي في وضع صحي أفضل مما عليه الآن، وليحترمه البعيد والقريب، الصديق والعدو في آن واحد. وعندها سيفتخر مناضلو شعبنا القابعين في معتقلات النظام بأنهم ممثلون جديرون لشعبهم وحراكه السياسي الكبير.
 

 
Link

News

Kdps

Gotar

Wêne

Stran

Têkilî

أتصل بنا

أغاني

صـور

مقالات

ك.د.ب.س

أخبار

مواقع الكترونية