|
حول الديموقراطية السورية بايجاز
جان كورد
الجمعة، 02 تشرين الأول، 2009
لاينكر
أحد أن الديمقراطية السورية رأت النور منذ الاستقلال مباشرة، ولو في أبسط أشكال
الديموقراطية، الى مجيء حكم الزعيم العربي جمال عبد الناصرفي عام 1958، وبعد
زوال حكمه في المرحلة القصيرة التي شهدتها البلاد، منذ الانفصال في عام
1961والى اغتصاب حزب البعث العربي الاشتراكي السلطة عن طريق انقلابي في عام
1963..
نعم كانت هناك ديموقراطية سورية رغم الانقلابات العسكرية المتتالية التي قادها
حسني الزعيم وسامي الحناوي وأديب الشيشكلي ومن على شاكلتهم، ولكن أن يزعم أحد
ما وجود "ديموقراطية سورية" الآن، في ظل النظام الأسدي، ويمدحها ويصفها
ب"الديموقراطية المثالية" ويستشهد عليها بوجود ما يسمى ب"الجبهة الوطنية
التقدمية" أو يعتبرها أنموذجا للديموقراطية العربية السليمة، فإنه لايخدع الشعب
السوري فحسب، وانما يكذب على نفسه وعلى النظام وعلى هذه الجبهة التي تعيش
كحمامة في الطاقة المظلمة طوال عمرها، ويكذب على التاريخ البشري أيضا، أيا كان
هذا الشخص...وزيرا، رئيس وزراء، رئيس مجلس شعب، مفتيا دينيا أو قسيسا أو قاضيا
أو عالم فيزياء وكهرباء....وحاله كحال الذي رأى حلما في منامه وخرج على الناس
يصف حلمه وكأنه واقع حقيقة، حتى اعتقد الناس بأنه أبله معتوه...
أورد هنا مثالين بسيطين عن التزام رجال الأنظمة الديموقراطية العريقة بمبادىء
الديموقراطية، أحدهما من الولايات المتحدة والآخر من أوروبا، عسى هؤلاء الذين
يتحدثون عن مفاتن "الديموقراطية السورية" يفهمون بأننا نحتاج أولا الى زعماء
وسياسيين وحزبيين يؤمنون بالديموقراطية:
-أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (الأب) في 16/12/1988 ترشيحه لصديقه
العزيز وأحد رفاق دربه المخلصين منذ عام 1964 جون تاور الذي كان نائب ولاية
تكساس سابقا كوزير للدفاع، فوقف رفاق الرئيس بوش في الادارة ضد هذا الترشيح
بذريعة أن جورج تاور شارب خمر وزير نساء. في أوائل شباط 1989 دارت شائعات جديدة
حول تاور، منها تورطه في صفقة أسلحة، فزادت حدة المعارضة لترشيحه وزاد عدد
المعارضين له، وطالب بعض المسؤولين علنا بأن لايحق تنصيب شخص بهذه المواصفات
وزيرا لدفاع أعظم قوة عالمية، وصوتت اللجنة المكلفة بالترشيح ب 11 صوتا مقابل 9
أصوات، وفي 9 آذار رفض مجلس الشيوخ قرار الرئيس، ب53 صوتا مقابل 47، فقال بوش
في بيانه الرسمي آنذاك:" لقد اتخذ مجلس الشيوخ قراره، وأنا احترم دوره في هذا،
ولكني اختلف معه في النتيجة، وعلى أي حال فإننا نطلب من الشعب الأمريكي التكاتف
والسير معا يدا بيد."
تقبل رئيس أعظم دولة في العالم قرار مجلس شيوخه باحترام على مضض، ولم يستخدم
جيوشه الجرارة ولا مخابراته العديدة الفروع والأسماء ولا بوليسه العرمرم لفرض
رأيه على المجلس الذي انتخبه شعبه... فهل "مجلس الشعب!" الذي يتربع الأستاذ
محمود الأبرش على عرشه الآن يخضع لرأي سيادة الرئيس الأسد النجل أم الرئيس
النجل يخضع لقرارات المجلس في سوريا؟ فليضع يده على قلبه وليقل الحقيقة لنا إن
كان جريئا الى حد قول الحقيقة أصلا...
المثال الآخر:
معروف عن تاريخ أوروبا الحديث أن السيد ويلي براندت، زعيم الاشتراكية
الديموقراطية الكبير، لم يكن موضع تقدير واحترام الاشتراكيين فقط، وانما كل
الأوربيين بأحزابهم ومنظماتهم وروابطهم السياسية والعلمية والثقافية والدينية
والفنية، من مختلف الاتجاهات الفكرية، لمواقفه الثابتة الشجاعة ضد الهتلرية
النازية، ولمقدرته على الاعتراف بخطأ ألمانيا تجاه جيرانها، وبخاصة بعد أن
انطلق الى بولونيا عندما صار مستشارا لبلاده ليجثو على ركبتيه أمام نصب ضحايا
النازية ويطلب العفو لشعبه من البولونيين... هذا الزعيم الكبير ألمح مرة، حين
كان مستشارا للبلاد، بأنه يود تعيين سكرتيرة "يونانية الأصل" لمكتبه، فلم يرض
بذلك رفاقه في الحزب، رغم أن المرأة اشتراكية – ديموقراطية، مسيحية وأوربية،
ومثقفة وناشطة سياسيا...
فماذا حدث؟
أصبح موضوع تعيين هذه المرأة مادة مثيرة في الاعلام الألماني، وأحدث بلبلة في
الحزب الاشتراكي – الديموقراطي... فإذا بهذا الزعيم الكبير يتراجع عن قراره
ويلتزم برأي رفاقه، دون أن يفرض رأيه الشخصي عليهم أو يهددهم أو يرمي أحدا منهم
في السجون أو يطردهم من الحزب...
أفلا يتذكر هؤلاء الذين يمدحون "ديموقراطية البعث الحاكم" ما كتبه الرئيس
السوري الأسبق (البعثي حتى العظم) محمد أمين الحافظ عن اثني عشر محاولة
انقلابية بعثية في فترة وجيزة من تاريخ حكمهم الدموي؟ ألا يتذكر هؤلاء كيف رمى
الرئيس السابق حافظ الأسد بأهم رجاله ورفاق دربه الحزبيين البعثيين كالرئيس
نوري الدين الأتاسي ورئيس الوزراء يوسف زعين والجنرال صلاح جديد في السجون حتى
قضوا نحبهم أو خرجوا وهم غير قادرين على متابعة الحياة لما أصيبوا من ارهاق
وأمراض وأحزان؟ هل نسي هؤلاء المداحون، المطبلون المزمرون، آلاف الرجال والنساء
السوريين الذين حصدتهم رشاشات البعث الحاكم في مختلف المدن والأرياف السورية،
أو دفنوا أحياء تحت التراب، أو قتلوا تحت التعذيب، أو ماتوا في غياهب السجون
الرهيبة...؟
قد يقولون: هذا كله لم يحدث في عهد الرئيس الحالي...
صحيح...ولكن هل يمكن للسيد رئيس مجلس الشعب تقديم قائمة باسماء المعتقلين
القدامى والجدد الذين هم في معتقلات الأسد الآن بسبب آرائهم السياسية أو
اتجاهاتهم الفكرية أو مطالباتهم التي تقدموا بها بطرق سلمية ودون استخدام
العنف؟ هل سمعتم ببلد ديموقراطي في العالم يسجن ويعذب ويقتل مواطنيه بهذا الشكل
المروع كما في صيدنايا وعدرا لمجرد أنهم يريدون التمتع بحقوقهم الديموقراطية؟
من القومية الكوردية وحدها قتل النظام الأسدي الحالي مايزيد عن 28 جنديا كانوا
يخدمون خدمتهم الالزامية "دفاعا عن الوطن!" وذلك اما مباشرة على أيدي ضباطهم
ومسؤوليهم أو بأمر تنفيذي منهم...وإن لدى منظمات حقوق الانسان السوري قائمة
بأسماء هؤلاء وتواريخ ولادتهم واماكن قيامهم بواجبهم الوطني وتواريخ قتلهم
بالرصاص أو بالصعق الكهربائي أو بالتعذيب الجسدي...
إن كانت هناك ديموقراطية سورية، أسدية – بعثية، فلدينا عدة أسئلة يتحتم على
مداحي القصر من مسؤولين وتابعين ومشاركين في الجريمة الكبرى بحق الانسانية في
بلادنا الاجابة عنها:
-هل هناك في سوريا قانون لحرية الأحزاب والجمعيات حسب ما هو مقبول دوليا؟
-هل يعتقل أفراد عائلة شخص مطلوب وبدون جرم ارتكبوه كوسيلة ضغط على المطلوب
منهم أم لا؟
-هل هناك حريات صحافية مضمونة للعاملين في الاعلام؟
-هل تستطيع هذه "الجبهة الوطنية التقدمية!" مخالفة النظام المتبوع في أي موضوع
من المواضيع الهامة لرأس النظام؟ أو الخروج ببيان واحد ضد سياسة واحدة من
سياسات العائلة الأسدية؟
-هل هناك حرية عقيدة حقيقية في بلادنا، أم حتى خطب يوم الجمعة تعرض لموافقة
ضابط الأمن؟
-هل يستطيع مختار قرية أو حارة التوقيع على وثيقة لمعارض أو مشتبه بأنه ضد
النظام؟ دون أن يخاف من الاعتقال والشتم والضرب على القفا؟
-هل هناك معارضة تتمتع بحقوق المعارضة في بلادنا؟ ويحترم النظام مواقفها
ورغبتها في استلام الحكم؟ أم أن فوق كل "معترض" ظل رجل من رجال الأمن لا
يفارقه؟
وهل...هل...هل...وكل هذه الأمور من صلب الحياة الحرة والديموقراطية في
المجتمعات المتقدمة.
لو وضعنا كل فضائل هذه "الديموقراطية السورية" (الأبرشية – العطرية- الأسدية-
البعثية) في كفة ميزان وقتل امرءآمن يكتب أفكاره على الانترنت، أو جندي يخدم
وطنه، في الكفة الأخرى لوجدنا أن النظام خاسر في هذا المجال خسرانا عظيما....
|