|
هل يلعب الأسد على حبلين؟
أم أنه مجرّد سفيرلدولتين؟
جان كورد
الخميس، 20 آب، 2009
كنا
نظّن في السابق بأن الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد لن يتمكّن من الخروج من
القوقعة الايرانية التي أوقعت فيها سوريا نفسها منذ زمن الرئيس الراحل حافظ
الأسد، ولكن يبدو أن فرخ البط عوام كما تقول العرب...فها هو الأسد النجل يقترب
من تنفيذ ما تمليه عليه الادارة الأمريكية ويرضخ مكرها لتمديد العقوبات
المفروضة من قبلها على نظامه، ويبدي استعداده التام لمساعدتها في تحقيق الأمن
والاستقرار في البلدين المجاورين لسوريا: العراق ولبنان، وكذلك في مساهمة جدية
منه في العمل على مسار تحقيق السلام في فلسطين أيضا...على الأقل هذا مايردده
الاعلام السوري الرسمي صباح مساء، ويصرّح به رجال النظام من وزراء وسفراء...
بل ذهب الأسد إلى أبعد من ذلك ، حيث أبدى استعداده لمساعدة الولايات المتحدة
الأمريكية في تحقيق بعض ما لاتستطيع بنفسها القيام به لدى النظام الايراني
المتعنت والمتطرّف في معظم تصرفاته وحكاياته وتصوراته عن القوة الاقليمية
العظمى التي على أمريكا والعالم الاعتراف بها في المنطقة، وهذا يعني أن الأسد
يحمل "طلبات صغيرة" أثناء زيارته الأخيرة هذه إلى طهران، وهي طلبات يمكن أن
يتقدّم بها سفير من السفراء أيضا كالافراج عن معتقلين ومعتقلات غربيين وبعض
الاصلاحيين الايرانيين...ولكنه سيعود برسالة من طهران إلى الجانب الأمريكي بعد
انتهاء زيارته التي يحاول اظهارها كزيارة تهنئة للرئيس نجاد، هذا الذي لايعترف
حتى عديدون من رجال النظام الايراني ذاته، ناهيك عن الشعب الايراني والعالم
قاطبة، بشرعية انتخابه رئيسا للبلاد في الدورة الثانية من حكمه...وهذا يذكرنا
بالرحلات المكوكية لوزيري الخارجية الشهيرين لأمريكا هنري كيسنجر لتبريد
الأجواء بين بكين وواشنطن في عهد الرئيس نيكسون، ولتحقيق الهدنة بين العرب
والاسرائيليين بعد حرب عام 1973، وجيمس بيكر الذي حاول جاهدا اقناع صدام حسين
في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش للخروج من الكويت بعد احتلاله عسكريا...والكلام
الحماسي للأسد لدى تهنئته لأحمدى نجاد كان يلقي ظلالا من السخرية القاتمة
حقيقة، المدهون بزيت التملّق الصارخ...
ولكن يبدو أن هناك لعبة خفية تجري في سرية تامة، تكاد تشبه حرب استنزاف على
الجبهة العراقية بين (أمريكا ومعسكرها) من جهة وبين (سوريا وايران وحلفائهما)
من جهة أخرى...فلقد ازدادت التفجيرات قوة وتعداد في العراق مؤخرا، على الرغم من
قدرة العراقيين على تحجيم وتقزيم دور القاعدة في البلاد عامة وفي المناطق
السنية خاصة، وهل هي مصادفة أن تشهد محافظة الموصل المتاخمة للحدود السورية عدة
تفجيرات في ذات اليوم الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة تمديد العقوبات
الاقتصادية على سوريا، وأن تتسم تفجيرات بغداد بالقوة التدميرية أثناء زيارة
الأسد لطهران مؤخرا؟...
ألا يعني هذا أن ايران وسوريا تلمحان للعالم بقدرتهما على انهاء الحياة
الانسانية في العراق، إن لم يغيّر العالم من مواقفه تجاه المحكمة الدولية
الخاصة باغتيال الرئيس اللبناني الأسبق رفيق الحريري وتجاه انتخاب أحمدى نجاد
رئيسا لايران مرة ثانية؟
وهل يعقل أن النظام السوري لايعلم مباشرة عن المخططات التدميرية لمجرمي البعث
العراقيين المتواجدين في بلاده وتحركهم من هناك لتعكير الأجواء وقتل الأبرياء
في محافظة الموصل؟ أو أن لايعلم النظام الايراني شيئا عن المنظمات الارهابية
التي تتسلل من أراضيها لتفتك بالشعب العراقي بذريعة أنها تحارب "الشيطان
الأكبر!"...؟
نعم، الرئيس السوري الذي -كما يبدو- يعمل الآن كسفير أمريكي فوق العادة لدى
طهران وكسفير ايراني دائم في المنطقة يلعب على حبلين: الاقتراب من جهة من
المشروع الأمريكي في المنطقة، دون التخلي عن المكاسب النفطية والمالية والأمنية
لنظام الملالي الايرانيين...وهذا ما سيضر بالشعب السوري قبل أن يضر بأحد سواه
في المستقبل...
قد يظن السيد الأسد بأن هذه السياسة ذات الوجهين التي يمارسها تشبه ذات السياسة
التي مارسها أباه من قبل بين العربية السعودية وايران وعاش بها دهرا من
الزمن...فإن أمريكا ليست السعودية من حيث طموحاتها وسياساتها واستراتيجيتها في
المنطقة، وايران اليوم ليست ايران ما بعد الثورة الخومينية، من حيث عزلتها
الدولية وانهيار اقتصادها وتشتت سياساتها؟... وكان واضحا للجميع بأنه لن تحدث
أي حرب مباشرة بين السعودية وايران مهما تعاظمت خلافاتهما، بسبب الحنكة
السياسية والصبر والهدوء الذي عليه القيادة السعودية لدى الأزمات، ولكن إن حدثت
حرب بين أمريكا وايران، أو تم توريطهما في صراع مسلّح من قبل اسرائيل مثلا، فإن
سوريا لن تبقى بمنأى عن نتائجها الكارثية بالتأكيد...والنظام الأسدي – البعثي
سيتلقى صفعات قاتلة إن تأزمت الأوضاع في المنطقة مستقبلا للضعف الذي هو عليه من
كل النواحي...
|