أي معارضة يريدها السوريون بعد الآن؟

جان كورد

الخميس‏، 09‏ تموز‏، 2009

للاجابة عن هذا السؤال بشكل أقرب الى الصواب، يجدر بنا طرح الأسئلة الكلاسيكية حول الموضوع من جديد:- هل هناك معارضة سورية أصلا؟

- ما هوية هذه المعارضة؟

- ما أهداف المعارضة السورية؟

- ما وسائل وأدوات ومظاهر هذه المعارضة؟ لايخفى أن النظام السوري، رغم تخلّفه المزمن عن الحياة العصرية في الحرية والديموقراطية، ليس  ناكرا للحقيقة الى درجة نكران نظام الملالي في ايران الذي يخدمه رئيس الجمهورية التابع محمود أحمدى نجاد كبوق اعلامي مبتذل أكثر من أن يكون رئيس جمهورية حقيقي، ذلك النظام الذي لايعترف البتة بوجود "معارضة" في ايران وانما مجرّد "اختلافات رأي" كما صرّح به لقناة "العربية" منذ أسبوعين السيد حسن الموسوي أحد الشيوخ الذين – كما يبدو- ولدوا بعد قيام ثورة الخميني، وزعم أن كل التظاهرات العظيمة التي رافقها الدمار والقتل والسحل في الشوارع "أكاذيب دعائية مفبركة من قبل الامبرياليين والصهاينة!"، وادعى بأن السيد مير حسين الموسوي منافس السيد نجاد في انتخابات الرئاسة الأخيرة والذي كان في وقت من الأوقات رئيس وزراء في عهد الثورة الخمينية لايحظى بتأييد شعبي في ايران، رغم أن السيد مير حسن الموسوي هذا تمكّن من هزّ أركان النظام الحاكم بقوة...

النظام الأسدي – البعثي الحاكم الذي يسميه بعض السوريين ب"نظام الأمر الواقع!" بهدف تبرير استمرار وجوده وقبوله لاينكرأنهناك معارضة سورية للحكم والحاكم بل يدافع عنها، دون السماح لها بالعمل الصريح والمرخّص، على لسان الرئيس نفسه، بقوله الشهير :"المعارضة السورية وطنية!"...وهذا يعني أن هناك "معارضة سورية" لايستطيع أحد انكارها، ولكنها ممنوعة ومقموعة...بل انتقل بعض من كان في مراكز هامة في النظام إلى صفوفها بعد أن كان يسخر منها ويقول:"سأمنح جائزة كذا مائة مليون دولار لمن يثبت لي بأن لهذه المعارضة خارج البلاد عنصر واحد في داخل البلاد!"...وبهذا نكون قد أجبنا عن السؤال الأول عما اذا كانت هناك معارضة سورية أصلا.

واذا ما تساءلنا عن هوية هذه المعارضة فسنجدها ديموقراطية – وطنية، اسلامية – قومية، ويسارية تحمل أيضا أفكاراقوميةلاتختلف كثيرا عن أفكار النظام البعثي الحاكم الى حد كبير، وهناك جزء هام من هذه المعارضة حاملها الأساسي هم الكورد والسريان والكلدان والآشوريون وغيرهم من أبناء وبنات القوميات غير العربية في البلاد، وهي في جوهرها ومطالبها قومية ووطنية...ونلاحظ أن العامل الأممي يكاد يختفي عن الأنظار في صفوف المعارضة الوطنية السورية،  إلا أننا لا ننكر وجود أمميين كبار وقدامى في صفوف المعارضة تفهّموا التطورات الكبيرة في المجال الأممي، وبخاصة بعد الانهيار الكبير للمعسكر الشيوعي الذي كانوا يطمحون الى حشر سوريا في عباءته... هؤلاء الأمميون يملكون ذخيرة فكرية واسعة وهامة وخبرات تنظيمية تؤهلهم للوصول الى مستويات عالية في المعارضة الديموقراطية التي احتضنتهم بقوّة كما تحتضن الأم التي فقدت ولدها منذ زمن طويل وعاد فجأة الى البيت...وقلة منهم انساقوا مع الأسف وراء اغراءات النظام ...

هكذا معارضة ذات ألوان مختلفة تساهم في انجذاب فئات وشرائح وطبقات متفاوتة في الثراء والثقافة والقوة والمعاناة إلى صفوفها،وتعطيها شرعية تمثيل أوسع قاعدة شعبية، وتسمح لها بالحركة كحشد متراص الصفوف من السمك في البحر الشعبي الكبير...وهي ليست مجرّد معارضة طبقية أو دينية أو فئوية أو حزبية، بل عينات عديدة ممثلة للشعب السوري الذي يتألف أصلا من قوميات وأديان وطوائف ومذاهب وفئات كثيرة...

ولكن هذا في الوقت ذاته يثير مصاعب جمّة في تحديد أهداف المعارضة السورية. إلا أن هناك اتفاقا ضمنيا لايحتاج السوريونإلىتواقيع وأختام حوله، فالجميع يريدونه مجتمعا سوريا أفضل من حيث الفصل التام بين السلطات ومن حيث تمتّع الجميع بالحقوق وقيامهم بالواجبات، وكذلك يطمح الجميع الى توزيع عادل للثروة الوطنية ومشاركة تناوبية عن طريق صناديق الانتخاب السري والديموقراطي النزيه الذي يوفّر الدستور والقانون لكل المواطنين ذات الحقوق فيه، دون اكراه أو عسف أو ممارسات ومضايقات أمنية تعرقل النمو الديموقراطي وتديم حالة فقدان الحريات السياسية في البلاد...ولكن هناك أيضا مطالب أساسية لفئات معينة من المعارضة تعتبرها أهم أهدافها وسبب وجودها كفصائل معارضة...فالاسلاميون يطالبون بجعل الشريعة الاسلامية المصدر الأول للتشريع الدستوري، والمعارضة الكوردية تطالب بأن يتم الاعتراف بقضيتهم القومية كقضية "أرض وشعب" دستوريا وحلها بموجب تلك القاعدة، وليس مجرّد مشاكل لمواطنين وبعض الحقوق الثقافية، كما يحاول تقزيم قضيتهم بعض العروبيين المتشنجين الذين يرفضون التنازل عن مقولة "سورية عربية!"، رغم وجود قوميات أخرى فيها، ومنها القومية الكوردية التي تشكل جزءا هاما من الديموغرافيا والجغرافيا السورية، فالموضوع هنا يأخذ حيزا هاما من حوارات العرب والكورد، ولايمكن اقناع أي فصيل كوردي بأن هذا الموضوع سابق لأوانه أو أنه ثانوي بالنسبة الى تغيير النظام أو تحرير فلسطين أو ازدهار البلاد وتحقيق الديموقراطية، واليساريون ملتزمون بموضوعهم الأساسي الذي يؤكّد على أن لاقيمة للديموقراطية والحريات السياسية مالم تحدث تغييرا ملموسا في وضع الطبقات الفقيرة التي تعاني معاناة شديدة في ظل سياسة الفساد والرشوة والاختلاس واللصوصية التي شاعت في ظل "نظام الأمر الواقع!" هذا... لذا فإن "توزيع الثروة الوطنية توزيعا عادلا" في أعلى قائمتهم ومطالبهم، وهذا لايفرح قلوب أولئك الذين يريدون انتزاع السلطة من أيدي الحاكمين بدعاوى "بناء مجتمع الديموقراطية والحرية" وهم لن يغيّروا في الحقيقة شيئا من نظام النهب الاقتصادي القائم على أكتاف الجماهير الكادحة...

وحتى الآن لانجد تنظيما أو فصيلا سوريا يتضمّن برنامجه حلولا كافية وشافية لكل المشاكل والمطالب المطروحة من قبلفصائلالمعارضة الأخرى... وان وجد هكذا فصيل فإنه ليس قويا الى درجة طرح نفسه كبديل أو منافس للنظام ولتيارات المعارضة المختلفة على حد سواء...

هناك فصائل عديدة تتحرّك على مسار المطالبة بالاصلاحات السياسية، بحيث يبدأ النظام بها من تلقاء نفسه، وتتحوّل منذلكالمسار الناعم في خطابه "الوطني جدا!" إلى مسار المطالبة ب"تغيير النظام جذريا" حيث تقول هنا بأن "النظام الأمني" في سوريا فاسد وغير قادر على اصلاح ذاته ولذا يجب أن تتحرك المعارضة بأسرها، وتحت سقف واحد، لانهاء الوضع المترّدي في البلاد...ولكن هذه المجموعات تقول أكثر مما تفعل ولاتشرح بشكل واف للشعب مقولة "هذا النظام نظام أمني فاسد"، فهل تعني بالنظام الأمني أنه أصبح "دولة مخابرات" لاتملك مواصفات النظام السياسي؟ وماذا تعني بأنه "نظام فاسد" ؟ فهل رؤوس النظام، بدءا من رئيس الجمهورية فاسد أم من حوله ودونه دون علمه أو مشاركته في الفساد؟ هذه النقطة تتطلب وضوحا وشفافية يجب أن تقوم به فصائل المعارضة هذه...

كما أن هناك مجموعات صغيرة، جلّها في خارج البلاد، وقليل منها في الزوايا الميتة التي لايستطيع النظام الكشف عنهاوابادتها،تؤّكد على النظام برمته خارج من دائرة العقلانية السياسية ويجب اسقاطه أو ازالته بشتى الوسائل والامكانات لأن استمراره يؤجج الكراهية بين مكونات الشعب السورية، ويثير نار الفتنة الطائفية، ويزيد من انتاج العناصر والمجموعات المسلّحة، ويحوّل الشارع السوري برمته الى برميل بارود، ويضعف قوّة البلاد العسكرية-الدفاعية والانمائية، ويضع البلاد على حافة من النار....

على هذه الأسس، وحسب الأهداف المختلفة، وبموجب الامكانات المتوافرة لكل فصيل أو مجموعة من الفصائل، يتم استخدامالوسائل والأدوات الخاصة بممارسة المعارضة، فمن المعارضين من يكتفي بالعمل الثقافي أو الاعلامي (تلفزيونات بدائية ضعيفة المال والأحوال، مواقع انترنتية يقصف ظهرها نظام البروكسي الحكومي في البلاد، مراسلات بريدية الكترونية على شكل نيوزليتر وبلوكات شخصية، نشرات هزيلة وملصقات وقتية في مناسبات وطنية أو حزبية أو أحداث معينة)، ومنهم من ينقد النظام من وجهة نظر حقوقية عن طريق جمعيات حقوق الانسان، مناشدات لمنظمات وشخصيات عالمية للضغط على النظام السوري و....و...) ومنهم من يصرّ على القيام بنشاطات وفعاليات منظّمة ومحددة الأهداف في الشارع السوري وفي خارج البلاد (مظاهرات، احتجاجات، تقديم مذكرات)...ويعتبر الحراك القومي الكوردي في هذا المجال سبّاقا واضح الخطا، سجّل من بين السوريين عموما نقاط عديدة في شتى أنحاء العالم الحر الديموقراطي وفي الشارع السوري أيضا..وبخاصة بعد "انتفاضة" الشعب الكوردي في آذار 2004، تلك التي يحلو لبعضهم وصفها ب"أحداث الشغب الدامية"...وهم أنفسهم يقولون شيئا آخر اليوم عن "هبة!" الشعوب الايرانية...ولكن هذه النشاطات أحدثت شرخا حقيقيا في الحراك السياسي الديموقراطي السلمي للشعب الكوردي السوري.، فقد انقسم السياسيون الكورد على أنفسهم انقساما واضحا، بين من يتهم سواه ب"الانبطاحي" في حين يسميه الآخر ب"المتطرّف"، أي هناك "الحمائم" وهناك "الصقور" الكوردية...وإن أي نقد يوجهه المراقبون لطرف من الطرفين يعود عليهم بردّ معاكس متشنج، وكأنهم هاجموا وحاربوا وقتلوا ودمروا القلاع...فالمجتمع الكوردي يعاني أيضا من ضحالة "ثقافة الديموقراطية" التي حرم منها الشعب السوري اجمالا في ظل دكتاتورية البعث. ويجدر بالذكر هنا أن بعض رؤوس البعثيين الكبار يرفضون تسمية النظام باسمهم، وشرعوا يعتبرون أنفسهم من "ضحايا النظام" رغم أنهم لايزالون يشكلّون احدى ركائزه الأساسية في أيام المحن...    

بعدهذا كله علينا العودة الى سؤالنا المطروح كعنوان لمقالنا هذا:أي معارضة يريدها السوريون الآن؟

أقول: لو كان النظام السوري الحاكم ذكيا بما فيه الكفاية لقام بعرض ذكي على المعارضة، وبخاصة بعد أن حاول أشد فصيل سوري معارض عليه "الاخوان المسلمون" تسجيل نقطة ايجابية في اتجاه الوحدة الوطنية، بالاعلان عن كفهم عن المعارضة، ويبدو أنهم لم يحققوا حتى الآن هدفهم لصلافة النظام تجاههم.. نعم، لو كان النظام ذكيا لفتح الباب لكل المعارضين في الداخل والخارج للقيام بنشاطاتهم السلمية الديموقراطية داخل البلاد، طالما أشد معارضيه كفوا عن معارضته لأسباب "عقيدية!" إلا أنه -كما يبدو- لم يستفد مما حدث في ايران أو يحدث باستمرار في الشارع المصري من رفض للسياسات القائمة، ومما حدث مؤخرا في الانتخابات اللبنانية حيث انتصر صوت الشعب اللبناني الواقعي والوطني والقادر على اللحاق بركب الحضارة الديموقراطية بعد أن عرقل النظامان السوري والايراني بأدوات لبنانية خطواته لفترة قصيرة...

لو تحققت خطوة ايجابية واحدة من قبل النظام السوري لغيّرت المعارضة أيضا من نهجها وسلوكها وتحوّلت الى منافس قوي يحكم بينها وبين النظام "صندوق الانتخاب"...ولاستمر الحاكمون في حكمهم "العادل" طالما يعتقدون حقا بأن مايفعلونه في مصلحة الشعب السوري وليس في الاتجاه المعاكس فالربان الخبير لايخاف أمواج البحار الهائجة... ولكن مع الأسف، فإن النظام الذي يدرك تماما هزاله وأمراضه وفئويته وطيشه يسعى لشراء الذمم وتفتيت ما تبقى من المعارضة، بعد أن أسكت مدافع "زنوبيا الحرّة" وانفرط عقد آخر جبهة أقامها "الاخوان المسلمون" مع اتجاهات سورية أخرى، وبخاصة بعد أن لجأت الولايات المتحدة الأمريكية الى أسلوب آخر مع سوريا مؤخرا بهدف جرّها الى مشروع "تأمين استقرار العراق بعد خروج الأمريكان" و"تهدئة الأوضاع اللبنانية" بعد نجاح الاعتدال السياسي في لبنان، و "تمرير المخططات الموضوعة لفلسطين مستقبلا" و "قطع حبل الصرة التي تربط النظام السوري بايران" التي تزداد لهجة اسرائيل حدّة تجاهها يوما بعد يوم، و "قطع الماء عن حزب الله وحماس والقاعدة" بتقديم بعض الاغراءات لنظام دمشق بهدف تحريكه صوب معاونتها في تحقيق أهدافها بهذا الصدد...دون التوغّل في غابة "حقوق الانسان السوري" وكأن الشعب السوري غير موجود أو لايستحق الاعتناء به من وجهة نظر القانون الدولي...

يتحرّك سوريون اليوم من شتى التيارات والاتجاهات لترميم ما تهدّم من "بيت المعارضة السورية" بعد الانتصارات الوقتية للنظامعربيا ودوليا، والخدمة المجانية التي قدّمها له أشد معارضيه عليه ب"الكف عن المعارضة دعما لحماس وصدا للامبريالية والصهيونية!"، ولكن ماذا يريد هؤلاء السوريون:

- السير باتجاه تغيير النظام القائم عن طريق خلق "بديل" ديموقراطي وطني متماسك يرى في النظام عدوا دكتاتوريا مستبدابالشعب السوري ، يجب ازالته بشتى الوسائل والامكانات المتاحة؟ طبعا لايمكن أن تحقق المعارضة ايجاد هذا "البديل" دون أن الأخذ بعين الاعتبار الاختلاف في الأهداف والمطالب للتيارات المتعددة من فصائلها الكثيرة، ولن تتمكّن من رص صفوفها بأطروحات وشعارات لاتأخذ تلك الأهداف والمطالب بجدّية...وإن التذرّع بأن عامل الزمن غير مساعد، أو أن كل القضايا المطروحة سوى "تغيير النظام" مسائل ثانوية أو فئوية لايقبل بالتطرق اليها الشعب السوري التوّاق الى الحرية ليس إلا هربا صوب الأمام ولايحقق قاعدة متينة لخلق "بديل" متين...وتجارب التحالفات المنهارة سابقا أمام عيوننا، يجب الاستفادة منها...كما يجب الاستفادة من تجربة الشعب العراقي المريرة في المعارضة أثناء حكم صدام حسين وما بعد الاطاحة به...فالكورد السوريون – مثلا- لن يقبلوا بأنه يلدغوا كما حدث لاخوتهم الكورد العراقيين...

- السير باتجاه "تحقيق مصالحة وطنية" دون أن يقدم النظام على القيام بأي خطوة باتجاه المعارضة، ليس إلا دليلا على أمرين:  الأول هو أن بعض كبار المعارضين السوريين، وبخاصة خارج البلاد أصبحوا عجائز مسنين يسعون بشتى الوسائل للعودة الى الوطن ولو على حساب كرامتهم ونضالهم الطويل الأمد، فقد يئسوا من مسار السياسة الدولية التي تقف في وجههم باستمرار، والثاني هو دليل على أن النظام قد أحكم قبضته الفولاذية على المعارضة في الخارج أيضا، وهو في طريقه لتحويلها الى "معارضة أمنية!" كما هو النظام أيضا، يتأبطها ويدجنها حسب رغباته وسياساته...

 
Link

News

Kdps

Gotar

Wêne

Stran

Têkilî

أتصل بنا

أغاني

صـور

مقالات

ك.د.ب.س

أخبار

مواقع الكترونية