|
"كف عن المعارضة" أم خفض الصوت بعض الشيء؟
جان
كورد

أستاذي الكريم مؤمن محمد نديم كويفاتيه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
آمل أن تجيبوا أنتم أو "الاخوان المسلمون" عن سؤالي هذا، إن أمكن:
- لماذا لم يكف "الاخوان المسلمون" عن معارضة النظام السوري عندما هاجمت
اسرائيل جنوب لبنان وسعت لتحطيم حزب الله الذي يؤديه نظام الأسد أكثر من حماس؟
قبل أن أقرأ رسالتك التي تستفسر فيها عن آراء السوريين حول خطوة"الاخوان
المسلمين" بتعليق معارضتهم للنظام الأسدي - البعثي المعروف من حيث طبيعته
العدوانية ضد مختلف فئات الشعب السوري وبخاصة ضد الذين يعارضونه، من أي اتجاه
كان، وقع نظري على خبر مفاده أن النظام السوري يبدي استعداده لاتفاق أحادي مع
اسرائيل التي اعتبر الاخوان موقف سوريا المناهض لها والمؤيد لحماس ضدها أساسا
لاتخاذ هذه الخطوة...
وهكذا فإننا نجد الأساس الذي بني عليه هذا القرار غير متين، بل هو كالرمال
المتحركة التي تفرزها السياسات التكتيكية للنظم غير الثابتة نهجا وغير الناضجة
ممارسة...
معلوم أن نظام الرئيس السوري الحالي هو امتداد لنظام أبيه الراحل، وكان ذاك
النظام قديرا في اللعب بعدة أوراق ولكنه لم يكن مغامرا...ومن الأوراق التي كانت
في يديه مثلا وجودحزب العمال الكوردستاني وقيادته وزعيمه في دمشق وفي البقاع
اللبناني الذي كان تحت سيطرة القوات العسكرية السورية آنذاك، فلعب النظام
بالورقة الكوردية في تركيا مثلما لعب بها في العراق، حيث تمّ تأسيس الاتحاد
الوطني الكردستاني بزعامة الرئيس العراقي الحالي مام جلال الطالباني، أحد أكبر
التنظيمات السياسية الكردية (العراقية) في دمشق، على أثر انهيار الثورة الكردية
المسلحة في عام 1975 نتيجة اتفاقية الجزائر الشهيرة بين الشاه الايراني والنظام
البعثي العراقي، وتخلّي الأمريكان عن دعم الزعيم الكردي الكبير البارزاني مصطفى،
على أمل انتزاع العراق من الاتحاد السوفيتي عن طريق البوابة الايرانية، فرأى
الرئيس السوري الراحل كيف يحدث فراغ كبير في المعارضة العراقية بانسحاب الكورد
صوب ايران، وهذا ما سيؤّثر على سوريا التي كانت في منافسة كبيرة على العالم
العربي من وجهة نظر بعثية، وبخاصة فإن القياديين الكلاسيكيين للبعث كانوا قد
تمركزوا في بغداد، اضافة إلى أن علاقات "الاخوان السوريين" مع نظام البعث
العراقي كانت في تحسّن، إلى أن صارت علاقة متينة بعد المجازر الرهيبة في سوريا
والحرب التي أعلنها الأسد على الحركة الإسلامية السورية بشكل عام...ولكن الأسد
أضطر إلى دغدغة عواطف "الإخوان" بعد كل تلك الدماء عن طريق عملائه الذين أرسلهم
إلى الأردن، بهدف جسّ نبضهم وكسب بعض قادتهم أو ايهامهم بأنه مستعد للحوار
والمصالحة معهم...وكان قد فعل نفس الشيء مع قادة أحزاب كردية كانت قد مكثت في
بغداد لفترة من الزمن، ومنهم السيدان عبد الحميد حاج درويش ورشيد حمو، حيث
أرسلت دميته الرئاسية الأستاذ أحمد الخطيب آنذاك مندوبا كرديا سوريا إليهما
ليقول لهما:"إن كانت هناك قضية كردية سورية فإنها تحلّ في سوريا وليس في العراق،
أو أبني لكما جسرا على دجلة تنقلان به كل كرد سوريا إلى حيث البارزاني...!" ثم
اتضح أن نظام دمشق كان يكذب وتم طي الموضوع بسرعة. وموضوع أسر واختطاف زعيم حزب
العمال الكردستاني ومدى جدية دعم سوريا له معروفة للجميع كقصة مثيرة للغاية.
واليوم يلعب الرئيس النجل بالأوراق المختلفة على منوال أبيه، حيث يستخدم ورقة "حزب
ألله" في لبنان، وورقة "البعث المخلوع" وبعض المنظمات المتطرّفة في العراق،
وورقة "حماس" في فلسطين للضغط على اسرائيل واجبارها على تقديم تنازلات في
الحوار غير المباشر بين سوريا واسرائيل والمباشر في وقت قريب...ولو كانت له يد
طولى في السعودية أو مصر أو الأردن لما استنكف عن استخدامها، فهو نظام شأنه
اللعب بمصائر الحركات والقوى من أجل تحقيق مصالح أكبر في البلدان المجاورة...
وكما أن تركيا قد مارست تهديدا قويا ومرعبا لانتزاع ورقة "أوجلان" من أيدي حافظ
الأسد، فإن اسرائيل سعت بهجومها الأخير على غزة تمزيق ورقة "حماس" في أيدي دمشق
باجبار حماس على قبول شروطها لوقف الحرب...
ومن الطبيعي أن يقترب النظام السوري أو يوحي بأنه يقترب من "الاخوان المسلمين"
لتصفية "جبهة الخلاص الوطني" أو لاظهار نفسه ليبدو وسط جو مشحون بالعواطف
الدينية القوية في المنطقة عموما،وفي سوريا خصوصا، وكأنه نظام غير طائفي،
يتمتّع بعلاقات جيدة مع "الاسلام السياسي السنّي" أيضا...إلا أن الحقائق تظهر
بوضوح أن اللاعب الأكبر الذي يقف وراء الأسد هو النظام الفارسي الطائفي الصارخ،
دستوريا وعقيديا وسياسة، والذي ما أن شعر باقتراب "الاخوان المسلمين" خطوة
واحدة فقط صوب دمشق، حتى نبّه نظام دمشق إلى "اتخاذ الحذر من الأعداء!"، وطبعا
لايقصد بالأعداء هنا "الأمريكان واسرائيل" فسوريا لاتحتاج إلى مثل هذه النصيحة
لأن نظامها يعتبر نفسه في الخندق المعادي لأمريكا واسرائيل منذ عدة عقود من
الزمن، إن لم تكن هناك اتفاقيات سرّية وراء كواليس السياسة المعلنة، لايعلم
عنها الجمهور شيئا...المقصود هنا هم "الاخوان المسلمون والسعوديون الوهابيون
وسائر الحركات السياسية التي لها خلفية سنيّة في المنطقة، ولذا تم استخدام لفظ
"الأعداء" بدلا عن "مرد بر آمريكا: الموت لأمريكا" والدعوات الشائعة على ألسنة
حكام طهران ب"ازالة اسرائيل علنا"...
وكما نعلم فإن عداء نظام طهران لأمريكا مشكوك فيه أصلا، فايران ساعدت الأمريكان
في الحرب على نظامي طالبان في أفغانستان والبعث في العراق، وبعضهم يرى أن ايران
تسعى لتصفية حركة "حماس" أيضا من خلال توريطها في حرب غير متكافئة مع اسرائيل،
لأنها عائق أمام انتشار أفكار ثورتها الخمينية بين الفلسطينيين من الناحية
العقيدية والقومية على حد سواء، وهي ليست مثل بعض الحركات الشيعية العراقية
التي تبدو وكأنها مخلصة في ولائها لمركز الفكر الشيعي "قم"، ولن تبدي أي مقاومة
للدفاع عن التراب العراقي فيما اذا اجتاحت القوات الايرانية أرض العراق...
خطوة "الكف عن المعارضة" التي خطاها "الاخوان المسلمون" السوريون بمباركة
اخوانية عربية تعني السكوت عن كثير من جرائم النظام السوري ضد شعبه السوري،
ووقف المطالبة بمحاكمته على جرائمه السابقة، وغّض النظر عن تدخلاته في شؤون
الدول المجاورة...و...و... وإلا فإن ذلك ليس ب"كف عن المعارضة" وانما خفض الصوت
بعض الشيء...وكل ذلك من أجل "موقف التأييد السوري لحماس"، ولكن يبدو أن هذا ليس
الدافع الأساس، فسوريا كانت على الدوام مع الفلسطينيين (كما هو الظاهر والله
وحده يعلم الباطن)، ولم نسمع يوما بأن نظام دمشق كان ضد حماس أو الجهاد
الاسلامي أو غيرهما من الحركات الفلسطينية، ولم نر يوما وقوف السوريين مع
اسرائيل ضد هذه الحركات...
أما التذرّع بالهجوم الأخير لاسرائيل على غزّة، فهو ضعيف أيضا، إذ أن إعلام "الاخوان
المسلمين" أنفسهم يتحدّث على الدوام منذ نشوئه عن استمرار "العدوان الاسرائيلي
على الشعب الفلسطيني"، فهل كثرة سقوط الصواريخ على غزة هذه المرّة نقل المعركة
فيها إلى مركز الصراع العربي – الاسرائيلي، أم أن المعركة في فلسطين كانت في
هذا المركز منذ "وعد بلفور"،على الأقل لدى "الاخوان المسلمين"...
ماذا سيحدث بعد أن قرر الإخوان المسلمون "الكف عن المعارضة للنظام الدمشقي"؟ هل
سينتقل هذا النظام إلى خنادق القتال؟ وهل سيكف عن محاولاته المضنية لكسب ثقة
البيت الأبيض في واشنطن بهدف الاعتراف به ك"عنصر استقرار في المنطقة" وضمان
ل"أمن اسرائيل"؟ مقابل مساعدته في التخلّص من بعض الورطات الكبيرة، وفي مقدمتها
"المشروع النووي السوري" الغامض وموضوع "المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس
الوزراء اللبناني الأسبق وما تلاها من اغتيالات"...
هناك مخاوف من أن "الاخوان المسلمين" قد فهموا "رسالة سرّية!" (؟) من نظام دمشق
بشكل خاطىء، وهدفه ليس دعوة الاخوان للوقوف إلى جانبه في "الحرب ضد اسرائيل!"
وانما لاجادته المغامرة واللعب بأوراق عديدة وعلى محاور مختلفة كالراقص على
الحبال، وقد أخطىء "الاخوان المسلمون" فهم رسائل سابقة من نظام العائلة الأسدية
في الماضي، ثم عادوا ليطحنوا عظام النظام في حرب اعلامية شرسة، وصلت إلى حد
الدعوة لاسقاطه عن طريق "الجهاد"، رغمأنه كان يدّعي الوقوف مع حماس وغير حماس
آنذاك أيضا، وكانوا يعنون بالجهاد "الكفاح المسلح" قبل أشكاله الأخرى، في خطبهم
ومقالاتهم وندواتهم بصراحة وبجرأة...
إن هذا سيضّر بالشعب السوري ومعارضته التي لاتتفق مع "الاخوان المسلمين" في
خطوتهم هذه، ويرونها مجرّد تكتكة حزبية وقتية لامكاسب حقيقية للشعب السوري
والمعارضة السورية فيها ...
وأخيرا، غريب حقا أن لايتمكّن الاخوان المسلمون، "الأمميون" في نضالاتهم
ودعوتهم وعلاقاتهم، من ممارسة المعارضة ودعم "حماس" في الوقت ذاته...أم أنهم
واثقون فعلا بأن نظام دمشق داعم لحماس حتى النهاية؟
|