|
|||||
|
حول معالجة الاشكال الطائفي في سوريا
سوريا تقع بين دولتين فيهما المحاصصة الطائفية قوية، وجراح الفتنة الطائفية لم تضمد بعد، العراق من ناحية الشرق ولبنان من ناحية الغرب...والنظامان السياسيان في كلا البلدين الجارين يعكسان تلك المحاصصة ولا يقومان على أسس المجتمع المدني وانما على مدى قوة تأثير تلك المحاصصة في السياسة... والاشكال التقسيمي التفتيتي هذا نراه جليا في مسألة قانون الانتخابات العراقي المزمع اصداره قريبا والذي يطمح اليه العراقيون، حيث بعضهم يرفض الانتخاب في مدينة كركوك ويطالب بمحاصصة قومية صريحة في مجلسها، في حين أنه يرفض المحاصصة ذاتها في مدينة الموصل ويطالب بالانتخابات الحرة... وفي لبنان نرى العراقيل الكبرى التي تفرزها "الطائفية" حاليا أمام تشكيل حكومة الشيخ سعد الحريري...ولا حاجة بنا للعودة الى تاريخ مضار الطائفية في لبنان...
في الواقع والحقيقة هناك طوائف لا يمكن تجاهلها
وانكارها، منذ أن وجدت هذه الدولة السورية الموحدة، ومن قبل كانت الطوائف
موجودة في هذه البلاد، وستبقى حينا من الدهر، فالطائفية لا تزال مستحكمة حتى في
أرقى دول العالم ومجتمعاته المتطورة أيضا، ونعلم كم تعاني امرأة لم تطوف
كاثوليكيا في مجال الحرفة والمهنة في ألمانيا التي تعتبر قدوة في التنظيم
الاداري والدستوري العلماني في أوروبا... وما عانته ايرلندا واسبانيا بسبب
المشاحنات الطائفية لا يخفى عن أحد...
بعض من في النظام وحوله يعترف بذلك، ويقول بصراحة:
"إن الاستمرار في هذا الاتجاه الخانق سيقضي في النهاية على الدولة السورية،
ويجدر التفكير بعضنا جادا في ايجاد دولتين في سوريا ، عندما تشتد المعارضة
وتقترب من نقطة انتزاع السلطة، عن طريق تثوير الشارع السوري وتحطيم هيبة
الدولة..."
ومن هؤلاء من تحول الى مجال التشهير والنقد الأدبي
والاعلامي والفني بسياسة تفضيل طائفة على أخرى، وتجميع سائر خيوط اللعبة
السياسية والمالية في أيدي فئة محسوبة على هذه الطائفة دون الطوائف الأخرى...
أما في المعارضة، فإن هناك خطابا "طائفيا" مع الأسف
لدى العديد ممن يريدون "انهاء الطائفية" في سوريا، ومنهم من لا يقل تشددا
طائفيا واستخداما للمصطلحات النافرة والمفزعة أحيانا لدى الحديث عن جور
الطائفيين في الطرف المقابل... وفي المعارضة من يطالب بمجلسين لحكم البلاد، أحدهما كمجلس الشيوخ الأمريكي يضمن أن لا تمر قوانين من مجلس النواب تضر بهذه الفئة أو تلك، بهذه المنطقة من البلاد أو بأخرى... وهذه احدى الأفكار الشيقة التي يمكن التوغل في الحديث عنها، إن كان هناك استعداد فعلي لدى زعماء الطوائف المتفرقة للخوض في هذا المجال الدستوري والافصاح عن حقيقة تواجد "الطوائف" أصلا...
ولكن في الحقيقة فإن أحد أكبر التجمعات السياسية في
البلاد "الاخوان المسلمين" مثلا، لا مجال في تنظيماتها لمعارض "علوي" أو "درزي"
أو "يزيدي" أو "اسماعيلي" حسب ظني، وفي هذا تكريس للطائفية شئنا أم أبينا، كما
أن هذه الفئات والطوائف لا تفسح المجال لأبناء وبنات السنة للاندماج فيها، أي
أن "الطائفية" صارت مع الأيام ركيزة من ركائز العمل السياسي السوري، بعد أن
كانت رؤية دينية أو مذهبية سابقا... والدستور السوري القديم الذي شارك في وضعه
مفكرون قانونيون وسياسيون متمرسون نص على أن يكون رئيس الجمهورية مسلما، ولكن
في الحقيقة فإن كثيرين من السياسيين السوريين، حتى في يومنا هذا، لا يعتبرون
"العلويين" و"الاسماعيليين" و"الدروز" و"اليزيديين" من المسلمين، ناهيك عن
النصارى واليهود... وهكذا يفقد أتباع كل هذه الطوائف الحق في منصب "رئيس
الجمهورية"، على الرغم من أن نظام الدولة جمهوري انتخابي وليس ديني أو
اسلامي... برأيي، عدم الحديث عن هذا الاشكال الطائفي يعني السكوت عن النار التي تلتهم الأخضر واليابس في مخازن العائلة، ويجب قبل كل شيء الاعتراف دستوريا بوجود كل المكونات الاثنية والدينية والمذهبية والطائفية للمجتمع السوري التعددي كما هي بسماتها المختلفة وبكثافة توزعها في مناطق معينة، وتغذية هذا الاعتراف المتبادل والطبيعي روحيا وانسانيا، بزرع وتطوير وتعميق ثقافة الاحترام المتبادل وقبول الآخر المختلف قبولا تاما، لا العمل على اقصائه أو انهائه أو هضم حقوقه كما يحدث مع الأسف لبعض المكونات السورية الهامة اليوم، وبخاصة ما يحدث للشعب الكوردي في سوريا من اضطهاد وتنكر لوجوده القومي وللغته وثقافته... وفي هذا المجال على الاعلام أن يقوم بدوره الهام في التقريب والتفسير والتوضيح والتعارف بين الطوائف والقوميات، بين الأكثرية والأقليات... للمثقفين من شعراء وروائيين ومسرحيين وفنانيين وكذلك للرياضيين دور كبير للغاية في تحجيم الاشكال الطائفي والتضييق على السائرين في عكس اتجاه المجتمع المدني، وعلى الأحزاب السياسية محاربة "النعرات الطائفية" بقوة في صفوف تنظيماتها... والغريب أن النظام يحاكم الناس ويعاقبهم بذريعة "اثارة النعرات الطائفية" أمام أعلى محاكم البلاد، إلا أنه في ذات الوقت يمتطي حصان الطائفية في كل سياساته، وخصوصا في مجال قمع الآراء المخالفة عن طريق أجهزته القمعية الدموية...
إن السوريين بحاجة الى فتح صفحة جديدة في تنظيم
العلاقات السياسية – الاجتماعية بينهم، وذلك من خلال مناقشة جادة وهادئة وطويلة
الأمد بين مختلف الألوان والأحجام السياسية والاجتماعية عن هذا الاشكال
الطائفي، بدلا عن النفخ في نار "الفتنة الطائفية" واللعب ب"الطائفة" وتسخيرها
لمآرب الاحتفاظ بالسلطة أو السعي عن طريقها لامتلاكها... |
|||||