الثوابت والمتغيرات
لبناء حركة كوردية سورية دولية


جان كورد
‏الإثنين‏، 02‏ تشرين الثاني‏، 2009
((القضية الكوردية السورية ليست مجرد استعادة لحق مواطنة (عربية سورية) وانما هي قضية شعب ولا يمكن حل قضايا الشعوب بمعزل عن التفاعلات والعلاقات الدولية المتداخلة والمجتمع الدولي...))    ((1))

حيث أنني أكتب كالعادة لعامة الكورد السوريين، لذا ارتأيت شرح مفردتي "الثوابت" و"المتغيرات" بأمثلة بسيطة، قبل الانتقال الى لب الموضوع الذي أجد التطرق اليه في هذه المرحلة هاما للغاية...

الثوابت: منها مثلا أن الشعب العربي في سوريا هو احد الشعوب السامية فلا يمكن لأحد تحريف أو تغيير هذا الثابت التاريخي بأن يجعل العرب آريين، أو أن يجعل اللغة الكوردية التي تنتمي الى العائلة (الهندو-أوروبية) لغة سامية كالعربية أو العبرية...

المتغيرات: لدينا عنها أمثلة عديدة، منها أن نظام الحكم في العراق كان ملكيا في عهد الملك فيصل، فانقلب الى دكتاتوري في عهدي عبد الكريم قاسم والبعث، وها هو يتحول الى ديموقراطي دستوري فيدرالي بعد الاطاحة بنظام صدام حسين العائلي الاجرامي، أو أن نظام الحكم في سوريا كان جمهوريا ديموقراطيا بعد الاستقلال فجرفته عدة انقلابات عسكرية (الزعيم والشيشكلي والحناوي) إلى دكتاتوري عسكرية و(البعثي) إلى الدكتاتورية الحزبية، ومن ثم الى حكم وراثي (!!)، لا هو بالجمهوري ولا هو بالملكي، ولكن الشعب السوري يناضل لتغييره الى حكم مدني ديموقراطي غير وراثي...

وعليه فإن الثوابت تبقى هي ذاتها باختلاف العهود والمراحل وتتكون من خلال ثبات الحقائق التاريخية التي تبقى جلية رغم كل حوادث الدهر أو محاولات تغييرها قسرا، أو تحويرها كذبا وتضليلا...في حين أن المتغيرات تتأثر بالأحداث التاريخية ولا تبقى على حال، وقد يمكن اعادة وضع إلى سابق عهده، كاد يكون في حكم المنتهي، كاعادة الشاه الايراني المخلوع الى الحكم بعد حركة مصدق الديموقراطية، أو وضع الانفصال بين سوريا ومصر بعد وحدتهما التامة...

لدى الخوض في موضوع هام كهذا لابد من التأكيد على أن جملة من الأسباب مجتمعة أدت الى استمرار النظام الأسدي – البعثي في سياسة القمع والارهاب المنظم ضد شعبنا الكوردي السوري، وجملة أخرى من الأسباب أدت الى اضعاف المعارضة الوطنية والديموقراطية السورية عامة وحركتنا الوطنية الكوردية خاصة، بحيث لم تتمكن من تحقيق أهدافها المعلنة وايقاف النظام عند حده، وهي حركة ديموقراطية الاتجاه، سلمية ومدنية، لم تقم في يوم من الأيام بالكفاح المسلح المشروع شرعا ودوليا (في حالات الدفاع عن النفس والأرض والقوم والحقوق)، في ذات الوقت الذي تفتخر فيها شعوب قريبة وبعيدة بأنها تمارس هذا الحق وتسير على هذا الطريق... ومن أسباب ضعف هذه الحركة:

- الجو الاستبدادي العام في البلاد، حيث لم يترك النظام القائم أي مجال للحريات السياسية والاعلامية والتنظيمية.
- ضحالة الثقافة الديموقراطية عموما وفي الوسط الكوردي السياسي بشكل خاص، بل ضحالة هذه الثقافة في الحزب السياسي الكوردي والجمعية الكوردية وحتى في العائلة الكوردية.

- هشاشة التراكيب التنظيمية الكوردية، والالتزام الباهت تنظيميا، بدليل أن الخلاف بين مسؤولين في اجتماع أو كونفرانس سرعان ما يؤدي الى انشقاق تنظيمي شاقولي من قمة الهرم الى قاعدته...
- التباين في الأداء والأسلوب النضالي ضمن ذات الدائرة التنظيمية، في مختلف المستويات.
- عدم وجود مؤسسات كوردية قوية متماسكة وذات تقاليد علمية وتاريخية...
طبعا هناك أسباب أخرى عديدة تتعلق بالتكوين الاجتماعي – الديني – الثقافي للمجتمع الكوردي، والمرحلة الحاضرة من كفاح الأمة الكوردية، وجملة أخرى من الأسباب المتعلقة بالعالم الخارجي والمصالح الأنانية للقوى العظمى وسائر الذين يتبجحون بأنهم حماة الحقوق المدنية والحريات الانسانية ولكنهم في الحقيقة لايرون أبعد من أنوفهم التي تشم روائح المنافع المالية والمصالح السياسية الخاصة بهم فقط...

في هذه الأجواء العصية، اشتدت هجرة الكورد إلى دول العالم المختلفة، لأسباب سياسية واقتصادية متداخلة في بعضها بقوة، وبخاصة الى أوروبا الغربية والقارة الأمريكية واستراليا، ومن قبل انتشار الكثيرين من الطلاب الكورد في دول المنظومة الاشتراكية، وصاروا فيما بعد مهندسين وأطباء أو تجارا، ومكث جزء منهم في تلك البلدان أو انتقلوا الى دول العالم الغربي.... ومن الغريب أن هناك المئات من الكورد السوريين في دولة صغيرة وفقيرة كقبرص مثلا، وعدد كبير من الذين يفقدون حياتهم غرقا أو عطشا أثناء الانتقال بالقوارب من تركيا الى اليونان من الكورد...ويمكن الحديث الآن عن جاليات كوردية سورية كبيرة حقا في بلدان (ألمانيا، فرنسا، هولاندا، بلجيكا، سويسرا، السويد، بريطانيا، ايطاليا...) ولا توجد دولة هامة في العالم الغربي إلا وينتشر فيها الكورد السوريون، من عمال ومثقفين ونشطاء سياسيين وأطباء ومهندسين وحقوقيين ومن سائر المهن الأخرى...

هؤلاء الكورد السوريون، سعوا من قبل سنوات عديدة لتشكيل جمعيات لهم يدافعون من خلالها عن قضية شعبهم المضطهد في سوريا، ولربما تكون أقدم تلك الجمعيات (اتحاد أكراد سوريا) و (رابطة أكراد سوريا) في عام 1978أو1979 بمدينة بون الألمانية، حيث كانت تلك المدينة عاصمة البلاد آنذاك، ثم تم حل الأخيرة منها وتحول اسم الاتحاد بعد سنوات قلائل في مؤتمر عام الى (الاتحاد الديموقراطي لكوردستان سوريا)...

إلا أن الجمعيات التي كثرت مع الأيام لم تعد تفي بالغرض المطلوب، ألا وهو ضرورة التصدي للمشاريع العنصرية والتقتيل الذي يمارسه النظام الأسدي– البعثي ضد الشباب الكوردي وحملات الاعتقالات المستمرة للناشطين الديموقراطيين السوريين عامة والكورد منهم خاصة، وسياسات خنق الأصوات الحرة المعارضة بأتفه الذرائع في سوريا...فقويت تنظيمات الأحزاب الكوردية خارج البلاد، وتضامنت في فترات معينة، ومنها ما شكلت فيما بينها هيئات مشتركة للدفاع عن الشعب الكوردي والمطالبة بحقوقه القومية العادلة وفضح السياسات الاستثنائية للنظام ضد هذا الشعب، إلا أن معظم هذه الهيئات بغض النظر عن أسمائها ومكوناتها ودوافع تأسيسها وشخوصها ظلت خاضعة لأوامر قيادات أحزابها في الداخل السوري، وهي أوامر صريحة وواضحة تحث على الالتزام بالخط العام للحركة الكوردية السورية التي لا تستطيع لأسباب عديدة الخروج كما يبدو من اطار معين من أشكال التعبير السياسي والنشاط العملي... وموقفها السلبي تجاه محاولة تأسيس "مجلس وطني كوردستاني – سوري" خارج البلاد جلي لا يمكن لأحد التهرب منه، في حين أن الجاليات الكوردية السورية خارج البلاد لسعة انتشارها الجغرافي (الآسيوي- الأوربي- الأمريكي) أحوج ما تكون لمثل هذا المجلس...

كانت لدينا منذ سنوات عديدة النية والعزم لبناء حراك كوردي سوري على الصعيد الدولي لا يشكل احراجا لتلك القيادات، فساهمت شخصيا مع ناشطين آخرين لسنوات عديدة بقوة في مختلف أعمال (الاتحاد الديموقراطي لكوردستان – سوريا) ومشروع احياء (بارتي ديموقراطي كوردستاني – سوريا) وساهمت بنشاط في لجنة مناقشة مشروع (المجلس الوطني الكوردستاني – سوريا) ومناقشات مؤتمره التأسيسي ببلجيكا أيضا، دون الانتساب اليه كعضو لأسباب مختلفة، ودعمت كل المحاولات الرامية الى بناء حراك كوردي سوري، بل في بعض المحاولات لبناء معارضة ديموقراطية وطنية سورية مثل (التحالف الديموقراطي السوري) على الصعيد الدولي لايلتزم بالخط الذي تلتزم به الأحزاب في الداخل، وبخاصة في نقطة (الموقف من النظام القائم في البلاد) لرفع العتب والاحراج عنها، إلا أن بعضهم قد فهم ذلك بشكل خاطىء تماما، حيث ظن البعض بأننا نعمل على خلق بديل لهذه الأحزاب التي لا يشك أحد في أنها ناضلت نضالات مشرفة في تاريخها الطويل ضد الاضطهاد الشوفيني العنصري الذي يعاني منه شعبنا الكوردي وقدمت تضحيات كبيرة ...

طبعا، كان ولايزال هناك ناشطون آخرون وكثر، من مختلف التنظيمات السياسية الكوردية ومن الشخصيات الوطنية والمثقفين خاصة، بل هناك تنظيمات بكاملها، تسعى من أجل بناء حركة كوردية سورية دولية، لاتصبح سببا لاحراج القيادات في الداخل ولاتلتزم في الوقت ذاته بأوامرها الحزبية، وبذلك يمكن لها أن تساند مثل هذه الحركة غير الملتزمة تنظيميا بفصيل من فصائلها في ذات الوقت الذي يمكن لها أن تبرىء نفسها من مسؤولية القيام بنشاطات معارضة "فاضحة" خارج البلاد، وترد اتهامات النظام الذي لايسمح بشيء يعتبره نقدا له، لا في الداخل ولا في الخارج، وكأنه حكم الهي أو قدر محتوم على الشعب السوري قبوله كحكم الفراعنة في مصر القديمة...

نعم، الكورد السوريون خارج البلاد مطالبون ب"بناء حركة دولية لهم، لا تخلط بين الثوابت والمتغيرات" التي سنعود اليها في الحلقة التالية بإذن الله، وذلك بحكم أهمية تواجدهم وانتشارهم الواسع وتنوع طاقاتهم، وقدرتهم على تمويل الحركة السياسية والثقافية والفنية والرياضية والاجتماعية داخليا، وحسب علمي فإن منتسبي حزب كوردي سوري واحد، كانوا يساعدون قيادة حزبهم بكثير من الأموال سنويا، ولأن الالتزام بفصيل من فصائل الحركة الوطنية الكوردية في الداخل لا يستطيع شمل كل صفوفهم وحشد جميع طاقاتهم الهائلة، بسبب الخلافات الحزبية... كما أن الالتزام بهيئة مشتركة لأحزاب الداخل تم تشكيلها في الخارج (مع فائق الاحترام لكل من يعمل في اطار هكذا هيئة نضالية) لايفي بالغرض المطلوب أيضا لأن مجموع الفصائل المنضمة لمثل هذه الهيثة تعلن التزامها الصريح بأوامر قيادات الداخل التي نقدر ظروف اتخاذها لقراراتها بصدد نشاطات الخارج...

ولذا فإنني أدعو التنظيمات المؤمنة بمثل هكذا اتجاه، والتي تعمل لتدويل القضية الكوردية السورية فعليا، وكذلك مختلف الأشخاص الوطنيين والكوادر الحرة في مختلف التنظيمات التي نكن لها الاحترام جميعا دون استثناء، اضافة الى كل الذين قاموا بنشاطات وفعاليات لجمع شمل الكورد السوريين وتوظيف طاقاتهم في سبيل نصرة شعبهم وانتزاع حقه القومي العادل، أينما كانوا، وبخاصة أولئك الذين طرحوا مشاريعا جادة لذلك من قبل، الى دعم تلك الفئة المناضلة العاملة على وضع أسس ثابتة لنضال عملي في هذا الاتجاه الضروري والهام، والا فإن النظام سيزيد من ضغطه على قيادات الحركة بهدف التضييق عليها وشل حركتها وتفتيتها متى ما شاء وصرف أنظار منتسبيها عن سياسة الصهر القومي الشرسة والدائبة ضد الوجود القومي الكوردي في البلاد بافتعال أزمات كوردية داخلية، أو اصطناع مشاكل في قيادات حزبية ما...

القضية الكوردية السورية ليست مجرد استعادة لحق مواطنة (عربية سورية) وانما هي قضية شعب ولايمكن حل قضايا الشعوب بمعزل عن التفاعلات والعلاقات الدولية المتداخلة والمجتمع الدولي...
((2)) في القريب العاجل إن شاء الله...


 

 
Link

News

Kdps

Gotar

W๊ne

Stran

T๊kil๎

أتصل بنا

أغاني

صـور

مقالات

ك.د.ب.س

أخبار

مواقع الكترونية