المثقف والمساهمة في انجاز الصورة المعادية

جان كورد، ‏الجمعة‏، 29‏ كانون الثاني‏، 2010
كتبت العالمة الاجتماعية كارين بريستر مرّة بأنه من أجل تعريف "العنصرية" يتحتم "كتابة تاريخ العنصرية"....ولكن من أجل البحث الدقيق عن تأريخ العنصرية يجب أن يكون هناك تعريف محدد له، وإلاّ فسيقف المرء حائراً عما يبحث ويضع له تاريخاً... فهل كانت "العنصرية" موجودة عبر التاريخ البشري كله، أمّ أنها ترتبط بشكل موثوق بتاريخ الاستعماري الأوروبي لبلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا وأستراليا؟....

بنى الفيلسوف الاغريقي أرسطوطاليس في القرن الرابع قبل الميلاد نظريته حول التقسيم غير العادل للمجتمع الإنساني على أساس أن الإنسان"الحر" هو إلهي من وجهة نظر الاغريق، والآخر "العبد" هو حيواني أو من البرابرة المتوحشين...فاقترنت العنصرية بابتكار "صورة معادية"، ساهمت فيها عدة عوامل منها المستوى الاجتماعي، المصدر الاثني، الدين المختلف، اللغة المختلفة، مع الامعان المستمر في توضيح وتقوية تلك الصور المعادية، بحيث وصل الأمر إلى اعتبار القوم الآخر مصدر كل بلايا المجتمع وسبب الكوارث والغضب الالهي، ولذا فإن الضحايا المقدّمة للآلهة كانت في المجتمعات الإنسانية القديمة في معظم الأحوال من العبيد والغرباء الذين كان يتم اصطيادهم أحياناً كالحيوانات المتوحشّة...

ونعلم من القرآن الكريم أيضاً عن المصريين في عهود الفراعنة السحيقة أنهم كانوا يضطهدون اليهود ويقتلون أبناءهم ويستحيون نساءهم ويشرّدونهم في الأرض....وهكذا فعل بهم الآشوريون والبابليون الذين احتلّوا فلسطين أثناء سبيهم في ثلاث موجات متتالية بين عامي (721 و 586 قبل الميلاد) من أورشليم (القدس) إلى بابل، وأمعنوا في إذلالهم واستعبادهم وارهاقهم، بأن خلقوا للاسرائيليين لدى الشعبين اللآشوري والبابلي "صورة معادية" ظلّت سائدة حتى القضاء قضاء مبرماً على الدولة الآشورية وتدمير (نينوى) في عام 612 ق . م بالتعاون بين الميديين والبابليين.

ولاشك أن مثل هذه الصور المعادية المبتكرة وُجِدَت في مختلف الحضارات البشرية، إذ بدون الاستعانة بهكذا صور تقلل شأن الشعوب الأخرى والناس المختلفين في صورهم وألوانهم ولغاتهم وأديانهم كان يصعب خوض حروب الغزو والاحتلال التي تتخذ في معظم الأحيان حالات النهب الشامل والتقتيل وحتى الابادة العرقية أو القومية، سواء على مستوى القبائل البدائية أو على مستوى الامبراطوريات العظيمة... وهذه الصور المعادية كانت تنعكس واضحة في القوانين والأعراف الناجمة عن الاحتلال والغزو لدى القوم السائد...

في القرن الثامن عشر الميلادي، وبعد ثلاثة قرون من بدء مسلسل الحروب الاستعمارية التي شنتها الدول الأوربية، وبخاصة بريطانيا واسبانيا والبرتغال وفرنسا وهولاندا وبلجيكا وألمانيا وايطاليا، فقد تأسست في أوروبا "صورة" خاصة بالانسان الأوربي، على المستوى الاجتماعي والثقافي والسياسي، بل الديني أيضاً، إطارها الواضح يرينا الإنسان الأوربي كأنموذج للإنسان الذكي، العاقل، المتمدّن، الحر، السيّد، والذي له الحق في الحكم، ليس في بلاده فحسب وانما في العالم كله وتقرير مصير الشعوب، ووضع القوانين وفرض شروط الملكية وتحديد حدود الحريات الممنوحة، ورسم حدود البلدان والأوطان، ومتى يحق لهذا الشعب أن ينال استقلاله أو إلى متى يبقى في دائرة العبودية... طبعاً ما كان يمكن الاستمرار دون انتهاج سياسة "عنصرية" قائمة على الفوارق البيولوجية الطبيعية، الظاهرة على القامة والوجه واللون وشكل الجمجمة وغيرها، وعلى الفوارق الاجتماعية، ومستويات التطوّر العلمي والفني والصحي، بين شعوب أوروبا والشعوب الأخرى...إلاّ أن العديد من دارسي "العنصرية" يجعلون من عام (1492م)، عام بدء الاستعمار الاسباني لمناطق وبلدان في أمريكا اللاتينية، واستعادتها لغرناطة (غرانادا) من الماوريين (المغاربة والعرب)، هذا العام المعروف باسم (ريكونغويستا)، بداية لتأريخ "العنصرية" التي لا تزال مع الأسف سائدة في عالمنا المعاصر، وتأخذ في أوروبا اليوم قناعاً ثقافياً، حتى أن النازيين والفاشيين الأوربيين الجدد يتفادون استخدام مصطلح "العنصرية" الآن، ويتحدثون ويكتبون عن "الاختلاف الثقافي" بينهم كأنموذج "حضاري بشري" وبين "المسلمين ذوي اللحى الكثيفة ونسائهم المقنعات الذين يتحيّنون الفرص لالغاء الدساتير الأوروبية وذبح الأوربيين باعتبارهم كفاراً يجب انهاء حضارتهم الفاجرة، حتى ولو اقتضى ذلك ابادتهم بأسلحة الدمار الشامل!"...ومع الأسف فإن هناك دوائر مسيحية ومسلمة (متطرّفة)، وعلى أعلى المستويات الثقافية والدينية تساهم في توضيح هذه الصورة ونشرها بصورةاعلامية فاضحة يوماً بعد يوم...

وكتاريخ "العنصرية" كثقافة ساهم فيها الشعراء والأدباء بقوّة، يجب أن لانهمل هنا تلك المرحلة السوداء من الحرب الثقافية بين شعراء وكتّاب (العرب والعجم) أثناء قيام الدولة العباسية، فالعروبيون كانوا يوظّفون الدين الإسلامي والانتصارات العربية في الحروب والغزوات التي سموّها ب"الفتوحات"، لأن تكون الخلافة منهم وفي أيديهم باستمرار، وكانوا يتهمون كلّ من يعارضهم في سلطانهم وملكهم الواسع الذي أخذوه عنوة في معظم الأحيان، وبرروها بآيات قرآنية وأحاديث شريفة حول (الفتح والاحتلال)، وفسروها كما يحلو لهم ويوافق مصالحهم، ب"الشعوبية" أي "النزعة القومية" في حين أنهم كانوا يفرضون لغتهم القومية بعكس النص الصريح في القرآن الكريم (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم) حتى على أهل الجنة جميعاً، دون سائر لغات البشرية.

ومهما تلطّفنا في إظهار تلك الأجواء من تاريخ المنطقة، فإنّ تلك المعارك الثقافية الواسعة لم تكن إلا اسهاماً صارخاً من المثقفين، من الطرفين، في اثارة وتوضيح وتقوية "الصورة المعادية"... ولاتزال آثار تلك المعارك الساخنة ظاهرة في تأريخ الأدب العربي والأدب الفارسي لايمكن لأحد انكارها، بل إن مصطلح "عائلة السيد" أو "الاسياد" منتشرة بشكل واسعة في مختلف العالم "الشعوبي" أو لنقل "العجمي" وبين الأقليات غير العربية، وذلك لأنه عن طريق ربط العائلة بشجرة (آل البيت) كان الطريق الوحيد لتمتّع أبنائها بالمناصب العليا في الدولة، فالخلافة والسلطنة والرئاسة يجب أن تكون عربية، ومن أخذها من غير العرب فإنما كانت عنوة وبحد السيف، وحادثة القضاء على أبي مسلم الخراساني شهيرة، حيث رُسِمَت لدى المثقفين العرب آنذاك "صورة عنصرية معادية" تماماً لغير العرب، ومنها الصورة المعادية للكرد، إذ يقول شاعر عربي على أثر الغدر بأبي مسلم الخراساني:

أفي دولة العباس أردت غدره ألا إنّ أهل الغدر آباؤك الكورد على الرغم من أن أبا مسلم الخراساني هو الذي قضى على المبراطورية الأموية في دمشق، ونقل مركز الخلافة منها إلى بغداد ليسلّمها إلى أحد أعضاء (آل البيت) لأن هؤلاء حسب ما تعلّمه من شيوخه الدينيين، هم الأحق بها من غيرهم... فمساهمة المثقف (الشاعر) في تصوير الكورد المغدور بهم هنا كأهل غدر، مساهمة واضحة لاغبار عليها، رغم أن أبا مسلم لم يعلن نفسه خليفة للمسلمين وانما كان مجرّد واسطة نقل لها من الأمويين إلى العباسيين ومع ذلك غدروا به وقتلوه قتلاً شنيعاً...

على الطرف الآخر، نرى أيضاً مساهمات قوية من المثقف (الشعوبي) في تغذية نار العنصرية، أو لنقل (ضد السامية) باعتبار أن العرب ساميون...فالشاعر المتوكلي بعد افتخاره بأنه من نسل جم وحائز إرث ملوك العجم، ويشيد بالأبطال الذين حملوا راية (الكاويان) التي يأمل في ظلها بحد السيف وسن القلم أن يسود العالم، يوجّه كلاماً عنصرياً بغيضاً إلى العرب، ويعتبر (بني هاشم) قوماً لا يرعون الذمم، ويراهم مجرّد أكلة للضباب ورعي الغنم عليهم العودة إلى جزيرتهم ...

وأعترف بأنني اخذت في كتاب لنا هذه الصورة السيئة في الجملة الأخيرة – آسفين- في لحظة غضب للرّد على العنصري الشهير محمد طلب هلال الذي احتقر الكرد ودعا إلى القضاء عليهم في تقريرهالسيء الصيت عن محافظة الجزيرة والحسكة في عام 1962م)...

الصورة المعادية للكرد في منطقة الشرق الأوسط، لم تأت من مصطفى كمال وسياسته القومية الحاقدة على الشعب الكردي فقط، أو من شرذمة صدام حسين المجرمة فحسب، وانما ساهم فيها مثقفو الطورانية الذين كانوا يسمّون أنفسهم ب"الذئاب الغبراء" والاعلام التركي، وكذلك العديد من المثقفين العرب والفرس، الذين تطرّقوا إلى تأريخ القوم الكردي، فلم ينصفوه ولم يستخدموا العقل لصالح التعارف والتقارب بين شعوبهم وبين الشعب الكردي حسب ما يطالبهم به دينهم المشترك (يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وانما ساهموا في تغذية كراهية السياسيين للكورد، فصوّروهم كأشقياء جبليين ديدنهم النهب والسرقة والغزو، يعبدون "الشيطان" وأصلهم من الجن، عرب (استكردوا في الجبال) ونسوا لغتهم وقومهم، أو أتراك الجبال الذين نجم اسمهم "كورد" من صوت الثلج الذي يتكّسر تحت الأحذية في الشتاء...و...و... حتى صار المواطن العربي والفارسي والتركي يخاف الكردي الوحشي ولا تفارق صورته المعادية ذهنه...وكم من معلمي المدارس العرب في منطقة جبل الأكراد المفزع اسمه بكوا مذعورين في أوّل يوم لقدومهم إلى القرية التي تم تعيينهم فيها!...

ومع الأسف فإن مساهمة المثقف في خلق الصورة السياسية المرعبة "المعادية" للكرد مستمرة بأشكال مختلفة، وبخاصة في الاعلام التركي وأوساطه السينمائية، ومن المثقفين العرب من يتهمهم في كتاباته ب"الانفصاليين"، ومنهم من يعتبرهم "حلفاء عدوتهم الأولى اسرائيل"، ومنهم من يجعلهم "ألعوبة بأيدي أمريكا والصهيونية العالمية" ويتوعدّهم بالابادة والذبح في حال خروج الأمريكان من العراق، ومنهم من يرفض حتى أدنى شكل من أشكال الإدارة الذاتية لهم في سوريا، في ذات الوقت الذي لايرى حرجاً في اقامة دولة فلسطينية من قطعتي أرض غير متلاصقتين، ومنهم من يدعوهم إلى الدين الحنيف ثانية، وكأنهم خرجوا منه بالافصاح عن مطالبهم القومية في (حق تقرير المصير) المعترف به دولياً... ومنهم من يساهم بشكل علني دنيء على سرقة موسيقاهم ليل نهار ليستخدمها كمؤثرات في المسلسلات العربية والتركية، دون أي ذكر لمصدرها الكردي، حيث لفظتا "الكرد وكوردستان" من الممنوعات في عالم الثقافة الوطنية....وهكذا حتى تظهر الصورة الكردية قاتمة لدى الشعوب بمساهمات متعددة الصور والأشكال من قبل المثقفين ومنتجي الأفلام وكتّاب السلاطين، ينفخ فيها العنصريون والشوفينينون بقوّة حفاظاً على مصالحهم ومناصبهم وتحقيقاً لأحلام في أذهانهم المريضة...

وعلينا أن لاننكر في الجانب الكردي أيضاً أن ثمة من ينفخ في نار العداء القومي الخطير، فيرفض حتى وضع يده في أيادي الأصدقاء من أبناء وبنات القوميات السائدة المجاورة، فيقع في ذات الخطأ الذي وقع فيه الآخرون، ولذا فإنّ من واجب المثقف الكردي عدم المساهمة في نفخ نار العداء القومي، والبحث عوضاً عن ذلك عن أساس متين وطريق سليم للالتقاء والتقارب على أساس الاحترام المتبادل والاعتراف بقضية الشعب الكردي كقضية (شعب وأرض) بين قضايا الشعوب المماثلة، وليس كمجرّد موضوع "رعايا" دون أي رابط قومي تاريخي أو دون وجود أي قطعة أرض لهم في البلاد... وهذا يعني تشجيع الحوار من أجل ازالة "الصور المعادية" المعشعشة في أذهان الجميع والتي تحدّق في وجه بعضها بعضاً بتناقض وتعاكس وعداء...
ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم...
 

 
Link

News

Kdps

Gotar

Wêne

Stran

Têkilî

أتصل بنا

أغاني

صـور

مقالات

ك.د.ب.س

أخبار

مواقع الكترونية