الحركة السياسية الكوردية في سوريا

ومحاولة الخروج من القمقم

(حوار في غرفة البالتوك: غرب كوردستان)

جان كورد

 

البارحة في 15/1/2007 مساءً اتصل بي الفنان الوطني المعروف "شه ﭭ ﮔر" تلفونياً من السويد وأبلغني بأن غرفة البالتوك التي يشرف عليها ستفتح حواراً واسعاً بين مسؤولين من مختلف الأحزاب الكوردية "السورية" بدءاً من الساعة الثامنة والنصف مساء وإلى وقت متأخر من الليل. وفهمت منه بأنه تعرّض قبل يومين إلى تهديد مباشر من قبل منضم إلى حوار سابق استخدم الويب كام وهو مقنع كإرهابيي صدام حسين مطالباً إياه باغلاق غرفة البالتوك خلال عشرة أيام، وهذه الغرفة تعتبر إحدى النوافذ القليلة التي يطل منها الناشطون الكورد السوريون في مختلف أنحاء العالم ليتحدثوا بصراحة عما يجيش في قلوبهم من مشاعر وليعرضوا أفكارهم وتصوراتهم ولينقلوا انتقاداتهم لزعمائهم السياسيين أوليتنادوا من خلالها من أجل نشاط علني وديموقراطي في مكان ما من العالم. وحقيقةً فإن هذه الغرفة في الطليعة من حيث رحابة صدر القائمين عليها "الآدمين" ومنهم كوردي من شمال كوردستان أيضاً يقوم بخدمة الغرفة يومياً باحترام فائق كمؤازر لأبناء وبنات شعبه المحرومين من كل أشكال الإعلام الحر التي في متناول شعوب العالم الأخرى، اللهم سوى غرف البالتوك التي تتعرّض هي الأخرى لتشويش مستمر ومداخلات حقيرة وبذيئة فجائية ومتواصلة، كما حدث البارحة أيضاً، من قبل عملاء وأجراءالنظام والقامعين لحرية الرأي معاً وبخاصة من قبل العاملين لاقصاء فصائل معينة من الساحة الكوردية لأسباب ذاتية تتعلّق بضعفهم النفسي أمام سماع أو رؤية من يجهر بالنقد لهم ولتصرفاتهم الصبيانية أحياناً، وهم يحاولون ارجاع عقارب الساعة إلى الوراء وتصفيف الحركة الوطنية الكوردية كلها خلف أصنامهم وعقيدتهم السياسية المهترئة..... وحقيقة فإن استمرارالمشاغبين لايهم إن ظل في حدود معقولة ولكنهم هذه المرّة قد نزلوا إلى الدرك الأسفل من البذاءة في مقاطعة المتحدثين، وكأنهم قد خرجوا من بيت القمامة السياسية مباشرة، حيث أضطر العديد من المشاركين في الندوة، وكانوا أكثر من مائة وخمسين إنساناً، من شتى أنحاء العالم، إلى الخروج من الغرفة...

وهذا يظهر إلى أي مدى قوية هي فعالية الإعلام الحر وغير المتحزب في التأثير، بحيث يصرف الأعداء وأشياعهم من قامعي الرأي الحر وقتاً طويلاً للتشويش على غرفة بالتوك، ويذكرنا هذا بمحطات التشويش التي كان الصداميون يستخدمونها بالتعاون مع أعداء الكورد الآخرين لاسكات أو خنق "اذاعة صوت كوردستان" التي كانت تنقل أخبار ثورة أيلول الكبرى التي قادها القائد الخالد  مصطفى البارزاني (1961-1975)...

لابد وأن أشكر الأخ المناضل "شه ﭭ ﮔر" على رعايته اليومية لهذه الغرفة الانترنتية التي تأخذ حيزاً كبيراً من حياته اليومية وتستنزف طاقاته التي كان يمكن صرفها في مجال الفن، حيث أنه مغن محبوب أيضاً، أو في القراءة الممتعة، حيث لاحظت اهتمامه الفائق باللغة الكوردية، أو في قضاء أوقات السهرة مع عائلته التي تجابه كل يوم صراخاً ومحادثات مدوّية وتسمع تلفونات متتالية ومداخلات شاقّة وتدفع أثمان الكهرباء والاتصالات من خبز يومها، منذ فترة طويلة من الزمن، دون أن يقدّم تنظيم كوردي ما مساعدة منتظمة وفعّالة للتخفيف عن هذا الرجل في القيام بكل الأعمال الكثيرة التي تتطلّبها غرفة بالتوك بهذا المستوى، من حيث الأهداف والاهتمام، حيث يجب الاتصال قبل وأثناء وبعد كل ندوة ببلدان عديدة وبالوطن أيضاً لمخاطبة المحاورين و...و... وبالفعل فإن هذا المناضل الكوردستاني يحترق ليضيء ما حوله... ولابد أيضاً أن أشكر فريقه الملتزم والواعي والمدرك لأهمية مثل هذه الغرفة في وقت لانجد فيه نحن الناشطون الكورد السوريون سوى غرف البالتوك للتواصل من بعيد وبشكل يومي، ونحن قابعون في منازلنا...

هذا عن الغرفة التي يجب أن لايقل اهتمامنا بها وبالقائمين عليها عن الموضوع، أما حول الموضوع ذاته فما علي إلاّ أن أشكر كل هؤلاء المسؤولين من مختلف الأحزاب الكوردية الذين شاركوا في الحوار، وبخاصة الذين انضموا من داخل الوطن إليه، على الرغم من ظروفهم السيئة والفارق في الوقت بين أوروبا والوطن، وما يتعرّضون إليه أيضاً من تشويشات وتهديدات وتقريعات أثناء مداخلاتهم من قبل من يمكن وصفهم بالأشقياء...

ربما اعتذر بعضهم عن المشاركة أو لم يتمكن من متابعة البرنامج حقاً لأسباب فنية أو شخصية، وهذا أمر طبيعي، ولكن يمكن القول بأن عدداً لايستهان به من ممثلي أحزابنا الكبيرة والصغيرة، الكوردستانية والكوردية، الديموقراطية واليسارية، القوية والضعيفة، الملتزمة بالاعلان الدمشقي والرافضة له، قد ساهموا في اثراء الحوار الذي نأمل في توسيعه واستمراره حتى يكون الشارع الكوردي على اطلاّع، ولو جزئي، بما يدور حقاً في الطوابق العليا لحركته السياسية، وليقارن ويأخذ ما يناسبه ويدع ما يضر به، ونقترب بذلك من بعضنا بعضاً بشكل أفضل وأكثر فائدة لشعبنا المظلوم والمحروم....

فكان هناك أعضاء من المكاتب السياسية ورؤساء وأعضاء لجان مركزية وكوادر من مستويات عليا، ومنهم منتسبون من  شقي البارتي الديموقراطي الكوردي في سوريا، ومن شقي اليكيتي، أي من التحالف والجبهة، من آزادي والتقدمي وبارتي ديموقراطي كوردستاني سوريا ومن حركة التغيير الكوردستاني في سوريا ، وحسب علمي لم يتمكن الإخوة من الاتحاد الديموقراطي والوفاق وتيار المستقبل من المساهمة لأسباب قاهرة... وهذا يعني أن الناشطين الكورد قد أصبحوا في مستوى من التحضّر السياسي وهجروا مستويات العشيرة والمرعى ليقولوا للعالم بأننا نمثل معاً شعباً يناضل من أجل حقوقه المهدورة في بلاد تقمع فيها الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان...

الأسئلة المطروحة للنقاش كانت حول: ( الانتفاضة / الحدث في آذار 2004، إعلان دمشق ومدى أهميتها بالنسبة للقضية الكوردية والحركة الكوردية، الفيدرالية / الحكم الذاتي/ حق تقرير المصير، السعي لانشاء مرجعية سياسية كوردية سورية...)

لقد أبدى كل وجهة نظره حول النقاط المطروحة في راحة وهدوء وعدم تشنج ولمدة تكفيه من الزمن للتعبير عن كل خطوط سياسته الحزبية وآرائه كمسؤول قيادي حول الوضع السياسي العام والمصطلحات والأهداف وأسباب المشاكل... وطبعاً لايجد المرء فوارق كبيرة في نقاط عديدة بين تنظيمات عديدة، وبخاصة المنضوية إلى التحالف الديموقراطي الكوردي أو الجبهة الديموقراطية الكوردية، بحيث يتساءل بعض السامعين:

 إذاً لماذا لايتحد هذان التكتلان الكورديان طالما ليست هناك فوارق أساسية بينهما في وجهات النظر حول المسائل الأساسية المتعلقة بالشعب الكوردي والظروف الدولية والاقليمية الحالية، وبخاصة فإن الخلافات الآيديولوجية تكاد تكون معدومة حالياً؟

 لم يكن هناك مجال لطرح الأسئلة من قبل السامعين إلى وقت متأخر، حيث خرجت من الغرفة بعد أن كنت قد قضيت قبل عقد الندوة ساعات أخرى مع الكومبيوتر، ومع موقع الانترنت (كورداخ) الذي أخدمه، ووضعي الصحي يزداد سوءاً يوماً بعد يوم... إلاّ أن ما أسرع أيضاً في خروجي من الندوة هو سماعي لكلام لم أعد أتحملّه، صدر من قيادي كوردي مرموق بلغة كوردية تكاد تكون معظم مرادفاتها عربية من الطراز الأوّل، وكأنه لم يكلّف نفسه، وهو القيادي في حزب كوردي، عناء تعلّم لغته الأم يوماً واحداً منذ انتمائه لحزبه المعروف عنه بأنه قد أصدر عدة مجلات باللغة الكوردية سابقاً.. ففي رأيه أن التأكيد على أن قضية الشعب الكوردي في سوريا هي "قضية أرض وشعب" يدفع بالمشروع الكوردي صوب "الانفصالية"، وهذا ما آلمني لأنه صدر عن قانوني وسياسي ومثقف وليس عن جاهل بهذه الموضوعات...

كانت هناك مداخلات جادة وقوية من الأستاذ فؤاد عليكو من حزب يكيتي الكوردي الذي أبدى تذمّره من بعض الممارسات غير السياسية لطرفي التحالف والجبهة بخصوص الموقف المشترك من موضوع "الانتفاضة" ومن "إعلان دمشق" ومن فكرة انشاء "المرجعية السياسية الكوردية" وكذلك من موضوع النشاطات الديموقراطية وتحديد الإطار القانوني الدولي لوضع الشعب الكوردي في سوريا... ويمكن القول بأن ما طرحه الأستاذ فؤاد عليكو قد أثار زوبعة في صفوف السامعين وأشار إلى مواطن الخلاف بين المنضمين لاعلان دمشق ومن خارجها، بين الساعين لاحداث طفرة نوعية في هذه الحركة وعلى مستوى القضية الكوردية، ويجدر بالذكر هنا أن مداخلة الدكتور دكتور توفيق حمدوش، رئيس بارتي ديموقراطي كوردستاني سوريا اتسمت بوضوح الرؤية والهدف فيما يخص الأسئلة المطروحة وزاد على ذلك أن الحركة الكوردية يجب أن تطرح مشروعها السوري بشكل مشترك إلى جانب مشروعها القومي الكوردي، حيث أن الكورد لايستطيعون دون وجود مشروع سوري لهم فرض مطالبهم حتى في سوريا ديموقراطية أيضاً، فالديموقراطية لاتعني منح الشعب الكوردي تلقائياً حقوقه التي يطالب بها. وكما يجدر شكر الأخ رزكار قاسم على شرحه المسهب والجيد لموضوع "الانتفاضة"... ماعدا ذلك لم يكن إلا جعجعة بلا طحين، دوراناً مستمراً في إطار شرعنة التحالف والجبهة، وفرض سياستهما الكلاسيكية وتصوراتهما عن "مرجعيتهما !"على الحركة الكوردية والمثقف الكوردي والشارع الكوردي. ولم ألمس أي تغيير في مسارهما ، من خلال مداخلات ممثليهما كبلابل تغرّد في أقفاص صنعت لهم لايقدرون على الخروج منها، ويدعون الآخرين إلى السكوت والانضمام إلى جوقة المطبلين المزمرين لاعلان دمشق الذي وصفه أحد زعمائه الأساسيين، رياض الترك، بأنه "لاشيء".

الحديث عن "مؤتمر وطني كوردي سوري" قادم كثير وممل ، قد تنبثق عنه "مرجعية" مؤطّرة بمفاهيم اللاتغيير، وهذا لن يخدم سوى فكرة "الوحدة بأي ثمن كان"، ونعلم بأن هدف الشعوب ليست "الوحدة " بحد ذاتها وانما الوصول إلى "الأهداف"، وبرأيي إن "إعلان دمشق" الذي يكتب بأحرف نورانية على جبين كل من التحالف والجبهة ليس عقداً مقدساً ولن يأتي بالحرية والديموقراطية أو بحقوق الشعب الكوردي، وهذا يجب أن يكون واضحاً لكل الذين يحاولون تدجين الشعب الكوردي وزج طاقاته في خدمة مآرب الذين طرحوا مشروع "إعلان دمشق" بالتناغم مع سياسة البعث الحاكم أصلاً... إن الأهداف العليا للشعب الكوردي ستتحقق باتباع السياسة التي يجب طرحها في هذه المرحلة، ألا وهي سياسة عدم التهرّب من كون القضية الكوردية هي قضية "أرض وشعب" وأن حزب البعث بات جملاً عاقراً وأجرباً في المجتمع الدولي، وأن على السياسة الكوردية الاستفادة من الأجواء الدولية لفرض وجود شعبه وتواجد حركته على المحافل الدولية وعلى النظام السوري الدكتاتوري وكذلك على المعارضة السورية على حد سواء، دون أي تنازل عما نراه جميعاً حقاً ديموقراطياً ووطنياً وقومياً، حسب المواثيق الدولية، لشعبنا في غرب كوردستان... إن الايغال في المزاودة باتجاه "الوطنية السورية" هو المرفوض كوردياً...وما يطالب به الشعب الكوردي وممثلوه ليس إلا أدنى حق من حقوق الشعوب دولياً... فأيهما المزاود؟!

لقد وصل البؤس ببعض المشاركين إلى القول بأنهم سيتمكنون من خلال "إعلان دمشق" هذا من اقامة علاقات مع المجتمع الدولي، دون أن يجيبوا عما إذا كان هذا الإعلان مهتم أصلاً باقامة مثل هذه العلاقات وعما إذا قام بأي جهد ظاهر للعيان في هذا المجال، وكأن الحركة الكوردية عاجزة عن اقامة علاقاتها بنفسها على الصعيد الدولي... ومن هؤلاء الذين أعتبرهم "عالة" على مسيرة التغيير والإصلاح في حركتنا السياسية من تفنن في أسلوبه بحيث لايضره إن طالب أحدهم بالفيدرالية في سوريا ولكن هو نفسه لايمكن زحزحته عما يراه "ديبلوماسية متوازنة"، وهو يدرك تماماً أن التغيير قادم وأن ديبلوماسيته المتوازنة هذه لم ولن تجلب شيئاً للشعب الكوردي... وأن سياسته هذه دامت حوالي النصف قرن ولم تأت لنا بالحرية، بل لم تتمكّن حتى من استعادة الجنسية للذين انتزعت منهم... محمود سفو، خليل ابراهيم، علي شمدين وعبد الرحمن آلوجي وزرادشت محمد محدثون كبار وسياسيون هادئون، ويراوحون في مكانهم ولا يطرحون شيئاً جديداً.. حتى بدأت أشك في جديتهم حول "المؤتمر الوطني المزمع عقده وحول إيمانهم أصلاً بمرجعية لاتخضع لسياسيتهم.... روني علي وفؤاد عليكو وتوفيق حمدوش و...و...يطرحون الجديد، ورغم انكار الفوارق والدعوة المتواصلة إلى حد الملل للوحدة، يبدو أن القمقم لم يعد يتمكّن من سجن العملاق.. الحركة الكوردية في انطلاق وتحرر، ويكاد المرء يتلمس نوعاً آخر من القماش الكوردي بعد أن اهترأت الأصناف الأخرى في مخازن السوق العتيق...