|
|||
|
العلويون في سوريا بين النظام النووي الايراني وسلفية حزالأعناق
جان كورد 29.06.2007 لو تعقبنا تاريخ العديد من العائلات العلوية في غرب سوريا في القرنين الماضيين فسنجد بأن منها ما يعود لأصول كوردية، نزحت أمام بطش الترك العثمانيين من المناطق الواقعة بين مثلث ديرسم – ديار بكر ومرعش في شمال كوردستان وسكنت منطقة ما يسمى الآن ب "جبال العلويين" في غرب سوريا، شأنها شأن الكورد الجانبولاتيين الذين كانوا سنة كالأتراك أنفسهم ولكنهم ثاروا ضد الدولة العثمانية فانتقم منهم الترك انتقاما فظيعا وأضطروا إلى النزوح صوب لبنان... ولا تزال ثمة آثار كوردية واضحة في الحياة الاجتماعية العلوية وبعض المفردات الكوردية في لهجتهم العربية، اضافة إلى مشابهتهم الكورد في شكل الرأس وتقاطيع الوجه، ولا حاجة هنا للاسهاب لضيق المجال... ولقد تطرقنا إلى ذلك في مذكرة قديمة لسيادة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في منتصف ثمانينات القرن الماضي أرسلناها إليه باسم جمعية "الاتحاد الديموقراطي لكوردستان سوريا" من ألمانيا... وأقول هذا لأطمئن الإخوة العلويين بأن الكورد لايضمرون شرا لهم ويريدون لهم الخير، كما أننا نرفض النظر إلى هذا المكون العريق من مكونات المجتمع السوري نظرة طائفية حاقدة أو تمييزية، بل على العكس نعتبر تطوير العلاقات بين الكورد المسلمين في غالبيتهم العظمى والعلويين مساهمة كبيرة في تمتين عرى الصداقة بين الأقليات والقوميات والطوائف وفي تعزيز الوئام السلمي في بلادنا، وبخاصة في هذا الوقت العصيب الذي يتميز بالتناحر والتخاصم ومحاولات البعض اثارة الفتن الطائفية والمذهبية في "أضعف حلقات المجتمعات الإنسانية" لغاية في نفوسهم الشريرة... وتأكيدا على ما أقول فقد نشرت في العام الماضي مقالة بعنوان "العلويون اخوتنا في الإنسانية وشركاؤنا في الوطن"، ووقفت ، مثل غيري من الأكراد الديموقراطيين، في عدة مناقشات بالتوكية في وجه أؤلئك الذين ينظرون بعيون ملؤها الحقد على هذا الطيف السوري الذي له تاريخ وطني حافل بالنضال ضد المستعمر الفرنسي وضد الوجود التركي الاستعماري في البلاد قبل ذلك... مع الأسف ، يبدو أن بعض مثقفي العلويين قد أخفوا رؤوسهم الآن في الرمال كالنعامة التي يداهمها الخطر، وهم ينظرون إلى النظام الحاكم في دمشق في وضع قلق، خاصة وإن الصورة العالقة في الأذهان منذ زمن بعيد هي أن النظام طائفي يقوده العلويون لأنهم يتحكمون بالجيش بقوة، والجيش في الشرق الأوسط أداة للحكم قبل أن يكون للدفاع عن الوطن، وتجربة سوريا في هذا المجال كبيرة... والقلق الذي ذكرته نابع من أن هذا النظام يعيش فترة تعيسة من عمره، قد تؤدي ضربة خفيفة من الخارج أو انتفاضة شارع من شوارع مدينة كبيرة بسبب مضايقات حكومية إلى انفجار شعبي هائل يقضي على "الدولة الأسدية" التي بدأت عام 1970... وستكون لأي انفجار شعبي في سوريا عواقب وخيمة بالتأكيد لهذه الطائفة التي يعتبرها بعض المتضررين من جراء سياسات النظام الخاطئة سببا من أسباب شقائهم، على الرغم من أن وضع الكثيرين من أبناء هذه الطائفة أيضا لايزال أسوأ من وضع غيرهم من السوريين وأن كثيرين منهم تعرضوا للاعتقال والسجن الطويل الأمد وهدرت أموالهم ودماؤهم أيضا... ولكن تجاهل حقيقة أنهم سيتضررون بقوة بسقوط النظام، كانوا معه أم لم يكونوا، هو هروب نحو الأمام، وخوف من رؤية الحقائق على أرض الواقع... لذا فالعلويين مضطرون لفتح نقاش موضوعي وبناء مع أنفسهم قبل الآخرين، والسؤال الأهم الذي يجب أن يجيبوا عنه هو: "أين مكمن الخطر؟" الخطر برأيي – كإنسان يراقب الوضع من مهجره البعيد - يأتي من تواجد النظام السوري"العلوي!" بين فكي كماشة لايستطيع الانفلات منها بسرعة، فمن جهة تعتبر "سوريا الأسد!" مجرد ساحة مواجهة مستقبلية بين ايران التي تسعى حثيثا لامتلاك قوة نووية هائلة واسرائيل التي تمتلك هذه القوة من زمن بعيد، وهاتان الدولتان في عداء شديد، ورئيس ايران يعلن بصراحة بأنه لن يتوانى عن سحق وتدمير وازالة اسرائيل من خارطة العالم، وهذا ما يعتبره الاسرائيليون أكبر الأخطار عليهم منذ التخلص من نظام أدولف هتلر النازي الذي رمى بالملايين منهم في المحرقة "هولوكوست"... ومن جهة آخرى يبدو أن النظام قد سار سيرا طويلا مع المنظمات السلفية الإرهابية في العراق إلى درجة أنه لم يعد يتمكن من الانفصام عنها، وها هو متهم بدعمها وتدريبها وتحريكها في لبنان أيضا... وهذا بحد ذاته خطر كبير على سوريا لأن انتشار وتقوية هذه المنظمات سيعود بمردود عكسي عنيف على الوئام الديني الذي لايزال والحمد لله موجودا إلى حد ما في سوريا ولم تتمكن تأثيرات الحرب الأهلية في لبنان لسنوات عديدة ولا الحرب العراقية الايرانية، ولا الحرب الداخلية بين النظام والإسلاميين في ثمانينات القرن الماضي من تحطيم هذا الوئام كليا أو تحويله إلى فتنة طائفية شاملة في بلادنا... ولكن الاستمرار في تغذية هذه المنظمات التي تقتل على الهوية وتحرق بإسم السلفية وتحز الرقاب لمجرد الخلاف معها على مسألة فقهية لن يكون في صالح الأقليات المذهبية والطائفية في بلاد توجد فيها أرضية واسعة وملائمة لتطور وتكاثر مثل هذه المنظمات... النظام الأسدي في عهد رئيسه الراحل حافظ الأسد، رغم كل الجرائم والمجازر المرتكبة ضد الأكثرية السنية، وبخاصة في مدينتي حماه وحلب، كان يدرك حراجة الموقف عربيا فيما اذا مال تماما إلى النظام الايراني بحكم الجذب العقيدي، لذا فإنه رغم تعاونه التام مع ايران في الحرب مع العراق لم يفكر يوما بقطع صلاته العميقة مع المملكة العربية السعودية التي كانت ترى في ايران خطرا جسيما محدقا بها، واستطاع النظام كسب ثقة العرب ثانية بأن انتهز فرصة اجتياح الجيش العراقي أرض الكويت ليرسل بعض قواته إلى جانب من كان يعتبرهم آنذاك "أعداء الأمة العربية من الامبرياليين والصهيونيين والرجعيين!" بهدف تحرير الكويت من المنافس البعثي رقم "1"، صدام حسين ... ولعب ذات اللعبة المتوازنة في أثناء حرب لبنان الداخلية بأن بدا باستمرار وكأنه لايتحرك دون نصائح السعوديين والمصريين، بل كان يبدو أحيانا كقوة عربية ثالثة متممة للتحالف السعودي – المصري – المغربي... إلا أن الوضع يختلف الآن، فالنجل الذي فتحت له أبواب دمشق ليستلم الحكم خلفا لأبيه يبدو وكأنه يهزأ بالماضي السياسي لنظامه، إذ جعل من نظامه المعزول، عربيا ودوليا وداخليا، كوكبا تابعا يدور في فلك السياسة الطائشة لدولة الملالي، رغم انكاره ذلك، فالمواقف السورية والايرانية متطابقة ، سواء في العراق أو في لبنان، كلاهما يستخدمان حزب الله، الأول في العراق، والأول والثاني معا في لبنان، وكلاهما يساهمان بقوة في تمديد بقاء قوات التحالف الدولي في العراق، من خلال مساندة بقايا البعث المنبوذ ومختلف المنظمات الارهابية، وذلك لاقتناع النظام بأنه قادر من خلال استمرار الدعم الايراني له على جعل العراق فيتناما جديدا لأمريكا، عندها ستقبل الادارة الأمريكية يديه، وتضغط على اسرائيل لتعيد له الجولان دون شروط قاسية وتحرره من تهم "المحكمة الدولية" التي تدور فوق رأسه كالصخرة المعلقة بحبل ضعيف... كما ستسانده ضد المعارضة السورية في الداخل، مثلما ساعدت أباه من قبل، وبذلك يصبح زعيما من طراز أبيه الراحل، أو جمال عبد الناصر الجديد في الوطن العربي .... وبدهي أن ايران تنفخ في نار الحماسة والكبرياء السورية فتزيدها اتقادا بنشر الدعايات عن انتصاراتها الخلبية على "الشيطان الأكبر!"، وزعمها أن الولايات المتحدة الأمريكية ستركع أمام التحالف الايراني – السوري – الحزب إلهي... ليس على مستوى العراق فحسب وانما على مستوى المنطقة كلها... ويبدو أن الرئيس السوري لايعرف السياسيين الفرس معرفة جيدة، وهو متفق معهم في وجهة النظر الخاطئة هذه... إن استخدام المنظمات الارهابية السلفية التي تعتبر العلويين والشيعة كفرة يحل قتلهم وذبحهم وتشريدهم وسلبهم أموالهم وهدم حسينياتهم ومزارات شيوخهم، هو الجانب الأكثر قتامة في هذا السيناريو الايراني – السوري، فالنظامان مضطران لاستخدام كل الأسلحة المعادية لأمريكا وانجلترا واسرائيل... حتى لو كانت تلك الأسلحة صدامية أو سلفية أو حتى ميشال عونية... لايهم... المهم هو اجبار أمريكا على التخلي عن فكرة غزو ايران أو تسديد صفعة لسوريا، والايرانيون يذكرون الرئيس السوري – باستمرار – بفشل الأمريكان في عهد كارتر في تحرير رهائنهم المحجوزين في سفارتهم في طهران آنذاك... أي يقولون: طز بأمريكا... ومرد بر أمريكا... هذه اللعبة الخطيرة التي يصب الرئيس الايراني الزيت على نارها قد تفيد الايرانيين فترة من الزمن، ولكنها لاتفيد حكام دمشق، بل تضر بهم ضررا بليغا، إذ أن السؤال المثير هو: "- ماذا اذا لم يفشل الأمريكان في ضبط العراق؟" وبخاصة إن معظم الدول العربية تقف موقف المتفرج ولن تساعد ايران وسوريا أو حزب الله والمنظمات السلفية وغيرها... وماذا سيكون مصير الإخوة العلويين الذين يتهمون بأنهم أعمدة هذا النظام الأسدي؟ ألن يتحولوا إلى أهداف للمتطرفين السلفيين الذين لا يعقل أن يتحرروا من عقدتهم النفسية تجاههم، وسيحاولون تثبيت أقدامهم في سوريا بعد طردهم من العراق؟ ألآ يبحثون عن حلقات ضعيفة في حربهم الكونية؟... وهل هناك حلقة أضعف من "سوريا الأسد!"؟
|
|
||