|
|||
|
نائب وزير الخارجية السورية فيصل المقداد محلقاً فوق السحب جان كورد كنت قد كتبت قبل شهورعدة بأن الادارة الأمريكية ستلجأ في الشرق الأوسط إلى ذات السياسة التي لجأت إليها في جنوب شرق آسيا، أثناء حرب الفيتنام، بأن استخدمت عدة أنظمة متناقضة في مواقفها ومصالحها كأحصنة لتمرير مخططاتها وتنفيذ مشاريعها والتمهيد للخروج من الفيتنام، وكل نظام كان فرحاً باعتماد أمريكا عليه، ظناً منه بأنها ضعيفة وبحاجة ماسة له وبدونها لن تتمكن من القيام بشيء ما، وقلت بأن الولايات المتحدة الأمريكية ستستخدم النظامين السوري والايراني اللذين يبدوان معادين لها في تحقيق مصالح معينة على أرض العراق كحصانين لجرّ عربتها من الوحل... ولاأدري هل تفهم الخارجية السورية مثل هذه السياسات أم أنها لاتزال تعتقد بأن الضفدع السوري قد أصبح بقرة!!! أدلى نائب وزير الخارجية السورية السيد فيصل المقداد يوم الجمعة الفائت (4/5/2007) بحديث لصحيفة الصباح التونسية حول العراق وفلسطين ولبنان، وكأنه يحلّق فوق السحب بأحلامه الكبيرة... فقد قال بصدد العراق كلاماً نفهم منه بجلاء أنه ضد الفيدرالية التي حصل عليها شعب كوردستان العراق ضمن وحدة البلاد وفي ظل الدولة العراقية الموّحدة، بعد أكثر من خمسين سنة من الثورات والكفاح المسلّح وسياسة الحوار والتخاصم مع السلطة المركزية ولن يتخلّى عنها حتى ولو تكالبت عليه كل جيوش المنطقة، فها هو يقول: "لابد من اجراء حوار يهدف للمصالحة الوطنية ومناقشة عدة جوانب اساسية تتمثل في ضرورة مراجعة دستور العراق وخاصة الاشارات التي تنال من وحدته كموضوع الفيدرالية وحل كافة المليشيات وبناء الجيش العراقي بمشاركة كل ابناء العراق، والغاء القوانين التي لا مبرر لها او ما يسمى بقوانين "بريمر" التي قضت بحل الجيش العراقي واستئصال البعث وتعزيزعلاقات العراق مع دول الجوار، ونأمل ان يقبل الاخرون بهذه الافكار". وطبيعي أن يقصد بالفيدرالية فيدرالية كوردستان العراق ويعني ب"كافة" المليشيات "بيشمركه كوردستان" أيضاً. ولمزيد من التوضيح يمكن طرح سؤال عليه ليبّين ما يريده حقاً. وهاهو يؤكّد على "اهمية وحدة ارض وشعب العراق والحفاظ عليهما، وأهمية انسحاب القوات الاجنبية من العراق ووضع جدول زمني لذلك، الحفاظ على هوية العراق العربية والاسلامية". وهكذا يظهر أنه يعتبر "الفيدرالية طعناً في وحدة أرض العراق وشعبه!" على الرغم من أن كل رؤساء العراق بدءاً من ثورة 1958 وإلى اليوم اعترفوا بوجود شعبين أساسيين في العراق، يأتي هذا النائب الوزاري السوري لينسف تلك المعادلة ويتحدث عن شعب واحد في العراق ب"هوية عربية إٍسلامية!"، دون أن يحدد معالم تلك الهوية عربياً وإسلامياً، فهل أنكرت "الفيدرالية" تلك الهوية أو تجاوزتها، أم أن الدستور العراقي لايتضمّن فقرات صريحة عن هوية العراق وشعوبه وأديانه؟ والعالم كله يرى كيف أن النظام الذي يخدمه هذا النائب قد نزع هذه الهوية عن سوريا وزيّن صدر بلاده بهوية "غير عربية ومذهبية". كأني بهذا النائب المطلّع على السياسة الأمريكية إلى حد ما قد اقتنع بأنه أقنع الأمريكان في مؤتمر شرم الشيخ الأخير في مصر بأن أحد أسباب الفشل العسكري لهم في العراق هو منح الكورد حقهما في"الفيدرالية" إذ يقرن ذلك بالقوانين الخاطئة للسيد "بول بريمر" الذي تولى ادارة العراق بعد أن قصم ظهر صدام حسين المقبور وحزب البعث العربي المنتوف ريشه حالياً، وهذا يظهر مدى سذاجة السياسة الخارجية السورية التي تضع حق الشعب الكوردي في اقليم كوردستان العراق في نفس المستوى الذي عليه القوانين الارتجالية لموظف أمريكي جاء في مرحلة انتقالية وعاد من حيث أتى بعد انتهاء عمله، وكأن هذا النائب جاهل بشؤون دولة عريقة مجاورة لسوريا ولايعلم بأن السبب الرئيسي لكثير من مشاكل العراق طوال فترة حكم الدكتاتورية البعثية كان عدم حل القضية الكوردية حلاً ديموقراطياً وعادلاً، فتورّط النظام في كثير من المشاكل والحروب وغاص في أوحال ودماء "الأنفال" وحاول باستمرار تصفية هذا الشعب المكافح بشتى الوسائل الدموية إلى أن أسقط في يديه وخرت قواه واختبأ "مجاهده الأكبر" في جحر ضب، هارباً من قيادة قواته وادارة بلاده في زمن الحرب، وتم اخراجه منه بذل وهوان، ومن ثم أعدم كمجرم ضد الإنسانية... كما يبدو نائب وزير الخارجية السورية هذا، وهو من الذين يتم اعدادهم بدقة ليتولى مهام رئيسه السيد وليد المعلم، وزير الخارجية الحالي، غير مكترث بتاتاً باستفتاء ثمانية ملايين إنسان من الشعب العراقي على الدستورالذي أقّر مبدأ الفيدرالية كنظام عصري تأخذ به مجتمعات عديدة في العالم، وأثبت جدارته في تعزيز الوحدة الوطنية لهذه البلدان، ومنها سويسرا وألمانيا الفيدرالية والهند وغيرها... فكيف سيكون موقف هذا النائب المحترم فيما إذا قال العراقيون:" يجب الغاء المادة الفلانية والفلانية من الدستور السوري؟." وهناك مواد كثيرة تعادي الوحدة الوطنية السورية كالمادة (8) مثلاً... فهل يقبل بأن يحشر السيد هوشيار زيباري، وزير خارجية العراق الفيدرالي، أو نائبه، أنفه في الشؤون الدستورية السورية ويقول: هذا لايطابق آيديولوجية حزبنا أو سياسة بلادنا؟ ألن يعتبر هذا تدخّلاً سافراً في شؤؤنه الداخلية السورية؟ أم يحق له أن يفعل بالعراق والعراقيين مايشاء لمجرّد أن العراق يمر في أزمة، لسوريا وايران دورهما الكبير في تعميقها وديمومتها؟ وبيت القصيد ليس في العراق وانما في موضع آخر، حيث يقول:"ان تقرير فينوغراد حول الحرب الاسرائيلية على لبنان جاء ليؤكد مواقف الجانب السوري" مشيرا الى أن "الاخرين أدركوا انه لا يوجد اي طريق لحل مشكلات المنطقة الا عبر طريق دمشق وهو طريق الحوار بعيدا عن الهيمنة والفوقية وسوريا مستعدة للقيام بذلك لما فيه مصلحة كل الاطراف". فماذا يفهم المراقب السياسي من هذا الكلام؟ إنها دعوة صريحة لأن تحاور أمريكا واسرائيل سوريا القادرة على جلب المتاعب لهما ، سواء في العراق أو في لبنان، وأكاد أرى السيد نائب الوزير السوري وهو يضرب بيده على صدره في حركة طرزانية ، قائلاً للأمريكان والاسرائيليين: "ألا ترون ما نستطيع القيام به، لماذا تتجاهلون وجودنا وامكانياتنا في مجال مساعدتكم على ترتيب الأوضاع في كل من العراق ولبنان، بممارسة الضغوط من طرفنا على الأصابع التي نحرّكها هنا وهناك ؟..." إنني لا أرى أي انتصار سوري على أمريكا أو على اسرائيل، واذا كان الأمريكان قادرون على لجم جموح رئيسهم وايقافه عند حده، أو أن الاسرائيليين قادرون على محاسبة رئيس وزرائهم ووزير دفاعهم وقائد أركانهم على الأخطاء التي ارتكبوها، فليس بامكان سوريا محاسبة أحد في حزب الله أو في المجموعات السلفية التكفيرية التي تتسلل من سوريا إلى العراق، لأن النظام السوري بذاته جزء من الآلة الكبيرة التي يحرّكها النظام الايراني، وحزب الله وحده لايزال مقتنعاً بأنه انتصر على اسرائيل أو دمّرها أو أجبرها على الانسحاب من لبنان، ولا أحد سوى سوريا يرى ذلك، إذ لو سمح في الطرف العربي ممارسة المحاسبة من قبل الجهاز القضائي المستقل كما في اسرائيل وكما ورد في تقرير فينوغراد حول الحرب الاسرائيلية في لبنان، أو من قبل برلمان سوري على شاكلة الكونغرس الأمريكي الذي يرتجف أمامه الرؤساء، لظهرت نتائج وخيمة وسلبية وقاسية لكل من حزب الله ومن سانده في مغامرته تلك. والمشكلة تكمن في أن السياسة والاستراتيجية والمغامرات في بلادنا لاتخضع لمراقبة ممثلي الشعب أو للجهاز القضائي، وهذا يفسح المجال أمام أمثال هذا النائب الوزاري السوري لأن يقول ما يشاء دون رقيب أو حسيب وقد يمنح مناصب أرفع كجزاء على ما يقدّمه من خدمات إعلامية تضليلية لنظام لايدري في أي مربع يقف الآن... هل هو ضد أمريكا؟ أم في خدمتها؟ هل معاد لاسرائيل أم يتملقها؟ هل هو مع الأمن والاستقرار في العراق أم مع التخريب والتدمير فيه؟ هل هو مع السيادة اللبنانية أم مع خرق هذه السيادة عبر تدخلاته في الأحزاب وشرائه الذمم والأقطاب؟...فلو كان لدينا فينوغراد أو امرأة في قوة ومكانة السيدة الأمريكية نانسي بيلوسي التي تحاول من خلال الكونغرس منع المال لتمويل الحرب في العراق عن الادارة، لكنّا نعلم على الأقل أين موقع بلادنا في خارطة المنطقة، وأية هوية تحملها، الهوية العربية الإسلامية أم هوية أخرى!.. ولتمكّنا من اختيار نائب وزير للخارجية يعلم حقائق الأمور في العراق ويحترم ارداة شعبه في اختيار الدستور الذي يناسب واقعه الاثنوغرافي والديني والمذهبي ويدرك ماذا يعني التدخّل في الشؤون الداخلية للجيران.... فلا فينوغراد ولا بيلوسي لدينا وانما شقشقات لسانية للسياسيين وكأنهم في مسلسلات تلفزيونية رديئة .... |
|
||