|
|||
|
الدكتوربشار الأسد والأداء السياسي سوريا وعربيا ودوليا
أثناء طفولتي لم تكن في مناطقنا الكوردية هذه الهيمنة التي فرضها البعثيون عليها بالقوة والترويع فيما بعد، لذا كان الناس يشعرون بحرية أكبر في اظهار ودهم للرؤساء والحاكمين للبلاد والعباد، أو عدم اكتراثهم بالسياسة اجمالا.. كان في بيت (الملا) أحد رجال قريتنا الذين لم تكن لهم علاقة من بعيد أو قريب بالملالي والشيوخ صورة كبيرة في "برواز" منقوش للرئيس الكوردي حسني الزعيم الذي قاد أول انقلاب عسكري في سوريا وأطيح به أيضا بانقلاب عسكري بعد فترة وجيزة من الحكم، وما سواه لم نكن نرى في بيوت الناس سوى صورة أصغر بكثير لرئيس الجمهورية السيد شكري القوتلي في وقفته الأبوية التقليدية...وفيما بعد ظهرت صورة ملونة وبحجم صغير أيضا لثلاثة من زعماء العرب يقفون إلى جانب بعضهم بعضا (الملك السعودي، جمال عبد الناصر وشكري القوتلي)... وكنا نتساءل عن سبب تواجد تلك الصورة في بعض بيوت أهل قريتنا الكوردية فلا نجد لها تفسيرا لصغر سننا آنذاك ولعدم معرفتنا بالعربية إلا في حدود ضيقة للغاية... ولكن لم يكن لدى أهل القرية أي اهتمام ملحوظ بأولئك الرؤساء أو بما يفعلونه أو بما يقولونه ، وكانوا حقا غرباء ... ويجدر بالملاحظة أن لوحة "شاه ماران – ملكة الأفاعي" الأسطورية المرسومة على الزجاج والملعقة في العديد من منازل الكورد كانت أشهر من صور الرؤساء... وعلى الرغم من كل الظلم الذي كان يقع على الكورد ولا يزال، من الضروري التأكيد على أن تلك الصورة كانت تزين بعض البيوت الكوردية دون اكراه أو دون فرضها من قبل حزب ما، وقبض ثمنها من عرق جبين الفلاحين... وكل فعل رد فعل، والاضطهار يولد التمرد والمقاومة...أتذكر أنه – في الصف السادس الابتدائي – قام بعض طلاب مدرسة القرية بتحريض وتخطيط من أستاذ كوردي باسقاط صورة كبيرة للسيد جمال عبد الناصر ، رمز الاضطهاد والعسف والأداء السياسي السيء في سوريا، أثناء زمن الوحدة، كانت تزين مدخل ادارة المدرسة الابتدائية، بحيث بدا الأمر وكأنه كان مجرد لعب ورمي "مساحة السبورة الخشبية الملفوفة باللباد" دون قصد من قبل أحد الطلاب أثناء استراحة في درس ليلي اضافي، كان يخصصه المعلم الكوردي لتحسين وضعنا الدراسي... وفي اليوم التالي تم رفع جميع الذين شاركوا في ذلك اللعب إلى "الفلقة" من قبل معلم عربي من "ادلب" كان يعشق جمال عبد الناصر، ويعمل جاهدا لفرض سلطانه على المدرسة ويستهتر بالكورد، بل ويحتقرهم.. وأضطر المعلم الكوردي – لايزال على قيد الحياة الآن والحمد لله- إلى معاونته في معاقبتنا، حتى لايشك بأمره وينال جزاءه من المسؤولين في مديرية التربية والتعليم، ولكنه لدى معاقبتنا كان يهمس بالكوردية مهددا بأنه سيضاعف لنا العذاب ان اعترفنا بالحقيقة.. وحقيقة عندما جاء دوري قال لي: لن أضربك لسببين: أولا أنت مجتهد من الأوائل، وثانيا لأنك ضعيف جسميا... ومرت المسألة بعد ذلك مرور الكرام... ولكن بدأ الناس يشعرون بالخوف من الصور المعلقة في البيوت كخوفهم من رجال الجندرمة وخيولهم... في زمن احتلال الأسود للبلاد، سارالوضع نحو الأسوأ... إذ عوقبت طفلة كوردية من قريتنا أيضا في الصف الرابع بفظاظة لأنها خربشت على وثيقة الجلاء التي تحمل صورة السيد "حافظ الأسد"، وقد رفعتها فلقة معلمة وليس معلم... خوفا على نفسها ووظيفتها، حيث قد يؤدي عدم المحاسبة إلى أن ترفع هي فلقة في احدى دوائر الأمن العديدة.. ولم يكن رفع امرأة للفلقة يتطلب سوى اجبارها على لبس بنطال رجالي ...وعلى الرغم من وجود صور الأسد في كل مكان، إلا أنها جميعا كانت تفرض فرضا عن طريق "الجندرمة – الدرك" و عن طريق "الحزب القائد والضرورة" وعن طريق الموظفين "العقائديين" و"المخاتير"، بل وعملاء النظام أيضا... كانت الأحاديث تدور حول ما فعله الأسد وما قاله الأسد وما بناه الأسد، حول علاقاته العربية والدولية، حول رصانته وهدوئه وجلوسه الموميائي الشهير في صدر القصر الجمهوري دون حراك لدى كل زيارة لوفد من الوفود، محليا كان أو عربيا أو من العالم الخارجي... وقبل كل شيء في حسمه التام في التخلص من أعدائه، بدءا من الجنرال صلاح جديد، ومرورا بقدامى البعث مثل صلاح الدين بيطار ومحمد عمران والبقية التي لم تجد لها مكانا سوى في ظل الخصم الكبير صدام حسين...ولكن الأسد ، رغم اختلاف الكثيرين معه في النظرة السياسية وادارة الحكم والايغال في الطائفية وتذبذب نظامه السياسي بين الشرق والغرب حسب مصالحه الآنية... فإنه كان معترفا به كزعيم عربي ذي وزن ثقيل وكلمة مسموعة ومكانة هامة بين الرؤساء والملوك في المنطقة ولدى أرباب السياسة العالمية أيضا... وكان قد اعتمد على سياسيين قديرين ومحنكين ويعملون بصمت تام والتزام لامثيل له، خوفا على الرقاب أولا، وطمعا في البقاء مدة أطول في الظل، ولكي لاتظهر الشخصية الثانية أمام العالم حتى آخر لحظة من حياته... وعلى الرغم من أن الأسد لم يقدم للعرب ما قدمه جمال عبد الناصر والملك فيصل، إلا أنه بقي كلاعب ماهر في الملعب العربي وأحيانا الدولي حتى رحيله بعد مرض طويل وعضال... وهزائم (مثل حرب 1967) وانتكاسات (الوحدة العربية) وجرائم كبيرة (مذبحة حماه وسجن تدمر وغيرهما) وفشل اقتصادي كبير في مجال التحويل الاشتراكي... ثم جاء الشبل الكريم... وأصبحت الصور الرئاسية في نظر الجماهير مجرد "مسخرة" لا لون ولا طعم لها... ولم يعد أحد يهتم بها أو يخاف منها على الرغم من أن الورق والحبر المستهلك لطباعة هذه الصور كاف لتزويد كل مدارس البلاد بهما لسنوات عديدة... بل صارت تظهر الصور الساخرة والكاريكاتور والنكات القوية والتافهة أحيانا كمرآة للأداء السيء للأسد الثاني على كافة الصعد الوطنية والاقليمية والدولية، فها هو قد تلقى البطاقتين الصفراء والحمراء، وأخرج على أثرهما مطرودا من لبنان ومهددا بصدد العراق ومعزولا في العالم العربي عزلة لامثيل لها لرئيس عربي وها هو قد صافح الرئيس الاسرائيلي مرتين، ودعي إلى طاولة المفاوضات مع اسرائيل ، دون ابداء أي شرط ، وكأنه رئيس بلا جيش ولا طائرات ولا دبابات ولا صواريخ، ولا تنفعه كل الترسانة الروسية من السلاح الصدىء، غير قادر على فرض نفسه على ساحة المنطقة إلا من خلال دعمه للارهابيين والحزبإلهيين والفتحشاميين والأحمدنجاديين... وغيرهم من الذين باتوا وكأن سوريا لم تعد تتمكن من العيش بدون خدماتهم ... الأداء الرئاسي بعد انقضاء مدة رئاسية كاملة (7 سنوات) فاشل تماما، ومع ذلك يحاول أتباعه وأشياعه من الذين لاتهمهم مصالح البلاد مطلقا ، من خلال استفتاء باهت اللون وغير معترف به من أية جهة تؤمن بالديموقراطية في العالم كله، إظهار الرئيس الذي يعلم تماما ماذا يجري حوله وكأنه يتمتع حقا بشعبية تزيد عن 97% من أصوات الشعب السوري، وهو أقوى من ساركوزي الفرنسي وجورج بوش الأمريكي معا، وكل زعماء أفريقيا الذين يبدون أحيانا أكثر واقعية في مجال تزويرالانتخابات من زعماء العرب... في مثل هذه الحال، أرى بأن من الأفضل لهذا الرئيس الذي لم يقتل حتى الآ، في ظل عرشه سوى مائتين من المواطنين، وهم في معظمهم أكراد، أي مواطنين من الدرجة الثانية، دماؤهم أرخص من دماء العرب الأقحاح بالتأكيد... سيزداد احتراما بين شعبه أن يعلن استقالته بجرأة، ويتخلى عن هكذا كرسي لا يأتي له سوى بالسلبيات التي قد تتراكم وتؤذيه جسديا ونفسيا وعائليا، ويقول للشعب السوري: "أنا لست غبيا مثل صدام حسين الذي اعتقد حتى لحظة صدور حكم الاعدام بحقه بأن الأمريكان سيعيدونه إلى الحكم... ها أنا أدع لكم الأمر لتجروا انتخابات حقيقية وتدبروا أمركم بأنفسكم... فأنا قد حزمت أمتعتي لأعيش مثل عمي رفعت الأسد ونائب أبي عبد الحليم خدام في بلاد برا، فالحياة جميلة ولا يضرني إن عشت بلا رئاسة وبلا حكومة وبلا مخابرات...بل حياة في العزة والكرامة والحرية التي لا أعلم لماذا سوريا محرومة منها أفضل بكثير من حياة في "قصرالشعب!" الذي يزدريه الشعب، وبين رؤساء يعلمون بأنني أخاف حتى من ظلي ولاأ ملك أدنى شرعية ديموقراطية حقيقية.... " وليعلم السيد الرئيس بأن الحال ان استمرت هكذا فإن الشعب السوري سيهرب من البلاد زرافات ووحدانا أكثر من قبل بكثير، بسبب الفشل التام للحزب الحاكم وجوقة الجبهويين التعبانة، واليأس من اجراء أي تغيير تحت قيادة الحلف الوطني العظيم "اعلان دمشق" – عافاه الله - ... وقد ارتفع عدد المغتربين السوريين في الآونة الأخيرة بسرعة رغم كل الصعوبات التي يتعرضون لها في عيشهم في بلاد المهجر ورغم كل العراقيل التي تعترض سفرهم... وقد لا يبقى حول الرئيس سوى حفنة من المتملقين المتطفلين الذين سيهربون أيضا إن حدث ما يوحي باقتراب ساعة سقوط نظامه...
|
|
||