|
ومضى نوروز آخر...
ماذا بعد الاحتفالات الكبيرة؟
جان كورد22 آذار، 2009

قبل كل شيء أكرر تبريكي بنوروز لكل من وصلته ومن لم تصله رسائلي الالكترونية
التي أرسلتها في الأيام الأخيرة...
لاشك أن نوروز يعتبر أهم يوم في التقويم السنوي للأمة الكوردية كما هو لدى
الأمة الفارسية والأفغانية وغيرهما، ولكنه تجاوز لدى الكورد منذ عشرينات القرن
الماضي كونه عيدا تاريخيا أو احتفاء بالربيع الطلق الضاحك على حد تعبير شاعر
عربي إسلامي قديم...إذ تحوّل لدى الحركة السياسية الكوردية ولدى الأمة الكوردية
عامة إلى يوم تجديد لطاقاتها السياسية ونشاطها من أجل نفض الغبار واستعراض
قوتها على كافة الأصعدة وشحذ الهمم ونسيان الخصومات وافلات القوى الهادرة من
أقفاص التردد والخوف والكسل، لتزأر هذه الأمة الكبيرة في وطنها وعلى مستوى
العالم كله، في ظل راية واحدة، تغني وترقص، شبابا وأطفالا وكهولا، نساء ورجالا،
يدا بيد، كما هي الدبكة الكوردية الزاهية الألوان، للحرية والحياة، وتعلن
للعالم أجمع أن الكورد أمّة واحدة، رغم كل الأسلاك الشائكة ومقصورات رقابة
الحدود التي اصطنعها وخطّها المستعمرون الانجليز والفرنسيون الحاقدون منذ
هزيمتهم الكبرى على أيدي صلاح الدين الكوردي على صدر وطنها الجريح الممزّق
كوردستان...وليس هناك أحد يستطيع انكار هذه الوحدة التي يشعر بها الكورد، أينما
كانوا، في يوم نوروز بالذات، مثلما يشعرون بعمق جرحهم المشترك في يومي 16و17
آذار بمناسبة هلوكوست حلبجة...ولكن يبدو أن العالم، وبخاصة الجزء الشرق أوسطي،
منه صم عمي بكم فهم لايفقهون....
إلاّ أن نوروز قد مضى، وكالعادة يعود الكورد إلى حياتهم كما كانوا، أمّة ممزّقة،
تتنازع في أحشائها الحركات السياسية، ليس من باب التنافس على تحقيق ما هو أفضل
والتفاخر به أمام الأمة والوطن، وانما من باب التحارب والتناقض والعمل على
انهاء الآخر ورميه من حلبة الصراع...هذا كان حال السياسة الكوردية منذ عقود من
الزمن، والخطورة تكمن في أن نوروز بكل حيويته وقدرته على التوحيد بين صفوف
القوى السياسية لايترك أثره الايجابي هذا إلا لأيام قلائل، يكثر فيها الحديث عن
الوحدة والتحالفات والتلاقي ونسيان الخصومات وكوردستانية العمل...و...و...
وإذا ما نظرنا إلى واقع حركتنا السياسية الكوردية في غرب كوردستان فإن المرء
يشعر بالغثيان والقرف للحال التي عليها هذه الحركة...وتصوّر معي أن حزبا من
أحزاب هذه الحركة له عنصر واحد في طول أوروبا وعرضها، ومع ذلك له صوت في هيئة
العمل المشترك للأحزاب الكوردية "السورية" في ألمانيا، ودون أن يحضر هذا "الممثل
الحزبي" إلى اجتماعات هذه الهيئة...
الأمر يبدو كاتفاق كوردي عظيم، ولكن في الحقيقة هذا هروب نحو الأمام لأن الواقع
ظاهر للعيان، فهذا الحزب "العريق" له بين كل هذه الجاليات الكوردية المنتشرة من
جنوب ايطاليا إلى شمال النرويج، ومن الأناضول إلى ضفاف الأطلسي، عضو واحد...ومع
ذلك يعتبر حزبا كورديا سوريا...ألا يعكس هذا حقيقة تواجده في الداخل أيضا؟ ...ربما
يزعم بعضهم أن هذا غير صحيح، فليعلن كل حزب بصراحة عن عدد أعضائه المنظمين في
الداخل وعددهم في الخارج حتى يكون هذا الشعب على بينّة...
إنني لا أريد هنا اتهام طرف دون آخر، ولا أدافع عن جهة على حساب جهة، وانما
أشير إلى واقع حركتنا السياسية الذي يدمي القلوب...طبعا قد يكون هناك حزب ليس
له سوى حفنة من الأعضاء، ومن الأحزاب ما لاتجدها إلا في منطقة واحدة من مناطق
كوردستان، ومنها متواجدة في الداخل دون الخارج، أو بالعكس، ولكن يعتبر التنظيم
الصغير حزبا عندما يكون مختلفا عن غيره من حيث البرنامج والطرح السياسي أو
الآيديولوجيا أو من حيث الممارسات والعلاقات، مهما كان عدد أعضائه ضئيلا، ولكن
أن تكون هناك عدة تنظيمات متشابهة اسما وبرنامجا ومرجعية وعلاقات وممارسات
وبنىفوقية وتحتية، بل وحتى قيادات لاتختلف عن بعضها في شيء، وهي إما منشقة عن
بعضها أو مختلفة على شخص معين أو على نقطة أو نقطتين في السياسة، فهنا يكمن
الخطر وهنا تتوسّع دائرة الاختلاف الذي يخفيه أو يلقي عليه ظله عيد نوروز لعدة
أيام في السنة فقط...
إذا ما طرحنا سؤالنا الذي جعلناه عنوانا للمقال على قياداتنا فسنلاحظ بأن هناك
ترددا أو ارتباكا في الاجابة الصريحة عنه: نعم، وماذا بعد الاحتفالات الكبيرة
لنوروز؟
- هل هناك أجندة عمل لأحزابنا الكوردية في السنة الجديدة (حيث تبدأ السنة
الكوردية بنوروز)؟ وهذا يجرّنا إلى سؤال آخر مرتبط بالأجندة بشكل عضوي، ألا وهو:
-هل هناك ميزانية محددة ومكشوفة للحزب أو مثبتة لدى القيادة على الأقل؟
إذ بدون الأجندة المعدّة بدقة قبل بداية السنة الجديدة أو في فترة قصيرة من
بدايتها لايمكن وضع ميزانية مالية للحزب، وإن احدى أهم مشاكل تنظيماتنا
الكوردية في الداخل والخارج، بل وجمعياتنا الثقافية أيضا، هو عدم وجود (أجندة
عمل وميزانية)...وبدونهما يصبح الفشل عنوان كل عملنا السياسي والثقافي أو
كليهما معا...
آمل أن يضع كل تنظيم من تنظيماتنا على الطاولة أمام أعين ومسامع الشعب حقيقة
تواجده التنظيمي ، وأن يضع أمام كوادره الحزبية وهيئاته العليا (على الأقل)
أجندته السنوية للعمل (أسبوعيا، أو شهريا، أو موسميا، أو سنويا) ويحدد ميزانيته
على ضوء ذلك، حتى يكون العمل من أجل هذه القضية على مستوى القضية فعلا...
أما الادعاء بأن أجهزة الأمن السورية ستعرف أسرار أحزابنا، فهذا كلام فارغ حقا،
فهل هناك شيء لايزال مخفيا عن أنظار النظام السوري، أو لم يعترف بعض قادتنا
السياسيين أنفسهم بأن للنظام أياد قوّية في صفوف الحركة ووصل إلى درجة مشاركته
في القرارات التنظيمية لبعض الأطراف ناهيك عن القرارات السياسية؟...
الاحتفال بنوروز لايكفي لاظهار وطنيتنا وحبنا للكورد وكوردستان...وانما ما يلي
احتفالات نوروز من نشاطات يومية على ساحة النضال العملي...فلقد شبع شعبنا من
مرقة البيانات الورقية والخطب النارية في المناسبات الحماسية...وهذه النشاطات
لن تتم بشكل جيد وفعال دون وجود أجندة عمل واضحة لمن سيقوم بها، وميزانية مالية
تدعم تلك النشاطات، سواء في الداخل أو في الخارج..
|