مقابلة مع

الدكتور محمّد زينو
إن الحياة جميلة ورائعة بالتنوع والاختلاف، وفيها أكثر من صورة ولون وصوت

   أجراها جان كورد

 1 من خلال ما نشرتموه سابقاً من مقالات ودراسات باللغة الكوردية والعربية والروسية. فأنتم بالنسبة للقارئ المهتم بالشأن الكوردي من المعروفين جيداً. وكتابكم الأخير حول العائلة الكوردية في المهجر خير دليل على ذلك ولكن مع ذلك هل تعرّف قراء حوارنا بنفسكم في سطور قلائل؟

أوجه شكري وتقديري لك وللجهد الذي تبذله في هذه السلسلة من اللقاءات مع الكوادر العلمية والسياسية الكوردية.
أنا محمد زينو من موليد عام 1963 ولدت في منطقة عفرين في قرية Kaxrê ، وهي قرية جميلة بوسط جبال خاستيا المعروفة بطيبة أهلها وجمال طبيعتها المشهورة بمشمشها وفواكهها الأخرى.

هناك ميزة أخرى تتصف بها هذه القرية وهي كثرة المتعلمين وحاملي الشهادات العليا من أهالي القرية. منها تخرّج عدد لا باس به من الأطباء كالدكتور جميل رشيد والدكتور محمود خوجه والدكتور حاجي بسه والدكتور رفعت عزيز، ومجموعة من المهندسين كالمهندس والكاتب محمد رشو والمهندس خليل سليمان والمهندس رشيد حنان والمهندس محمد عزيز والمهندس الدكتور كمال زينو غيرهم كثر هذا والكاتب الكوردي المعروف الأستاذ مصطفى رشيد من أهالي هذه القرية.

في هذا المقام لا بد لي أن أذكر فضل الأستاذ محمد حاجي الذي خدم مدارس القريي الابتدائية والاعدادية والثانوية طيلة سنوات عديدة ومن بين أيديه تخرج مجموعة كبيرة من الطلاب ذوي التحصيل العلمي العالي.
وسماحة العالم الجليل إبراهيم خليل عيسى المعروف لدى أهالي المنطقة بخليل حمدو وكذلك سماحة الحاج صالح إبراهيم ومدير مدرسة الشريعة في مدينة عفرين السيد محمد رشو والأستاذ خليل سيدو...الخ
هذه النخبة وضعت اللبنات الأولى منذ الخمسينات من القرن الماضي لمن سار على دربهم فيما بعد.
بعد إنهاء الدراسة الابتدائة في القرية التحقت بثانوية فيصل قدور في مدينة عفرين ومن ثم حصلت على منحة دراسية من الحزب الشيوعي السوري لمتابعة الدراسة في الإتحاد السوفيتي السابق.

أنهيت المرحلة الجامعية الأولى في مدينة كييف عاصمة جمهورية أوكرانيا ـ كلية الفلسفة قسم علم الإجتماع وبعد ذلك تابعت دراستي العليا في معهد الفلسفة التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية قسم العلاقات القومية. وفي هذا القسم قدمت رسالة الدكتوراه تحت عنوان (العام والخاص في العلاقات القومية/ المسألة الكوردية نموذجاً) وكان للعالم السوفيتي المشهور ميخائيل يردانوف فضل كبير في إنجاح هذا العمل العلمي.

وبعدها في عام 1996 هاجرت إلى ألمانيا وما زلت أعيش في هذا البلد الجميل.
متزوج من الصيدلانية كبار يوسف ولدينا بنت اسمها جوانا وولد باسم ميران.

س 2 باعتباركم عشتم ثلاث مراحل حياتية في الوطن وفي دول الاتحاد السوفياتي المنفرط عقده وفي غرب أوربا فهل بإمكانكم إظهار الفوراق بين هذه المراحل بالنسبة لكم كإنسان وكناشط اجتماعي؟

لكل مرحلة من هذه المراحل خواصها وميزاتها، هناك أوجه الشبه والاختلاف بينها، تستند هذه المجتمعات على قواعد اجتماعية خاصة بكل منها.
تحتل المحطة السورية مكانة كبيرة في حياة الطفل والشاب محمد زينو، فيها تكونت البذرة الأولى لنشأة الشخصية التي بدأت تتعرف على الحياة والناس وأحوال الدنيا في الإطار الاجتماعي المجتمع الكوردي في سوريا.

لذا كان الفراق صعباً ومؤلما، فراق الأهل والأصدقاء والأرض والذكريات ومرابع الطفولة والفتوة، لقد بقيت آثار هذه الأماكن وهؤلاء الأعزاء محفورة في الوجدان ومازالت تقفز إلى السطح كلما جاء الحديث عن الوطن والأهل أو كلما أسمع صوت أخ أو أخت أو صديق.

هذه المرحلة كانت بداية تكوين الشخصية التي تأثرت فيما بعد بعوامل أخرى ستضح معالمها في المرحلة الثانية وهي المرحلة السوفيتية.
في هذه المرحلة والتي دامت من عام 1983ـ 1996 اكتملت بشكل ما معالم الشخصية وتصوراتها عن الحياة. هنا في الاتحاد السوفيتي تعرفت على عالم جديد وكبير مقارنة بمجتمع منطقة عفرين، لقد سافرت من منطقة كوردية صغيرة إلى دولة كبيرة وضخمة، حيث كنا نسمع ونقرأ أحاديث شيّقة وقصصاً مثيرة عن دولة تتربّع على سدس الكرة الأرضية وتضم المئات من القوميات والشعوب.
هنا في مدينة كييف عاصمة أوكرانيا، وهي مدينة جميلة وكبيرة جداً وتقع على ضفتي نهر دنيبر المشهور، تعرفت على طلاب من مختلف بلدان العالم والطريف في الأمر أنّ هؤلاء الطلاب كانوا يقيمون حفلات فنية بمناسبة أعيادهم الوطنية والحزبية لذا كان التعرف على أحوال الأمم والشعوب سهلاً ومتاحاً للجميع.

كان من السهل التعرّف عن قرب على عادات وتقاليد شعوب أمريكا الجنوبية وشعوب شرق آسيا وتقاليد وفلكلور الشعوب الأفريقية والشرق الأوسطية.
بالإضافة إلى التقاليد الجميلة للشعب الأوكراني نفسه، إنه شعب منفتح ومحب للأجنبي بشكل يبعث الفرحة والبهجة بالنفس.
لقد كان الاحتفال بعيد نوروز عام 1984 أول مناسبة جميلة بالتعرف على الطلبة الكورد، من مختلف أجزاء كوردستان، هذا وكان لجمعية الطلبة الكورد في أوربا ـ فرع الاتحاد السوفيتي دوراً مركزيا وكبيراً وسط جمهور الطلبة، وهي كانت تقيم حفلة التعارف بين الكورد في بداية كل عام دراسي وكانت تقيم سنوياً حفلة نوروز وكانت تصدر بين فترة وأخرى نشرة إخبارية باسم كوردستان.

لقد لعبت هذه الحفلات واللقاءات دوراً في مسيرة نضج وبلورة الشعور القومي لدى الطلبة، إنها كانت مناسبة ليس للتعرف على الطلبة الكورد كأشخاص بل كانت مناسبة التعرف على أحوال الأمة الكوردية بشكل عام قيد المنال، صرنا نتعرّف على حيثيات القضية الكوردية وما يعاني منه إخواننا الكورد من المآسي والويلات وخاصة في كوردستان العراق وإيران حيث كان الوجود الكوردي من هذين الجزأين واضحاً. وبكلمة يمكن القول ساعد التحصيل العلمي والتعرّف العملي على الواقع المعاش على بلورة الشخصية الإنسانية وارشادها بالبحث عن سبيل في هذه الحياة.
أكاد أجزم أن معظم جوانب الشخصية الاجتماعية والفكرية تتكوّن في مرحلة من 20 ـ 30 سنة وهي السنين التي قضيتها في الاتحاد السوفيتي.

كانت الهجرة إلى البلدان الأوربية المرحلة الأسد قسوة وعنفواناً، عندما تدرس وتحصل على شهادة عليا وتدخل مرحلة الإنتاج وترجمة ما اكتسبته من معرفة و خبرة علمياً على أرض الواقع وجدت نفسي لاجئاً في هذه البلدان.
لقد بات عليّ البدء من الصفر ابتداءً بدراسة لغة جديدة والتعرّف على مجتمع جديد يختلف اختلافاً جذرياً عن المجتمع الكوردي في سوريا وكذلك عن المجتمع السوفيتي، حيث كان هناك في سوريا وروسيا نوع من العلاقات الاجتماعية تتصف بصفة الجماعية، قلما يتركك الناس هناك وحيداً تجابه مشاكلك، أنك تجد دوماً عزيزاً بجانبك يشدك إليه ويشاركك أفراحك وأتراحك.

أما هنا في أوربا الغربية تحتل النزعة الفردية مكانة بارزة في العلاقات الاجتماعية، تمرالأيام والأسابيع ولا تر من ترغب بالجلوس إليه، كل شخص مهتم بمشاكله وهمومه، لذلك علينا أن لا نستغرب من شخص أوربي لم يلتق بقريب له منذ مدة بعيدة أو جار لايعرف اسم جاره.

هذا وتختلف الفئة الاجتماعية التي نتعامل معها هنا في أوربا، إذا كان الأهل والأصدقاء هم المادة الأساسية للعلاقات الاجتماعية في الوطن، كان جمهور الطلبة المادة الأساسية في الاتحاد السوفيتي، حيث لم يكن هناك لاجئون، أي فئة اجتماعية متناسقة لها ذات الهم والغم.
أما هنا فقد اختلط الحابل بالنابل، بتنا نتعامل مع أناس من شعوب وقوميات مختلفة لكل همها ومشكلها، لكل ميولها وسبب قدومها إلى هذه البلدان.
إنك لا تجد من ترتاح إليه من الأجانب إلا قليلاً ناهيك عن أهل هذه البلاد وأنا هنا أتحدث عن المجتمع الألماني، هذا يبدو واضحاً وجلياً في مسيراتنا وحفلاتنا وندواتنا، إننا قلما نجد من أهل البلد ضيفا يهنئنا في المناسبات القومية أو الدينية، لا بل تمر الأيام والسنون ولا تعرف اسم جارك.

إن الشخص القادم إلى أوربا إنسان أبتر، فاقد التوازن في شخصيته، وهي على العموم شخصية شرسة مليئة بالهموم...الخ
لهذه الهموم جذور سياسية تتعلق بالنظم والأوضاع السياسية السائدة في بلدانها، كالهارب من الحروب. أو لها جذور اقتصادية أو اجتماعية ونفسية.
حقيقة لن تجد البسمة تُرسم على وجه من فقد أهله في الحروب مهما قدمت له من مستلزمات الحياة الجميلة وأدوات الرفاهية في المنزل، وأمنت له مشاكله الاقتصادية ....الخ.
من أكبر مشاكل الناس في هذه البلدان هو الخوف من المستقبل، إنك لاتستطيع أن تعرف أو تتوقع ماذا سيكون مصيرك غداً، تطرد من عملك أم لا. وإذا طردت، هل ستجد عملاً ما بسهولة.
إن الإنسان عندما يستقر في عمله يستقر في حياته ويعيد التوازن إلى أفعاله، أما عندما يُهَددُ بشكل دائم بالطرد والفصل من العمل نراه متعصباً ولا يعرف الاستقرار وهذا بدوره يؤدي إلى نشوب مشاكل اجتماعية كبيرة في العائلة أو مع الناس في المجتمع، إن أبناء الجاليات الأجنبية تعيش حالات كثيرة بهذا الصدد.
إن الحضارة الغربية جبارة وهي تغزو العالم أجمع وتقدم كل يوم جديداً في مجال التكنولوجيا ووسائل الراحة، ونحن بدورنا نسعى جهدنا الحصول عليها بآي شكل كان، وهذا يتطلب مالا وفيراً، والمال يأتي بالعمل. لذا هرع أبناء الجاليات الأجنبية إلى القيام بأي عمل للحصول على هذا المال...إن الأكثرية الساحقة من أبناء هذه الجاليات لها واجبات والتزامات مختلفة تجاه من تبقى من الآهل في الوطن، وهذا بدوره يشكل عبئاً إضافيا على كاهله هنا في أوربا...هذا هو حال الناس القادمين من الوطن إلى أوربا .

في هذا الصدد لابد من القول أن هذه المشاكل والهموم لن تنقل إلى أولادنا، سنجدهم في المستقبل القريب بغير حالنا، إنهم سيدرسون في أوربا، وسيصبح الكثيرون منهم أصحاب الشهادات العليا التي ستفتح أمامهم الأبواب بسهولة، إنهم سيعيشون حياة أخرى، وسيكون لديهم هموم أخرى، وستبدو همومنا ومشاكلنا مقابل مشاكلهم تافهة ولا تستحق كل هذا الهم.
هذه بعجالة ملامح هذه المحطات الثلاث دون الخوض في تفاصيل كثيرة قد تكون مملة للاخوة القراء.

س 3 ما الذي جذبكم إلى الاتحاد السوفيتي سوى الدراسة؟ الثقافة في تلك البلدان الشيوعية؟ أم الشعور بأن أبناء جلدتكم الكورد يعيشون هناك في حالة من الحرية أكثر من مما هم عليه في الوطن؟

الذي جذبني إلى الاتحاد السوفيتي هو الدراسة كما هو حال الأكثرية الساحقة من الطلبة. فقد كنا نقرأ بشكل دوري عن الاتحاد السوفيتي في مجلة "المدار" الشهرية بالإضافة إلى أحاديث الناس ممن زار هذه البلاد، لقد كانت قصص وأحاديث شيقة ومعظمها تدور حول الإنجازات العلمية الضخمة للعلم السوفيتي في جميع المجالات، وكان للحزب الشيوعي السوري دور لا بأس به للترويج حول عظمة الرفاق السوفيت ومتانة نظامهم وعدالته، لدرجة صرنا نعلم عن عظماء الروس من الكتاب ورجال الفضاء والعلم والفكر أكثر من معرفتنا بواقعنا المحلي الوطني والقومي.
هذا وكان جانب من هذه الدعاية يدور حول الحقوق التي حصل عليها الكورد هناك وخاصة في مجال العلم والدعاية من المدارس الكوردية وراديو يريفان وما قدمه علماء السوفيت من كتب ومؤلفات قيمة حول الكورد وتاريخ شعبنا، من منا لم يسمع باسم جليلي جليل أو شاكرو خدو أو لازريف أو هسرتيان وغيرهم كثر ،هذا كله كان يجذب الشباب الكوردي إلى صفوف الحزب الشيوعي.

أما ما يتعلق بالشق الثاني من السؤال ألا وهوالتعرف على أحوال الكورد هناك ، فلم يكن هذا السؤال يراود أذهان الشباب الكوردي الواقع تحت تأثير الفكر اليساري بشكل عام والشيوعي بشكل خاص، إذ لم يخطر على بال شاب كوردي في العشرين من عمره القيام برحلة سياحية إلى الاتحاد السوفيتي بقصد التعرّف على أحوال أبناء جلدته الكورد هناك.

س 4 هل بإمكانكم وصف شعوركم لدى وصولكم أول مرة إلى الاتحاد السوفيتي وكيف تقيمون ذلك الآن كمثقف وكخبير اجتماعي؟

كما قلت في معرض الجواب على السؤال الثاني سافرت إلى الاتحاد السوفيتي من منطقة كوردية صغيرة وهي منطقة عفرين وتعتبرهذه المنطقة مغلقة على محيطها الكوردي، قلما يجد الكوردي في عفرين شخصاً غريباً (الحديث يدور حول السبعينات من القرن الماضي) سائحاً أو ماراً، لذا كان الاختلاط بالأجانب من الأمور النادرة في هذه المنطقة. هذا وكنا نسمع ونقرأ كثيراً عن الاتحاد السوفيتي كما مرّ ذكره، لذلك وعندما وجدت نفسي في صيف عام 1983 في مدينة موسكو الضخمة والجميلة خالجني شعورالامتنان والشكر لكل من أبدى قسطاً من الجهد لحصولي على منحة دراسية.

أتذكر إلى الآن، بعد يوم من وصولنا إلى موسكو أتى الرفيق وليد جولاق وأخذنا (مجموعة من الطلبة الجدد منهم جيهان مصطفى وحسن جولاق ومحمد إيبش ...الخ) إلى الساحة الحمراء في وسط موسكو، والتقطنا صورا جميلة مازلت أحتفظ بها، والمكان هي ساحة جميلة جداً بوسطها ضريح ف.إ. لينين وبمحاذاة جدار كرملين هناك مراقد عظماء السوفيت من الرؤساء ورجال الفضاء أو من خدم هذا البلد من الأجانب، وهي محاطة بالأبنية التاريخية الجميلة أيضاً. الجدير بالذكر أنها سميت بالحمراء ليس لكثرة إراقة الدماء بها كما هو مشاع، بل سميت ب( الحمراء) نسبة إلى لون حجر الأبنية المحاطة بالساحة وهي آتية أيضاً من الكلمة الروسية ( kras) التي تعني جميل. شعور جميل على كل حال وأنت تتنزه في الساحة الحمراء.
أما الآن وقد انهار الاتحاد السوفيتي ولم يبق له ذكر، فلا بد لي من القول:
إن هذا البلد، والدول الاشتراكية الأخرى، كان بمثابة بوابة كبيرة للشعب الكوردي كي يتخرّج من معاهدها وجامعاتها المئات من أبنائه، ومازال العديد منهم يتابع نشاطه الثقافي والسياسي وهم محط تقدير واحترام. لقد تخرّج من هذه المعاهد العشرات من الأطباء والمهندسين وعلماء التاريخ والجغرافيا والاقتصاد ولهم دور تثقيفي كبير بين الكورد، وهم بأغلبيتهم الساحقة كانوا أبناء الفئات الفقيرة، حيث لم يكن بمستطاع العديد منهم متابعة دراساتهم في جامعات الوطن. وعندما انهار هذا البلد حُرِمَ الشعب الكوردي من إمكانية كبيرة لتهيئة الكادر العلمي.
من ناحية أخرى، لقد بات واضحاً أن القسم الأكثر من هؤلاء الطلبة ذهبوا شباباً يسارياً ـ شيوعياً ورجعوا كوادر علمية مشبعة بشعور عال من الروح القومية الكوردية، وهم الآن ملك الشعب الكوردي وحركته القومية.
لقد تعلّم الكثيرون من هؤلاء الطلبة، وأنا واحد منهم، قراءة وكتابة اللغة الكوردية بعد وصولهم إلى الاتحاد السوفيتي.
اما لماذا جرى هذا التحول؟
هل جرى هذا التحول بعد وصولنا إلى الاتحاد السوفيتي أم جاء متأخراً؟
هل جرى هذا التحول بعد انهيار الاتحاد السوفيتي؟

هذه الأسئلة وغيرها يمكنني أن أردها إلى ظاهرة عامة كانت سائدة بين الطلبة هناك، وهي ظاهرة الشعور القومي العام، إننا عندما كنا نلتقي بطلاب من فلسطين واليمن وفيتنام وكوبا ومن الدول الأفريقية وهم يتحدثون عن شعوبهم وأحزابهم ومشاكلهم وقضاياهم الوطنية والقومية ويسألوننا عن شعبنا وقضية أمتنا، كنا نحتار كيف نجاوب.
إذا أجبنا أننا سوريون، ولنا مشاكل مع العدو الإسرائيلي، كان هذا جواباً غير كاف.
وإذا أجبنا ككورد وتحدثنا عن مأساة شعبنا الكوردي وضياع وطنه بين شعوب المنطقة، لم نكن نرتاح بسبب الخلفية الشيوعية.
أذكر إلى الآن كيف كان يحذرنا عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الرفيق عبد الوهاب رشواني، وهو كوردي أيضاً، من مغبة التعصب القومي، وكان يقصد التعصب القومي الكوردي.
بلا شك نحن نقف بالضد من التعصب القومي الكوردي، لا بل إن الشعب الكوردي أصبح ضحية التعصب القومي العربي والفارسي والتركي.

الظاهر أننا كنا في تلك الفترة نعيش حالة صراع مع الذات.
وجوهر هذا الصراع هو أنني لو تكلمت عن القضية الفلسطينية والكوبية والكمبودية والموزامبيقية، ولو شاركت بالعمل الفدائي الفلسطيني في لبنان لكنت بذلك أقوم بواجب أممي ووطني شريف، ويكون موقفي هذا محط إعجاب شديد من الرفاق.
ولكنني لو تكلمت عن الكورد ومآسيهم، أو شاركت بالعمل الفدائي ك"بيشمركه" ضمن صفوف الحركة الكوردية لأصبحت مباشرة متعصباً قومياً وشوفينيا تجب محاربتي وإخراج الجرثومة من رأسي كي أعود إلى رشدي.
ولحسن حظ الشباب الكوردي أنهم حسموا هذا الصراع لصالح الحركة الكوردية دون الاهتمام بأحاديث الرفاق حول التعصب القومي وانتهازية المثقفين وميوعتهم ،الخ من هذه الترهات والخزعبلات التافهة.
ختاماً أرجع إلى القول المار ذكره، إن الشعب الكوردي قد خسر مصدراً من مصادر تكوين الكادر العلمي جراء هذا الانهيار المدوي للاتحاد السوفيتي.

س5 هل ظهرت لكم سلبيات المجتمع الشيوعي اللاديمقراطي واللاحر مباشرة أم في مرحلة متأخرة، وهل صدمكم ذلك؟ وما كانت تلك السلبيات الكبرى؟ هل يمكنكم شرح ما كان يدور آنذاك حولكم وفي أنفسكم؟

لكل مجتمع ونظام إيجابياته وسلبياته، هناك جوانب كثيرة مثيرة للإعجاب والتقدير وأمثلة يحتذي بها، كما وهناك جوانب سلبية تثير الاشمئزاز والتقزز.
أما الجوانب السلبية في النظام السوفيتي، وهي كثيرة ولا يسعني هنا أن أسردها، وهي فوق ذلك ليس وظيفتي، أهل مكة أدرى بشعابها كما يقول المثل، هناك لدى أهل البلد أُناس كثر قد قاموا بتقييم تلك التجربة التي دامت من عام 1917 ـ 1991 والتي أصبحت ملكاً للتاريخ.
ولكن لا بأس من ذكر بعض تلك السلبيات الكبرى كي نستفيد منها في واقعنا.
لعل سيادة الحزب الواحد وتسلطه عل مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وحتى العائلية كان من أكبر سلبيات النظام السوفيتي.

إن الحياة جميلة ورائعة بالتنوع والاختلاف، وفيها أكثر من صورة ولون وصوت.
ومن هذه السلبية تتفرع نواقص أخرى ككبت الحريات ومنع السفر وسيادة نزعة الشك والريبة لكل جديد وغريب، إنك لن ترتاح في حياتك العملية واليومية عندما تشعر أنك مراقب ولا تدري مِن مَن.
من الطبيعي أن لا تظهر هذه السلبيات مباشرة، إنك عندما تزور بلداً غريباً لا ترى سلبياته مباشرة، بل تظهر هذه السلبيات بعد سنوات، عندما تحتك بالواقع العملي. نحن هنا لم نشعر بسلبيات المجتمع الألماني إلا بعد عدة سنوات من العيش هنا، وهكذا ومع مرحلة الانفتاح وprestroika على يد ميخائيل غورباشوف صرنا نتعرف رويداً على تفاصيل تلك الجرائم الفظيعة ضد الجنس البشري أيام حكم ستالين.

وخير من فضح هذه الجرائم هو الكاتب الروسي الكسندر سالجنيتسين في كتابه (معسكرات كولاك).
قبل مرحلة غورباشوف كان الناس يخافون البوح بما يدورفي دواخلهم، كما كان الكتاب والأدباء يُلاحقون ويُسجنون جراء كتاباتهم عن تلك المرحلة.
لقد كانت الصدمة كبيرة وضخمة جراء الكشف عن الماضي الذي أفقد مصداقية السلطة لدى الشعب ولدى أصدقاء النموذج السوفيتي.
أتذكر إلى الآن الحادثة التالية:
قامت طالبة يونانية شيوعية اسمها خارولا في إحدى السيمنارات في جامعة كييف وقالت:إذا كانت هذه هي الاشتراكية فأنا ارفض إقامة مثل هذا النظام في بلدي اليونان.
بعد ذلك قررت إدارة كلية الفلسفة فصل هذه الطالبة بحجة معاداة الشيوعية. وفعلا لم تستطع المسكينة التقدم لامتحانات الفصل الشتوي لعام 1985. و من حسن حظها أنه بعدما استلم غورباشوف زمام الأمور عادت إلى الجامعة، وذلك بعدما تغير طاقم الإدارة في الكلية.

ثم بدأنا نتعرف على مأساة الشعوب المهجّرة من ديارها مثل الألمان واليهود والتتر من جزيرة القرم والإنغوش والشيشان من منطقة القافقاس، وكذلك تم تهجير القسم الأعظم من أبناء الشعب الكوردي باتجاه آسيا الوسطى في ثلاثينات القرن الماضي، مما أدى إلى وضع علامة استفهام كبرى حول معنى حل مشكلة القوميات في الاتحاد السوفيتي.
ما أدى بأحد زعماء الكورد وهو محمد سليمان بابايف في مؤتمر الكورد عام 1990 في موسكو إلى القول:إن ثورة أكتوبر كانت نعمة للشعوب الكبيرة ومأساة للشعوب الصغيرة ومنها شعبنا الكوردي.
ومن الظواهر السلبية الكبيرة في النظام السوفيتي تفشي ظاهرة الرشوة والمحسوبية والواسطة والتزلف من الأسفل إلى الأعلى، هذه الظاهرة لم يكن لنا التعرّف عليها مباشرة، لأننا لم نكن على تماس مباشر بالدوائر السوفيتية، ولكننا تعرّفنا عليها فيما بعد، مما أدى إلى حدوث نوع من الصراع المزعج لدينا، مفاده هو لماذا علي أن أصرخ وأكتب وأحارب الرشوة في بلدي، بينما يجب علي السكوت عن ذات الظاهرة في النظام السوفيتي، وإن تكلمت عنها أُجابه بتهمة معاداة السوفيت، وهي كانت تهمة كبيرة في حينها.

هناك ميّزة مثيرة للتفكير. إذ كيف بنظام يطلق أفضل المراكب الفضائية والصواريخ العابرة للقارات وينتج أفضل وأكبر أنواع الطائرات، وهذا كله يتطلب مهارات عالية وتكنولوجيا جبارة فائقة الدقة، بينما نرى في الأسواق مواد أولية ذات جودة رديئة مثل السيارات والأدوات المنزلية والحياتية الأخرى....الخ.
أكاد أعتقد جازماً بأن الكثيرين من أصدقاء الاتحاد السوفيتي من الشيوعيين واليساريين لم يكن يعلم أنه حتى عام 1960 لم يكن يحق للفلاح السوفيتي الحصول على جواز سفر أوهوية ثبوتية، وذلك خشية هروبه من الريف إلى المدينة. مثل هذا الإجراء العنيف جعل الفلاح في دولة العمال والفلاحين أسيرالأرض، فتحوّل بذلك من فلاح مالك إلى عامل لدى الدولة في مزارع سميت بالسوفخوز وأخرى بالكولخوز.
هذا، وكانت هناك في الاتحاد السوفيتي عشرات المدن والمناطق التي حرمت زيارتها على الأجانب طلاباً وسواحاً.
عندما أُنزل العلم الأحمر من على مبنى الكرملين، مقر القيادة السوفيتية، كنتُ حاضراً مع الآلاف من الناس، ونحن نودّع بإنزال هذا العلم حقبة تاريخية لدولة كانت تسمى الاتحاد السوفيتي، وكان من بين مَن حضروا هذه اللحظات الآلاف من أهل البلد، ولكننا لم نسمع كلمة من أحدهم، كأن يقول أحد هؤلاء العشرين مليوناً من الشيوعيين: ماذا تفعلون بوطني وعلمي. كان الجميع في حالة من الدهشة، وكأن ما يحدث لايعنيهم.

رجعت إلى البيت وتحدثت عما جرى لجارلي، فقال:ليذهب الحزب الشيوعي إلى الجحيم.
تماماً كما قال الناس عام 1917 ليذهب القيصر إلى الجحيم.
طبعاً هناك ظواهر أخرى تدعو إلى الأسى لا يسعني هنا في هذه المقابلة الخوض في تفصيلاتها.
لم يكن سهلاً معرفة ورؤية هذه الظواهر والنواقص الخطيرة، ولذلك كانت الصدمة كبيرة، ومن هنا أكاد أجزم أن هذه الظواهر وغيرها أدت بشكل ما ومع مرور الأيام إلى ذهاب الطلبة شيوعيين ورجوعهم لا شيوعيين.

س 6: باعتباركم كنتم ولازلتم من المهتمين بحياة الكورد في تلك البلدان النائية، فهل تعطونا نبذة تاريخية عن تشريد الكورد في العهد الشيوعي؟ وهل بامكانكم أن تصفوا حال الكورد ومتحداتهم الأثنية والدينية في عدة بلدان مختلفة قومياً في دول الاتحاد السوفيتي، وكيف هي حالهم اليوم حسب معرفتكم؟

لتاريخ وصول الكورد إلى أراضي روسيا القيصرية ومن ثم الاتحاد السوفيتي قصة طويلة، فقد كتب المهتمون بالشأن الكوردي من العلماء والمؤرخين السوفيت بما فيه الكفاية.

عندما كنا نسمع في الوطن بأسماء جليلي جليل وأخيه أورديخان وشاكرو خدو وهسرتيان ولازريف ،الخ.. كنا نقول لمن حولنا هذا هو النظام الإشتراكي يُحق الحق ويهتم بشؤون الجميع دون تفريق بين القوميات والشعوب.
ولكن عند ذهابنا إلى الاتحاد السوفيتي وقيامنا بزيارات إلى مناطق الكورد في أرمينيا وأزربيجان، تعرفنا على الصورة المفجعة لواقعهم الرديء، وتعرّفنا على هول الجريمة الكبيرة المقترفة بحق أبناء الكورد هناك.
أما المؤسف هو أننا لم نقرأ في مؤلفات المهتمين بالشأن الكوردي عن تلك الصفحة السوداء وتفاصيل تلك الجريمة، حيث منعت السلطة السوفيتية الحديث عن مثل هذه الامور.

أما الجريمة، فقد حدثت عام ،1928 عندما أقدمت الحكومة الأزربجانية السوفيتية على القضاء على تلك المقاطعة الصغيرة التي كانت تسمى (كوردستان الحمراء) أو بالروسية ( kurdski uezd) المؤلفة من عدة مناطق مثل شوشا ولاجين وغيرهما، حيث تقطن الأغلبية الكوردية منذ ما يقارب ال300 سنة وهم بمجملهم عشائر كوردية هربت من جور حكومة الشاه عباس الأول الفارسي ولجأت إلى أراضي روسيا القيصرية. وبعد قيام ثورة أكتوبر عام 1917 تم الحديث بشكل واسع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفعلاً بأمر من لينين تم تشكيل مقاطعة كوردية في جمهورية أزربيجان عام 1923 .
أما في عام 1928 فقد قررت الحكومة الازرية إعادة تشكيل المحافظات في الجمهورية وضمت من كل مقاطعة وناحية كوردية إلى محافظة أخرى، وبذلك توزّع الكورد على عدة محافظات، وغاب من الوجود كوردسكي أويزد.
وفي عامي 1936 و 1944 قررعدو الشعب الكوردي باكيروف سكرتير الحزب الشيوعي الأزربيجاني ترحيل الكورد من هذه المقاطعات باتجاه صحاري أسيا الوسطى، حيث تم جمع الفلاحين الكورد من القرى والقصبات في تجمعات مؤقتة في المدن، ومن ثم تم نقلهم بقطارات الشحن المخصصة للدواب والمعدات إلى أماكن سكناهم الجديد، وتم توزيعهم على جمهوريات أسيا الوسطى.

القارئ لهذه السطور قد لا يولد لديه شعورأكثر من شعور قراءة قصة مثيرة، ولكن عندما تسمع ضحايا هذا الترحيل القسري والقاسي، سيتولد لديك شعورآخر، عندها تعرف كم هو قاس قلوب البعض ممن يُحسب ظلماً من عداد البشر.
لقد قرأ عضو أكاديمية العلوم في كازاخستان البروفيسورالكوردي المعروف نادر نديروف وعائلته من ضحايا هذا التهجير، قرأ محاضرة عام 1990 في مؤتمر الكورد في موسكو وشرح، للحضور دقائق هذه المأساة فاقشعرت الأبدان من هول الجريمة، لقد تم التفريق بين الأخ وأخيه و بين الابن وأبيه، ولا أحد يعلم أين فـُرز قريب له، تم توزيعهم على القرى بمعدل خمس عائلات في كل قرية .

وبالمناسبة تم استخدام الأسلوب نفسه مع البارزانيين الذين عبروا نهر آراس الفاصل بين الحدود الأيرانية ـ السوفيتية عام 1946 إثر رحلة القائد الكوردي ملا مصطفى البارزاني الشهيرة في التاريخ الكوردي الحديث ولجوئه إلى الاتحاد السوفيتي، فقد تم توزيعهم أيضاً بين القرى لدرجة لم يعد البارزاني يعلم أين هم أهله ورفاق دربه، وأحول القارئ الكريم إلى كتاب رئيس إقليم كوردستان السيد مسعود البارزاني الذي وقف على تفاصيل هذه الرحلة وما تلاها في كتابه حركة التحرر الوطني الكوردستاني، المتوفر في الأسواق.

ولعلني لا أخطئ إذا قلت إن البند الوارد في مشروع محمد طلب هلال بتشريد الكورد في سوريا بين المحافظات الجنوبية مقتبس من خطة باكيروف. ولعلني لا أخطئ أيضاً إن قلت إن حملات الأنفال ضد الكورد في العراق إبان عهد المقبور صدام حسين مقتبسة هي الأخرى من الخطة الباكيروفية .

السؤال المطروح، لماذا أقدم باكيروف على تنفيذ هذه الخطة ضد مجموعة من الناس الذين لم يكنوا العداء للسلطة السوفيتية، كما لم يكن لهم أي علاقات أو تماس مع الكورد أو غير الكورد ممن يُنظر إليهم على أنهم يشكلون خطراً على هيبة السلطة السوفيتية؟
لم نحصل حتى الآن على جواب شاف، لا في كتابات المهتمين بالشأن الكوردي في الاتحاد السوفيتي ولا في كتابات المؤرخين الكورد أنفسهم ،حيث لم يستطع أحد الوصول إلى أرشيف تلك الفترة.
وفي عام 1989 وأثناء التحضير لرسالة الدكتوراة تقدمت بطلب خاص إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي للسماح لي بالحصول ولو على معلومة بسيطة حول عدد المهجرين، إلا أن طلبي هذا جوبه بالرد السلبي.

إنني على قناعة بأن باكيروف هذا يعتبر تلميذاً أميناً ل "مصطفى كمال أتاتورك"، و الأزريون والأتراك من جنس واحد كما هو معروف، إذ ليس من المعقول أن يقوم المعلم في تركيا بإبادة الكورد بينما يسهر التلميذ في ازربيجان على حقوقهم. وذهب الاخ الدكتور محمد أحمد برازي إلى ذات المنحى، ولكنه ربط قصة التهجير باتفاق بين ستالين واتاتورك في مقال له منشور في وسائل الإعلام الكوردية الإلكترونية بعنوان الهجرة القسرية للكورد السوفيت ( bingeh.com) بتاريخ 01.12,2009 .
إلى أى مدى محق أنا في تقديري هذا؟ لا أدري.

ولكن للحقيقة يجب أن يُقال إن بعض الكورد قد أفلت من وحشية هذه الحملات بأن قام القليل منهم بتغيير قوميته من الكوردية إلى الأزرية، وهؤلاء هم الباقون الآن في جمهورية أزربيجان، وكنت قد التقيت بعضهم عام 1985 إثر رحلة قمت بها إلى مدينة باكو العاصمة.
وعلى أثر النزاع الأرمني ـ الأزري على إقليم ناغورني كاراباخ شرّد هؤلاء وكثيرون من كورد أرمينيا باتجاه العمق الروسي البارد، وهم اليوم موزعون بين مدن موسكو وياورسلافل وتامبوف في روسيا ومدينتي كييف ونيكولايف وغيرهما في أوكرانيا بمعدل عدة آلاف في كل منطقة، وبعضهم وصل بهم الدهر إلى أوربا الغربية، تلتقي بهم في مدن ألمانيا وغيرها من الدول.

إنهم في العمق الروسي أمام الضياع.
هذا وكتب الأخ الدكتور خوشي بابكر ممثل حكومة كوردستان في روسيا كتابا قيماً (كوردستان ـ روسيا ملاحظات دبلوماسي كوردي) حول جهوده الفردية قدراستطاعته تجاه اخواننا الكورد، ولكن علينا أن نعلم أن حل المسائل القومية لا تتم بجهد فرد أو آخر بل كان من المحبذ أن تطرح حكومة إقليم كوردستان مشروعاً لدى الحكومة الروسية بانصاف هؤلاء الكورد المهجرين قسوة إلى الأراضي الروسية وجمعهم في مقاطعة كبيرة مثل مقاطعة كراسندار مثلاً، حيث كان لدى مسؤول لجنة العلاقات القومية في البرلمان الروسي ـ دوما السيد الدكتورعبد اللطيبوف أفكاراً بهذا الخصوص في بداية التسعينات من القرن الماضي.

س 7 هل صحيح أن كورد الاتحاد السوفيتي البائد يتطلعون إلى يوم العودة إلى وطنهم الأصلي كوردستان؟ وهل هناك أي محاولة كوردستانية أو دولية أو من تلك الدول لانصافهم وجمعهم في منطقة واحدة أو إعادتهم إلى كوردستان؟

لا أبالغ إذا قلت أن حلم العودة إلى كوردستان يدغدغ مشاعر كل كوردي، والكورد في روسيا لا يشكلون استثناء من القاعدة، إن الشعور القومي قد ازداد خلال السنوات الماضية لديهم، وهم باتوا على دراية بما يدور حولهم، شأنهم شأن أبناء القوميات والشعوب الاخرى.
لقد وقفت بشيء من التفصيل على واقعهم بالأمس واليوم، إنهم أمام الضياع والإضمحلال، يجب أن تحافظ هذه الفكرة على حضورها الدائم.

إن الأكثرية الساحقة منهم غير متعلمين، وعدم تعلمهم هو من آثار الموقف الرسمي منهم في العهد السوفيتي. لقد كان ممنوعاً عليهم تبوأ أي منصب أعلى من مختار القرية. لم أسمع أن أحد الكورد أصبح عضواً في واحدة من خمسة عشر لجنة مركزية في الجمهوريات ناهيك عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في موسكو، أو عضواً في أحد اللجان التابعة لها. لم نكن على علم أن أحد الكورد أصبح نائباً في البرلمان المحلي للجمهوريات ناهيك عن المركز في موسكو، لقد تم حجزهم في تلك القرى، حيث لم يكن بمستطاع الكوردي مغادرة قريته إلا بإذن من السلطات المحلية، و كان عليه أن يبررسبب مغادرته القرية. وبذلك لم يملك الكوردي الحق بالالتحاق بالمعاهد والجامعات وتبوء مناصب عالية. خلال ثلاث عشرة سنة لم ألتق بطالب كوردي في جامعة كييف أو في جامعات موسكو ومعاهدها الكثيرة.

إذاً نحن أمام شعب شبه أمي تم ربطه طيلة سنوات كثيرة من العهد السوفيتي، ماذا تتوقع أخي القارئ من إنسان كهذا وقد أفلت من مربطه فجأة؟! بالتأكيد لانتوقّع منه القيام بإنجازات علمية عظيمة أو بتنظيم نفسه والمطالبة بحقوقه، بل لعله لا يعلم أن له حقوق. من هنا لطخت سمعة بعضهم بالسرقة والاعمال المخزية....الخ.

لكنهم طيبون، ويفرحون جداً عندما يلتقي أحدهم بكوردي آخر، ويقدّمون أفضل مالديهم لضيفهم. أتذكر أنني عام 1986 كنت في زيارة إلى مدينة يريفان عاصمة جمهورية أرمينيا، وهناك التقيت البروفيسور جليلي جليل الذي اصطحبني لزيارة أحد معارفه في إحدى القرى الكوردية والتي تسمى( ريا تزه)، وفي القرية خرج الاطفال والنساء والشباب للقاء العالم المعروف، وقدمني جليلي جليل إلى هؤلاء على أنني طالب كوردي، فسألني احد الشباب: كيف هو حال الأزيديين عندكم؟

يجب أن لا نستغرب من هذه التسمية فهم يسمون كل كوردي بأزيدي، هكذا مدون في جوازات سفرهم في حقل القومية. هذا وخرج من بين الأشجار شيخ جليل وقد أصفر شارباه جراء التدخين الكثير، وعندما عرف أنني من كورد سوريا، بكى الشيخ بكاء مراً وعانقي بحنان وهو يردد ويقول:
إني أشم رائحة العشيرة منك. أي رائحة قومه ووطنه الذي هُجِر منه في سنوات خلت، ولم يستطع زيارته فيما بعد، فبقيت الحسرة تعصر فؤاده. ولما دخلنا بيته وجدنا صورة كبيرة للقائد الكوردي ملا مصطفى البارزاني معلقة بالجدار، والشيخ يردد: خلاصنا بيديك
وعندما أخبرته أن الملا مصطفى البارزاني قد توفي، طأطأ الشيخ رأسه وجلس القرفصاء ولم يقم حتى خرجنا من منزله، وأنا متأسف على إخباره بوفاة البارزاني، فقد فَقَدَ الأمل الأخير بوفاته.
أما الان، فلا توجد خطة كوردستانية ولا دولية ولامحلية حول مصير هؤلاء الكورد.

إنهم محرومون من التنظيم بشكل جمعيات أو أحزاب سياسية أو مؤسسات قومية. هذا وكانت لديهم جمعية باسم (يكبون) لا أدري الآن مصيرها. ومنذ بداية التسعينات بدأ الحراك بين الكورد هناك إثر وصول بعض من كوادر حزب العمال الكوردستاني مثل ماهر ولات وسيد خان وحكيم صفقان وغيرهم، وهم روّجوا لفكرة العودة إلى كوردستان، وهي فكرة غير واقعية في الوقت الحاضر طالما لم يصبح الكوردي مالك جغرافيته الكوردية.

س 8 هنا في غرب أوربة أبديتم ولا تزالون تبدون اهتماماً فائقاً بالناحية الاجتماعية للجاليات الكوردية وإلى حد ما بحراكها السياسي من أجل حقوقها القومية في الوطن؟ كيف ترسمون صورة الكورد في غرب أوروبا؟ هل هم في وضع أفضل من كورد الجمهوريات الشيوعية السابقة؟ ومن أي النواحي أوضاعهم سيئة؟

إن الاهتمام بالواقع الاجتماعي للمجتمع الكوردي هو نتاج دراسة طويلة بدأتها منذ الالتحاق بمعهد الفلسفة التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية والروسية لاحقاً في موسكو، حيث بدأت في هذا المعهد التحضير لكتابة رسالة الدكتوراه وسميتها ( العام والخاص في المسألة القومية ـ المسالة الكوردية نموذجاً) وفيها توقفت على واقع المجتمع الكوردي من الناحية الاجتماعية والسياسية والثقافية.

هنا في أوربا الغربية وفي ألمانيا أبديت الاهتمام أيضاً بواقع الجالية الكوردية عن طريق كتابة مقالات عديدة وهي منشورة في عدة مواقع الكترونية وكذلك على صفحات مجلة ( بينوس) التي كانت تصدرها منظمة أوربا لحزب الوحدة الديمقراطي الكوردي في سوريا والتي توقفت عن الصدور بعد العدد 20 والتي نأمل أن يعاد صدورها لأن الجالية الكوردية بحاجة إلى منبراعلامي مكتوب.

الواقع أن الجاليات الكوردية في الشتات تعاني مشاكل متشابهة وهي متناثرة بين البلدان الاوربية بمعدل عدة آلاف في كل دولة، وهي بمعظمها مشاكل ذات جذور اجتماعية ونفسية أكثر من كونها مشاكل اقتصادية.
لقد تحسّن الوضع الاقتصادي للأكثرية الساحة من العائلات الكوردية، وهذا مصدرسرور. صار باستطاعة الكوردي ليس فقط تحسين وضعه الاقتصادي في أوربا بل صار باستطاعته مساعدة أهله في الوطن.
إن الكورد في أوربا ينضمون بهذا الشكل أو ذاك تحت لواء الأحزاب الكوردية المختلفة، أي أن وعيهم السياسي متقدّم جداً مقارنة بالكورد في الاتحاد السوفيتي السابق.

عندما يتطلع الكوردي هنا في أوربا الغربية إلى يوم رجوعه إلى كوردستان، فهو يعرف أن له بيت وأرض وأقرباء هناك، فإلى أين يتطلع الكوردي (السوفيتي) و قد انقطع عن وطنه كوردستان منذ عهود طويلة، فهو لا يملك أي شيء في كوردستان، وإن رجع يوماً ما إلى كوردستان المستقبل، سيشعر أنه إنما لاجئ في كوردستانه.
وهناك صفة عامة يشترك بها جميع أبناء الجالية الكوردية في أوربا وهي الابتعاد عن المشاركة بالحياة السياسية الأوربية عبر الانتماء إلى الأحزاب الأوربية أو المشاركة بالانتخابات في هذه البلدان.

س 9 كتابكم الأخير الذي نشرتموه عن ( العائلة الكوردية في المهجر) وكان لنا شرف التقديم له وُضِعَ ليكون جمّ الفائدة وسهل الفهم حتى بالنسبة لأقل الكورد علماً باللغة العربية وبالعلوم الاجتماعية ولكنه قوبل من بعض الأطراف السياسية الكوردية أو بعض الجهات المحسوبة على الأحزاب الكوردية بالنقد. ترى هل كان هذا النقد بدوافع سياسية أم أنهم اعتبروه كتاباً غير علمياً؟ وهل كتب احدهم نقداً علمياً حول الكتاب أم كان النقد مجرد آراء شفهية لمجرد النقد؟

نعم أصدرت كتاب العائلة الكوردية في المهجر في نوروز عام 2009 وهو مكوّن من أربع مواضيع رئيسية:
1. من أين أتى الكوردي ومسألة العودة إلى الوطن.
2. أولاد الكورد.
3. المثقف الكوردي.
4. الجمعيات والمنظمات الكوردية.

لقد رصدت واقع العائلة الكوردية في غرب أوربا وخاصة في ألمانيا على مدى أكثر من سبع سنوات وكتبت عدة مقالات موجزة تحت ذات العنوان كتمهيد للكتاب. من خلال ردود الفعل من بعض الأصدقاء تبيّن لي بجلاء أن الموضوع الاجتماعي لايحظى باهتمام القارئ الكوردي.
بالاضافة إلى ذلك تبيّن من خلال مقالات وكتابات الاخوة الكتاب أن الاكثرية الساحقة تعير الجانب السياسي والادبي اهتماماً كبيراً، وهذا ناتج بالاصل من كون المسالة الكوردية تعاني من العنف السياسي بشكل واضح لذا تُرِكَ الموضوع الاجتماعي والاقتصادي جانباً.

من ناحية أخرى نحن مازلنا شعباً شفهياً، ولسنا بشعب كتابي على حد تعبير الاستاذ حيدر عمر. فالتاريخ الكوردي يُنقل شفاهاً ولم تـُعر الطبقة المثقفة الكوردية على مدى السنوات من التاريخ الكوردي مسألة كتابة وتدوين الاحداث التي جرت وقائعها على أرض الكورد تماماً، لذلك نمدّ يدنا دوماً إلى ما كتبه الأجانب عن الكورد، وهؤلاء قد كتبوا القليل على كل حال، وقد كتبوا حسب وجهة نظر دولهم. لذا وصل تاريخنا إلينا بشكل مشوه وناقص. هذا ولم يعرهؤلاء الكتاب الأجانب الحياة الداخلية للعائلة الكوردية أهمية تذكر إلا إذا استثنينا جهد الروسية الدكتورة القديرة تاتيانا أريستوفا، التي ألّفت كتاباً قيماً باللغة الروسية تحت مسمّى ( الحياة المادية للشعب الكوردي)، نتمنى أن يترجم هذا العمل العلمي الكبير إلى إحدى اللغات التي يفهمها الكوردي.
هذا، ويتبيّن من كتابات هؤلاء الأجانب أيضاً أنهم صوروا الشخصية الكوردية بشكل مبالغ، لقد صوروها قوية ذا عزيمة حديدية، وأن الكوردي أسد الجبل ونمرالصخورلايقف أمامه كل قوى الشر، إنه المنتصر دوماً في المعارك والحروب. ولم يقصّر الشعراء والمغنون الكورد في هذا المجال، وهوما كنا نسمعه مثلاً من أشعار الشاعر جكرخوين ومن أغاني شفان برور.

نتيجة لهذا الشحن التربوي الايجابي عن الكورد تكوّنت لدينا صورة وردية عن الكوردي ، إنه مالك الجبل وقاهر العدو. وتبعاً لذلك صرنا نتهم كل من حاول أن يصور الشعب الكوردي عكس ذلك بالعداوة والحقد على الكورد. لقد فعل هذا النمط من التفكير فعله خلال فترة من الزمن.

ولكنني على قناعة أن هذا النمط قد ولىّ زمانه، سياسياً منذ تأسيس المنطقة الكوردية في كوردستان العراق وما تلى ذلك من تشكيل الحكومة والبرلمان الكورديين ومنذ اعتقال زعيم حزب العمال الكوردستاني، أما أدبياً فقد انتهت هذه المرحلة بوفاة الشاعر جكرخوين. وبدأت تبعاً لذلك مرحلة الالتفات إلى الواقع المعاش، واقع التمزق والفقر وانعدام الشخصية السياسية ( الدولة الكوردية) وواقع القهر والقمع الذي يرزح تحت نيره الشعب الكوردي.

من الطبيعي أن يكون هذا الالتفات نقدياً يبين السلبيات والنواقص.
لقد كتب الاخ الكاتب الكوردي المعروف جان دوست مقالاً في جريدة أفيستا العدد الثاني يقول فيها أن الكورد يفتقر إلى حضارة كتابية.
هذه مقولة جديدة على الفكر الكوردي، وخطرة عند أول سماعها، وكتبتُ رداً على مقاله لأثبت العكس وصرت استشهد من تاريخ الدولة الميدية القديمة، وأن التاريخ والحضارة الكوردية مدمّرة وهي مختبئة تحت الأرض بشكل آثار تاريخية. وبعد تفكير توصلت إلى قناعة أن جان دوست على حق وأنا على خطأ.
الواقع أن الفكر الكوردي لم يتهيأ بعد لقبول النقد والاعتراف بالخطأ، وبتصوري جاء كتابي المذكور أعلاه في مرحلة لم يتهيأ الكوردي لقبول النقد من الأجانب ناهيك من كوردي يعتبر نفسه كاتباً ومهتماً بالواقع الاجتماعي الكوردي.
في إحدى اللقاءات مع أبناء الجالية الكوردية في مدينة دورتموند الألمانية قام أخ كوردي ومسك الكتاب وهو يلوح به أمام الجميع ويقول:

تُرى لو تّرجم هذا الكتاب إلى لغات أخرى ماذا سيفكر الأجانب عن الكورد؟
الواقع أن هذا الأخ وآخرين كثر لم يبذل جهداً وعناء سؤال عكسي "ماذا يفكر الأجانب عن الكورد دون ترجمة هذا الكتاب؟"
من الملاحظات التي أبداها بعض الاخوة قراء الكتاب حول لغة الكتاب التي كتبت بها، إنها لغة الشارع كما قال أحدهم إن العلم يجب أن يرتقي عن لغة الشارع ويكون غير مفهوم للوهلة الأولى.

هذا تفكيرٌ قديمٌ ومصدره ينبع من واقع المجتمع الشرقي بشكل عام والكوردي بشكل خاص، كان العلم والمعرفة والكتابة إلى فترة قريبة جداً ملك فئة صغيرة من المجتمع وهي فئة الملالي والشيوخ، وهؤلاء صعدوا بالعلم إلى الأعالي كي يتحكّموا بعقول الناس، وكانوا يقولون كلاماً غير معلوم لعامة الناس، وبذلك شاع تصور أن العلم يجب أن يكون غير مفهوم مشوب بالألغاز، وكلما تكلّم الشيخ كلاماً صعب على العامة فهمه قيل عنه إنه عالم. أما أن ياتي كاتب كوردي ويؤلف كتاباً عن المجتمع الكوردي بلغة بسيطة يفهمها القارئ العادي ويستشهد بأمثال شعبية ويورد قصص شعبية متداولة على لسان الجميع فُيرفـَض هذا النمط من الكتابة وتـُنفى عنه صفة "العلمية".

ولكن لكل كاتب اسلوبه وطريقة كتابة مؤلفاته ومقالاته، وأنا أحبّذ طريقة اللغة البسيطة والابتعاد قدر الامكان عن الفزلكة والتفلسف وإيراد تعابير غير مفهومة أو الاستشهاد بآراء الاجانب حول ما يخص المجتمع الكوردي. إنني أكتب للعامة، وفوق ذلك هناك خاصية لعلم الاجتماع ، تكمن في المادة التي يستمد منها مواضيع البحث والتمحيص، ولعل أحاديث الناس بمشاغباتهم ومنافراتهم وصراعاتهم أقرب المواد إلى علم الاجتماع.

إن العامي يفضح عن كينونة دواخله بسهولة بعكس المتعلم الذي يلبّس كلامه نوعاً من اللباقة والطلاء، ولا يفصح عما يدور بخلده عارياً ومباشرة.
يقال إن شخصاً خرج من المسجد وهو يقول لمن حوله:
يا لروعة الخطبة، إنها كانت رائعة وبلغة بليغة، لقد كانت خطبة عظيمة وعلمية وثمينة.
وعندما سأله أحد الحضور:
ماذا فهمت من الخطبة؟
ردّ قائلاً: وهل بإمكان إنسان بسيط مثلي أن يفهم هذا الكلام الصعب.
ما الخير في لغة وخطبة لايفهمها الإنسان البسيط؟
ما الخير في قصيدة بديعة لايفهمها إلا صاحبها؟
ما الخير في كتاب ولغة كتاب لايفهمها الإنسان العادي.
إن الكاتب عندما يسمح لنفسه أن يمارس نقد المجتمع والناس والأحزاب عليه أن يسمح لنفسه بأن يُنتَقد أيضاً. وهذا ما سمحت لنفسي وتقبلت النقد وكل الملاحظات بصدر رحب وأشكر كل من أبدى رأيه كتابة أم شفاهاً.
من الأخوة الذين كتبوا عن هذا الكتاب هما الأستاذ حيدر عمر والأخ الكاتب علي جعفر، هنا أوجه شكري وتقديري لهما ولملاحظاتهما القيمة.

من إحدى الملاحظات التي أبداها الأستاذ حيدر عمر هو أن الكتاب تنقصه الإحصائيات وأن علم الاجتماع يستند في الكثير من موضوعاته على الرقم والعدد بجميع أشكاله. وهي ملاحظة قيمة جداً.
إلا أنني صرت أسأل نفسي وأين هي مراكز البحث العلمي التطبيقي والتجريبي الكوردية وإحصاءاتها، إن لغة الأرقام لغة غريبة عن مفهوم الكوردي.

نحن لا نعرف كم هو عددنا وكم هي مساحة وطننا كوردستان وكم هو الإنتاج الزراعي والحيواني الكوردي، ولا نعرف مقدرات الأرض الكوردية باطناً وسطحاً، نحن لانعرف كم هو عدد المنظمات والجمعيات الكوردية في أوربا، وكم هو عدد الكورد في هذه البلدان، نحن لانعلم كم هو عدد الطلبة الكورد في الجامعات الأوربية أو الوطنية.
لقد سأل أحد أعضاء حزب كوردي سوري أمين عام حزبه عن عدد أعضاء الحزب قال الأمين العام لا أعلم. وكان يقول الحقيقة.

إذن من أين لكاتب كوردي أن يأتي بالارقام؟
كل الارقام التي نقرؤها في المقالات والأدبيات الكوردية هي تقريبية. أحدنا يقول عن عدد الكورد مثلاً 40 مليون وآخر يقول 20 مليون وثالث يقلل ورابع يضاعف، نحن نتعامل مع التقريب والتخمين وهذا عيب كبير على المنظمات التي تهتم بالشأن الكوردي أن تلتفت إلى هذا الجانب الحيوي والمهم في حياة الشعب الكوردي.

أنا لم أسمع أن احدى المنظمات الأحزاب الكوردية وجهت لكتابي نقداً وتوجيهاً لأعضائها بمحاربة صاحبه.
أنا أعتبر أن كل كاتب بكتاباته والشاعر بقصائده والفنان بلوحاته والمغني بألحانه الكوردية الجميلة وكامل الفكر القومي الكوردي هو نتاج عمل ونضال هذه الأحزاب الكوردية، نحن أبناء هذه الحركة وطبيعي أن يكون للمفكر والمثقف رأي حول عمل هذه الأحزاب.
إننا نحزن عندما نرى أحزابنا ضعيفة وصغيرة متشتتة وكثيرة زيادة عن اللزوم. وسنفرح كثيراً عندما نرى أحزابنا قوية نشيطة تضم في صفوفها خيرة أبناء الكورد.

كان من المفروض أن تأتي هذه الأحزاب إلى الكتاب الكورد وتطلب منهم متابعة التاريخ والجغرافية والشعر والرواية وأدب الأطفال ودراسة أحوال المرأة والشباب في الوطن والمهجر.
كان من المفروض أن تأتي هذه الأحزاب إلى المبدعين الكورد، تطبع نتاجهم وتوزعه.
كان من المفروض أن تلعب هذه الأحزاب دور مديرية الثقافة بين أبناء الجالية الكوردية في أوربا.
كل هذا لم يحدث وعلى ما يبدو لن يحدث في المدى القريب.

إن الحزب الذي يتحوّل إلى مكتبة لنشرالثقافة والعلم والأدب هو حزب المستقبل وهو الذي سيجد له موقع قدم بين أبناء الجالية الكوردية.
هناك صفة سيئة لدى أبناء الشعب الكوردي وهي أنهم لايميلون كثيراً إلى القراءة والمطالعة.
إنك لن ترى شعباً في هذا الكون الفسيح بحاجة إلى القراءة كما هو الشعب الكوردي، وإنك لن ترى شعباً في هذا الكون الفسيح يهجرأبناؤه القراءة كما هو الشعب الكوردي مع شديد الاسف.

س 10 أنت لك منتوج أدبي حسبما نعلم. هل تحدثنا قليلاً عن هذا الجانب من نشاطات الدكتور زينو؟

هذا الجانب الذي تتكلّمون عنه ينحصر في مجال كتابة القصة القصيرة من نوع الأدب الساخر، وهذا النوع من الأدب منتشر بكثرة لدى الأدباء الروس، والكاتب التركي المشهور عزيز نيسين بارع في هذا النوع من الكتابة في منطقتنا، من الأدباء الكورد الذين يكتبون الأدب الساخر بمهارة يعجبني ما تفرزه قريحة الكاتب قادو شيرين.
لقد نشرت في فترات مختلفة عدة قصص من هذا النوع في مجلة Pênûs ومجلة Pêl اللتين توقفتا عن الصدور.
ولكنني توقفت عن كتابة هذه القصص، والآن يصب جلّ اهتمامي بالواقع الاجتماعي للجالية الكوردية في أوربا إضافة إلى كتابة مقالات تخص الواقع السياسي بين فترة وأخرى.


س 11 لو التقيتم في الشارع ببعض زعماء الحركة الكوردية السورية، فبماذا ستنصحهم كخبير اجتماعي وكمثقف مرّت عليه تجارب عديدة في بلدان كثيرة؟

أنا لست في موقع من يدلي بنصائح إلى أي شخص كان، ناهيك عن زعماء الحركة السياسية الكوردية.
لو التقيت بأحدهم غداً بالشارع، وهذا نادراُ ما يحدث مع شديد الأسف، لطلبت منه الكف عن مزاحمة بعضهم البعض.
منذ عام 1965 والأحزاب الكوردية تنقسم وتنشق الواحد من الآخر، ونحن اليوم في نهايات عام 2009 أي ما يقارب 44 ومازلنا نسمع ولادة أحزاب جديدة بين فترة وأخرى، ألم يأت وقت البدء بعملية عكسية.
انقسامات وانشقاقات غيرمجدية لم يجن شعبنا منها سوى خيبة الأمل وضياع الفرص والمواهب.
لقد حان وقت لم الشمل والبدء بعملية الاندماج والتوحيد.

تشكرون أيها الصديق العزيز، دكتور محمّد زينو على هذه المقابلة
جان كورد

بون 8/12/2009
 

 
Link

News

Kdps

Gotar

Wêne

Stran

Têkilî

أتصل بنا

أغاني

صـور

مقالات

ك.د.ب.س

أخبار

مواقع الكترونية