|
لانهاء وضع التمزق الكوردي السوري (2)
جان كورد
الثلاثاء، 24 تشرين الثاني، 2009
تختلف
الاحزاب والمنظمات فيما بينها على عدة أمور، إلاّ أن أهم نقاط الخلاف التي
تعتبر قاسماً مشتركاً هي:
- الخلاف على الفكر السياسي
- الخلاف على الأساليب والممارسات العملية
- الخلاف على ماهية وطبيعة وكيفية اقامة العلاقات الاقليمية والخارجية
- الخلاف على ترتيب الأولويات على سلّم القضايا المطروحة
ولذا يحق لنا كمواطنين كورد تناضل باسمهمالاحزاب السياسية الكوردية أن نسأل
أنفسنا ونسأل اقطاب الحراك السياسي الذي تتلاطم أمواج بحوره وترتطم بصخور
الشواطىء فتنبعث منها تشبه فرقعات قوية،عما يمزّق هذه الاحزاب ويشتتها ويضعفها،
ولماذا يصّر بعضهم على انتهاج هذا الطريق دون غيره واتباع هذه السلوكيات دون
تلك، وذلك في ظروف بالغة الأهمية والخطورة لقضية شعب لا يتعرض للاضطهاد القومي
الشوفيني فحسب، وانما يتعرّض وجوده القومي، من مختلف الجوانب، وبخاصة لغته الأم
إلى أشد وأشرس سبل الصهر المنحطة في بوتقة قومية أخرى، واظهار ذلك على مرأى
ومسمع العالم المتمدن وكأنها عملية تمدين لأقوام همج وليست عملية ابادة ثقافة
شعب له تاريخ في المنطقة يعود إلى آلاف الأعوام، لم يتمكن خلالها أي من الغزاة
القضاء عليه قضاء تاماً، رغم كل محاولات الابادة والحروب الشاملة وسياسات الكبت
والاقصاء والتهجير والتقتيل ...
ولنبدأ بأسئلتنا هكذا:
ما هي الخلافات الفكرية في الحراك الكوردي السوري؟ هل هي آيديولوجية أم دينية
أم مذهبية؟
لا نرى في الواقع أي خلافات فكرية جدية واضحة في الساحة السياسية الكوردية
السورية، سوى بعض الاطروحات اليسارية "الناعمة" التي يمكن القول عنها بأن كل
حزب من احزابنا قد حمل منها شيئا في مسيرته، سواء عن قناعة تامة بأن حل القضية
الكوردية مرتبط بهذه الأطروحات بشكل تام أو لمجرّد كسب ود الجماهير الفقيرة
الكادحة التي تشكّل الغلبية الساحقة من شعبنا، وبدون إيمان حقيقي وصميمي بهذه
الأطروحات...فلا اليسار "يسار حقيقي" بمعناه الكلاسيكي من القرن الماضي ولا
اليمين "يمين" بما يعنيه هذا المصطلح الموروث من أيام الصراعات الثورية العنيفة
في المجتمعات الأوربية في بدايت القرن الماضي وأواسطه... حيث كان يعني "اليمين"
أحزاباً وممثلي شرائح طبقية معينة في تلك المجتمعات، وكذلك بعض التنظيمات
العنصرية كالنازية والفاشية والفرانكوية...وغيرها، أما "اليمين الكوردي" فلم
يختلف كثيراً عن "اليسار الكوردي، لا في المنشأ الطبقي باعتبار أن الأحزاب
تتألف من أفراد منتظمين في جماعات سياسية، ولا في طموحاته وأهدافه السياسية
والاقتصادية، بل اتفق الطرفان في معظم النقاط المتعلّقة بالاهداف الاستراتيجية
للشعب الكوردي، وحملا شعارات متقاربة، وتم قيادتهما من سياسيين لايختلفون عن
بعضهم من حيث التربية الاجتماعية أو الطبقة أوالنظرة السياسية، والغريب أنّ لمن
كانوا يسمون ب"اليمين" علاقات جيدة مع أطراف كوردستانية وعربية "يسارية"، ولمن
كانوا يسمون ب"اليسار" علاقات جيدة مع أشد الأحزاب الكوردستانية محافظة وكذلك
مع بعض القوى العربية التي لم تحسب يوما على "اليسار العالمي"...أما إذا كانت
اليسارية هي المطالبة بمزيد من الحقوق القومية أو بمزيد من السلوك النضالي
الثوري، فهذا تقزيم لفكرة "اليسارالكوردي" و"توحيش" لليمين الكوردي بهدف
محاربته...ولاحاجة لنا هنا إلى مزيد من الغوص في تاريخ التلاعب بالألفاظ
والتراشق بالمزاعم، فتاريخ حركتنا السياسية واضح وضوح الشمس لمن هو مهتم بها...
ما هي خلافات تنظيماتنا السياسية حول أساليب النضال والممارسات العملية؟
في الواقع اليومي، وطوال عقود من الزمن، لم نلاحظ أي فارق في أسلوب النضال
السياسي بين جناحي البارتي الرئيسيين، وكذلك بعد المؤتمر الوطني الأول في عام
1970، فالنضال كان سياسياً سلمياً وبسيطاً في نشاطاته، لم يتجاوز اصدار النشرات
الدورية الباهتة وبعض الكراسات الصغيرة وعقد الاجتماعات السرية للهيئات
الحزبية، أي لم نر مظاهرات شعبية ولا احتفالات كبيرة، ولا أي مشهد من مشاهد
النشاطات الديموقراطية العلنية، وكان يتم تبرير ذلك بأن "النظام شرس وإن أي
محاولة للقيام بتظاهرة متواضعة ستعني اثارته واعتقال كلعنصر قيادي وستقضي على
الشعب الكوردي قضاء مبرما!"، وإن لم يكن مثل هذا التبرير نغمة كانت تطلقها
القيادات في كل عهود استبداد البعث، منذ عام 1963، فهل يذكر لنا قادتنا
وزعماؤنا اليوم الأسباب الحقيقية وراء سكوتهم عن كل الضيم الذي لحق بشعبنا في
تلك العهود واكتفاءهم باصدار بيانات المناشدات والترجي التي لا تزال في
الأرشيفات الحزبية؟
والغريب أن مثل هذا التبرير ظل وارداً على ألسنة بعض زعمائنا خارج البلاد
أيضاً، حتى قبل سنوات قلائل وبعد العديد من المظاهرات الكبيرة، بل إن أحدهم في
سيمينار جرى بهولاندا، حين ألح هولنديون على معرفة رأيه بسلوكيات النظام الحاكم
في سوريا، برر لنا بصراحة عدم هجومه على النظام بشكل سافر ب"عودته المرتقبة إلى
البلاد!"، رابطاً بذلك بين مصيره الشخصي ومستوى نضال حزبه السياسي "الشهير ببعض
مواقفه الجريئة" بشكل مباشر...
في الحقيقة اعتقل النظام 8-9 أعضاء من القيادة المرحلية بعد المؤتمر الوطني
الكوردي الأول، ولم يبق خارج السجن سوى 3 على حد علمي، مثلما اعتقل جميع أعضاء
بارتي ديموقراطي كوردستاني– سوريا في مرحلة التأسيس الأولى، دون أن يقوموا بأي
تظاهرة سلمية ديموقراطية، في حين أن النظام لم يعتقل في آذار عام 2004 –لأسباب
عديدة- أي عضو قيادي كوردي أثناء انفجار فتنة "رياضية!" مدبّرة من قبل بعض
أوغاد النظام وفلول البعثيين الموالين لحكمهم البائد في العراق، تحولت إلى
"انتفاضة شعبية عارمة" انتشر لهيبا في الحقل الكوردي كله من الحدود العراقية
شرقاً إلى حدود لواء الاسكندرون السليب غرباً، ووصلت ألسنة اللهب إلى كبرى
المدن السورية مثل حلب ودمشق أيضا...ولكنه يعتقل الآن عدة قياديين كورد من
المناضلين المرموقين ويحكم عليهم بعدة سنوات سجن رغم أنهم لم يشاركوا في مؤامرة
أو مظاهرة، ولما يطالبوا بما يمكن اعتباره تطرفاً، ولا يختلف وضعهم عن وضع من
هوخارج السجون من حيث المطالبة بالاصلاح السياسي أوالمشاركة في نضالات وطنية
سورية مشتركة باسم المعارضات المتواجدة على الساحة السورية... فالاعتقال من
أسلحة النظام المختلفة، يوجهها صوب من يشاء حسب تكتيكاته واستراتيجيته... لذا
لا يجوز التقاعس عن قيادة نشاطات ديموقراطية شعبية بسببها أو تخويف الشعب
بالقضاء عليه في حال ممارستها...فالانتفاضة رغم خطورتها على النظام انتهت ولكن
شعبنا لا يزال باقيا ومنتجا وغير مرتعد وهو مستعد لتغذية أي مظاهرة جادة
بالأنفس والأموال ما لم تكن "ضحكاً على الذقون!" ....
"اليسارالكوردي!" اختار لنفسه ساحة أخرى غير الساحة الكوردية السورية، فكان
يمارس نضالات من شكل آخر، وصل إلى حد حمل السلاح واستخدامه في لبنان بحكم
الظروف الناشئة عن الحرب الأهلية إلى جانب فصائل "المقاومة الفلسطينية"، في ذات
الوقت الذي كانت هناك "ثورة كوردية في جنوب كوردستان"، وتنبه "الاشتراكيون
الكورد" فيما بعد إلى ذلك الوضع المائل فانطلقوا مع مجموعة من "البيشمركه" لحزب
كوردستاني إلى اقليم جنوب كوردستان ولسان حالهم يقول بعد النكسة الكبرى
لعام1975 "إن لم يبق كورد في العراق فسنأتي لمحارتكيا صدام من سوريا"، ومع
الأسف ليقع قادتهم المضحون حقاً في كمين لبيشمركة حزب كوردستاني آخر
ويستشهدون...أما "الآبوجيون الكورد" فقد نقلوا بعد تلك المرحلة بسنوات آلاف
الشباب الكورد السوريين إلى ساحات بعيدة في أجزاء كوردستان الأخرى، واكتشف بعض
المتنورين أنهم أخطأوا فبدؤوا يحصدون أرواح بعضهم بعضاً، ويعضون على الأصابع،
وينشقون على بعضهم تنظيميا، ويعلن بعضهم أن ساحة كفاحهم الأساسية هي "غرب
كوردستان"، ومنهم من شمّر عن ساعديه فعلا لتصحيح تلك الأخطاء التاريخية ويقدّم
تضحيات جسيمة اليوم على الساحة السورية...في حين أن بعض القوى الوطنية الكوردية
مصممة على النزول إلى الشارع السورية تلبية لمطلب الشعب الكوردي، وليحدث ما
يحدث، إذ لامناص من التضحية في سبيل تحقيق أهداف الشعب...
هنا نلاحظ تطوراً في الأداء السياسي، ولكنه ليس خلافاً، حيث الأطراف التي
لاتنوي النزول إلى الشارع أوتحسب لذلك ألف حساب، أو أنها لاتملك الكادر المؤهل
لممارسة النضال العملي الشاق حاليا، لاتقف في الوقت ذاته ضد هذا الأداء
المتطوّر، ولاتهاجمه ولا تعتبر قواده خارجين على الارادة الوطنية
الكوردية...وإذا كانت هناك بعض الفرقعات الخرطوشية المنبعثة ضد هذا الأسلوب في
النضال العملي، فإنها تخفي حقيقة أن أصحاب اطلاق هذه الأصوات المعارضة هم أشد
الناس استفادة من هكذا سياسة، فالطنجرة الكوردية تغلي دون أن يكلفوا أنفسهم
عناء القاء حزمة من الحطب في نار الموقد، وكلما ازداد علوالدخان اقترب منهم
النظام وطالبهم بالعمل المشترك لتهدئة الشارع الكوردي، وهذا لن يتم بدون مقابل
أو مكسب سياسي لهؤلاء "الأذكياء"...فلا مجال للحديث هنا عن خلافات وانما عن
وجود تطورات في أسلوب الأداءالسياسي لدى هذا الفصيل دون الفصائل الأخرى، ولم
يتسع الشق بين المتنافسين إلى درجة "القطيعة التامة" التي تعيق كل محاولات
التوحيد أو الاتحاد...طالما أن الجميع يؤمنون – اليوم- بأن ساحتهم الأساس هي
الجزء السوري من كوردستان، وضمن الواقع الجغرافي السوري وظروفه الذاتية
والموضوعية...وبدهي أن التحولات الزمنية والدولية والاقليمية تفرض أشكالاً
متطورة من أساليب العمل أيضا.
(يتبع)
|