ارهاب لاينتهي

جان كورد
‏11‏ أيلول‏، 2009

يعجز القلم حقا في التعبير عما يشعر المرء ويفكر به، وهو ينظر الى هذه الصورة التي ستبقى ذكراها وصمة عار أبدية على وجه الذين قاموا بهذا العمل الارهابي الشنيع وعلى وجه من وقفوا وراء تنفيذه وخططوا له وساعدوا بأي شكل من الأشكال في ارتكاب جريمة كهذه...طائرتان للركاب المدنيين تهاجمان بمن فيهما من الناس من مختلف المشارب برجي التجارة العالمية، رمز التقدم العمراني، المالي والاقتصادي، في العالم الغربي، آلاف من العاملين في البرجين يحترقون أو يرمون بأنفسهم من النوافذ العالية جدا أو يقضون حياتهم تحت الأنقاض أو بسبب الاختناق من جراء الأدخنة الكثيفة والرماد المنتشر وقطع الاسمنت والحديد المتطايرة، ومئات آخرون في الطائرتين، بل في طائرتين أخريتين، احداهما تضرب وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) والأخرى تسقط قبل أن تصل الى هدفها...إنه الارهاب في أشنع صوره، تحت أي ذريعة كان، وفي ظل أي عقيدة من العقائد مورست مثل هذه الكبائر...فأي دين على وجه الأرض يسمح بأن يقتل النساء والأطفال والناس الذين لايحملون السلاح، حتى ولو كانوا من ذوي المقاتلين الأعداء؟ وأين ما تعلمناه في صغرنا عن الخليفة (رض) الذي كان يوصي محاربيه وهم يذهبون للقتال (لاتقتلوا طفلا ولا امرأة ولا شيخا مسنا، ولاتقطعوا شجرة خضراء...ولا...ولا...ولا...)؟ بل لنعد للأصل الذي اعتمد عليه هؤلاء الخلفاء(رض) من نصوص صريحة وثابتة لا تتغير مدى العصور والأجيال، ومنها:
(من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحيا نفسا فكأنما أحيا النس جميعا) (المائدة 32)...
ولكن، مع الأسف، لايزال هناك من يدافع عن مرتكبي هذه العمليات الارهابية، وغيرها كعمليات الأنفال الارهابية ضد الشعب الكوردي في كوردستان العراق، ومن بينها ضرب مدينة حلبجة الكوردية بالأسلحة الكيميائية، وعندما تسوق له الأدلة النقلية والعقلية لفضح هؤلاء المجرمين، فإنه يتحرف ليتهم ايران بدلا عن عراق صدام حسين بمأساة حلبجة والأمريكان أنفسهم بضرب برجي التجارة العالمية في مدينتهم نيويورك التي تعتبر قلب أمريكا النابض...ومن هؤلاء من لايزال اعجابه كبيرا بسفاحين من أمثال الرئيس العراقي المشنوق الى درجة أنه يبرر كل جرائمه الوحشية التي سجلها تاريخ العراق الحديث بالوثائق والصور والفيديوهات والاعترافات والشهادات الموثوقة، ويتناسى هروبه واختفاءه في جحر ضب على الرغم من أنه كان القائد الأعلى للجيش والقوات العراقية آنذاك، أي الهروب من جبهة القتال...
هذا الارهاب لايزال مستمرا، سواء في العالم المتقدم صناعيا وعمرانيا وثقافيا، كما حدث قبل شهر أو أكثر في مصيف اسباني شهير، أوكما هو في العالم المتخلف، شرقا وجنوبا، في أفغانستان التي لاتعرف الهدوء، في باكستان التي أضرمت نار الطالبان فالتهمت بعض بقاعها النار ذاتها، في العراق الذي لايزال ينزف الدماء بسبب سياسات طائشة لبعض دول الجيران، وفي شتى أنحاء العالم الذي لايجد سبيلا الى انهاء هذا الارهاب الذي يستهدف حياة المدنيين، نساء وأطفالا ومسنين، قبل أن يستهدف الجنود والمقاتلين...
من ضحايا الارهاب في العراق مؤخرا
هناك أشكال عدة من الارهاب الدولي، بعضها يمارس من قبل الدول التي ترى من حقها الشرعي الاغتيال والقصف والاختطاف لمن يرى رأيا غير الذي تراه، ويقوم بأعمال مسلحة ضدها، ومنها ارهاب مجموعات مسلحة تعرضت شعوبها وأقوامها لانتهاك خطيرة في مجال حقوق الانسان واغتصبت أراضيها وحشر مواطنوها في الزاوية، كما هو حال بعض المنظمات الفلسطينية والتشياشانية والكشميرية وغيرها، ومنها ما هو نتيجة لتأويلات وتفسيرات خاطئة للأديان والمذاهب الدينية التي بنت أسسها في الأصل على "السلام والمحبة والتعامل الايجابي" بين البشر المختلفين في طبائعهم وثقافاتهم وألوانهم ومجتمعاتهم اختلافا طبيعيا لايمكن لأحد تجاوزه أو انكاره أو نسفه بالجملة، كما يظن بعض الارهابيين الذين في معظمهم لم يحصلوا على علوم دينية بشكل جيد أو أتوا من اختصاصات علمية أخرى غير الاختصاص والتبحر في الدين، كما هو حال بعض المتطرفين الاسلاميين في عصرنا الحالي...
وبدهي أن يرفض الانسان، أيا كان عرقه ولونه وثقافته ودينه ومجتمعه، قتل الأبرياء في الحرب أو في السلام، لأن هذا نسف لأساس الحياة البشرية المشتركة على هذا الكوكب، وكل العقلاء على هذه الأرض لايقبلون أن يستمر مسلسل تلك المذابح الكثيرة التي حدثت في التاريخ البشري، ومنها مذابح الغزو المغولي غربا، عبر آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، والغزو الصليبي غربا باتجاه بيت المقدس، والياباني الذي راح ضحية حراب جنوده مئات الألوف من الصينيين في القرن الماضي، وكذلك مذابح الأوربيين التي شملت مختلف شعوب أمريكا الشمالية واللاتينية والجنوبية وفي معظم البلدان الأفريقية وفي استراليا والهند والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما لايمكن نسيان مذبحتي هيروشيما وناغازاكي اللتين راح ضحيتهما مئات الألوف من المدنيين اليابانيين أثناء الحرب العالمية الثانية التي شمل الارهاب الحكومي فيها العديد من الشعوب، في شتى أنحاء العالم، وبخاصة في أوروبا، ومنها الهولوكوست الشهير...والى مذابح الشيوعيين في كمبوديا ولاوس والصين ودول الاتحاد السوفييتي، وصبرا وشاتيلا، وحلبجة، وما حدث في رواندا وفي نيويورك في عام 2001، وبغداد والموصل، وأخيرا في الباكستان، حيث ترتبط كل هذه المجازر التي ارتكبتها الحكومات أو المنظمات الارهابية بعضها ببعض لتشكل سلسلة مترابطة من الأفعال الارهابية الشنيعة لاتقل نتائجها وحشية وقذارة عن نتائج الحروب الاستعمارية القديمة والحديثة، بمختلف مسمياتها وأسبابها وأماكن حدوثها...بل يمكن القول بأنها جزء من أشكال مختلفة من أشكال تلك الحروب الرهيبة...
طبعا لايمكن وقف هذا الاجرام الكبير عالميا مالم تبحث الحكومات والمنظمات الدولية معا عن الأسباب والدوافع الحقيقية والأساسية وراء هذا الارهاب الدولي، ومالم تتعاون على كافة الجبهات كل القوى التي ترفض هذا الارهاب مع بعضها لازالة تلك الأسباب، والتقليل من احتمالات التصادم بين الأطراف المختلفة عقيديا أومذهبيا أو قوميا أو طبقيا، من خلال الحوار المستمر واحترام الرأي الآخر والقبول به، ولتكن عبرة في مقدرة الألمان على انهاء ارهاب منظمة "راف" لمن يزعم بأن لاسبيل لوقف الارهاب إلا بالارهاب...إذ تمكن الألمان خلال سنوات قلائل من البحث عن الأسباب العميقة التي أدت الى ظهور هذا التنظيم في بلادهم، فوجدوا أن العلة الكبرى تكمن في نظامهم الاجتماعي، فسارعوا الى تصحيح نظامهم بصورة أعدل اجتماعيا، وأكثر أمنا غذائيا وصحيا لشعبهم ولمن يعيش بين ظهرانيه من المهاجرين، فكاد خطر "راف" ينتهي تماما في ألمانيا، إلا أن السياسة الاجتماعية التي تآكلت مؤخرا لأسباب اقتصادية أو مزاعم تنشرها الفئات الثرية في المجتمع وتنعكس سلبا على حياة الطبقات الفقيرة ستؤدي مستقبلا الى نفخ الروح من جديد في منظمات متطرفة قد تتحول الى مجموعات ارهابية خطيرة، وهذا ما يدركه عقلاء السياسة الألمانية تماما...
وعليه يمكن القول بأن الشرق الأوسط كله بعربه وتركه وكرده وفرسه ويهوده ونصرانيه، ومن كل الفئات الأخرى، مدعو الى الجلوس الى طاولة حوار جاد للبحث المشترك عن الأسباب المؤدية الى انتعاش الفكر الارهابي الذي يستغل الدين والقومية والوطنية والمذهبية والطائفية والطبقية كواجهات له، وبخاصة في السنوات الأخيرة، كما حدث في لبنان والعراق على وجه التحديد...الديموقراطية وحدها لاتكفي، وانما تحتاج هذه المجتمعات الى "عدالة اجتماعية" وتفسيرات عقلانية وواضحة للنصوص الدينية تفيد في تقريب وجهات نظر المختلفين لا في تباعدهم، ولكن كيف يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية ونزع فتيل التطرف القومي أو الديني أو الطائفي في ظل حكومات لايهمها سوى مزيد من اثراء الحاكمين ومزيد من الأسلحة في أيدي المجرمين؟
البحث عن جذور الارهاب لاقتلاعها يتطلب مزيدا من التنوير والجرأة على النظر الى الجروح المثخنة، والقدرة على تجاوز الحروب الجانبية للالتقاء على القواعد القوية للعمل المشترك بين كل الذين يرفضون استمرار نزيف دم الأبرياء من مواطني بلدانهم وبلدان الجوار...

 

 
Link

News

Kdps

Gotar

Wêne

Stran

Têkilî

أتصل بنا

أغاني

صـور

مقالات

ك.د.ب.س

أخبار

مواقع الكترونية