النظام السوري والجدار العربي العازل في الجزيرة


جان كورد


12.07.2007
…هناك مثل شعبي كوردي يقول: لم يتمكن الثعلب من دخول جحر فعلق غصنا بذنب
بمعنى أنه زاد في مشكلته تعقيدا....
هذا ينطبق تماما على وضع النظام السوري حاليا، فهو بدلا عن اللجوء إلى ايجاد سبل لحل مشاكله العديدة، وانقاذ عنقه من مقصلة "المحكمة الدولية" وتقوية جبهته الداخلية في مواجهة التحديات الخارجية، وتضميد الجراح الناجمة عن انتفاضة الكورد في عام2004، فإنه يعطي الضوء الأخضر لتنفيذ المرحلة الجديدة من تطبيق" الحزام العربي" الذي يستهدف عزل الكورد السوريين عن اخوتهم كورد العراق وتركيا، باقامة مستوطنات عربية جديدة من العرب الذين يتم جلبهم من مناطق بعيدة وتوزيع الأراضي عليهم واقامة القرى لهم، في نفس الوقت الذي يعاني فيه أبناء المنطقة الغنية بالثروات البترولية والزراعية والطاقة البشرية الهائلة من الفقر والجوع والحرمان، وفي نفس الوقت الذي يعلن النظام السوري رفضه للمستوطنات الاسرائيلية في الأراضي الفلسطينية ويعتبرها جريمة كبرى بحق الإنسانية، ويدعو العالم كله للوقوف في وجهها، وقد تم بناء أكثر من (40) مستوطنة عربية في المناطق الكوردية في الجزيرة، في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، تنفيذا لمشروع عنصري بعثي قديم كان قد طرحه الشوفيني الحاقد محمد طلب هلال الذي كان ضابط أمن سياسي، فتم رفع مرتبته إلى وزير للتموين كمكافأة على خدماته ومشروعه الفاشي الذي نشره على شكل دراسة تحت عنوان "دراسة حول محافظة الجزيرة والحسكة"، هذا المشروع الذي اعتبره القانوني الدولي الدكتور عصمت شريف وانلي شكلا آخر من أشكال "النازية البعثية" وقد قمنا بالرد عليه بكراس تحت عنوان "الهلال المعقوف – رد على محمد طلب هلال" في وقت سابق.

لقد عبرت الأحزاب الكوردية السورية، وبعض الأحزاب الكوردستانية أيضا، بمختلف اتجاهاتها وانتماءاتها، عن رفضها المطلق لهذا المشروع ولكل المحاولات الجديدة الهادفة لتنفيذ مرحلة أخرى منه، وأعربت الفصائل التي كانت لاتزال تنظر بأمل إلى أن يغيرالنظام الحاكم سلوكه تجاه الكورد وقضيتهم القومية العادلة عن خيبة أملها وأكدت في تصريحات قادتها أن النظام فقد الرؤية الصحيحة والطريق الصحيح للخروج من محنته وللتلاقي مع أصحاب النوايا الحسنة في البلاد، ولا بد من البحث عن بديل له لأنه فقد مصداقيته وقدرته على فهم المتغيرات الدولية والاقليمية وعلى تفهم القضية العادلة لشعبنا الكوردي في البلاد.

الرأي العام السائد لدى الشعب الكوردي في غرب كوردستان هو أن النظام يبني جدارا عازلا وفاصلا عن طريق بناء هذه المستوطنات لفصل وعزل الكورد السوريين عن اخوتهم الكورد، أبناء الأمة الكوردستانية في أجزاء كوردستان الأخرى، وكذلك للاستمرار في تغيير البنية الديموغرافية للمنطقة الكوردية، وهذا خطر حقيقي على وجود الشعب الكوردي، ولن يقبله هذا الشعب بأي شكل من الأشكال ولن يسكت عن هذا الضيم ولن يسمح للنظام أن يستمر هكذا دون مقاومة حقيقة في تنفيذ مؤامراته الاجرامية تجاه الأمة الكوردية.

ولقد عبرت بعض فصائل الحركة الوطنية الكوردية عن موقفها التضامني مع شعبها بقوة وبصراحة، ووصل الأمر ببعض القادة إلى درجة اعلانهم – بصراحة – استعدادهم للمضي في طريق المقاومة الحقيقية لهذا المشروع التهديمي العنصري حتى النهاية، مهما كانت التضحيات عظيمة. والأمل كبير في أن يجبر الشعب الكوردي كل الفصائل على الانضمام إلى هذا الموقف الوطني الصحيح.

هنا يجب السؤال عما إذا كانت المعارضة الديموقراطية والوطنية العربية قادرة على قهر نزعتها القومية الضيقة والوقوف بصراحة إلى جانب هذا الجزء من الشعب السوري، مثلما تقف إلى جانب الفلسطينيين الرافضين للمشاريع العنصرية التي تستهدف وجودهم على أرضهم التاريخية. ولايعقل أن تبقى الأحزاب الكوردية في اطار "تحالفات" لاتعلن رفضها التام لهذا المشروع الشوفيني الفاشي، لأنه يستهدف حياة مئاة الألوف من المواطنين الذين هم أولى بامتلاك الأرض التي يعيشون عليها من الذين يتم جلبهم لأسباب عنصرية من مناطق أخرى بعيدة، ولأنه مشروع سيزيد من تعقيد المشاكل في البلاد تـاجيج نار الفتنة بين مكونات الشعب السوري، واستمرار في تعميق الجراح الكوردية واستهتار بحقه القومي العادل، وهو محاولة قذرة لاثارة الخلاف بين أطراف المعارضة السورية، وبخاصة بين الفصائل الكوردية والعربية، حيث تحقق تضامن وتفاعل وتقارب كبير بينها في السنوات الأخيرة...

للنظام أهداف عديدة – برأيي - من تطبيق المرحلة الثانية من هذا المشروع ذكرناها في مقال سابق، ونعيدها هنا أيضا لأهمية المسألة وحساسيتها:

- هذا نوع من السواتر الترابية والأسلاك الشائكة وحقول الألغام بين أجزاء كوردستان، ولكنها سواتر يستخدم فيها البشر بدلا عن المعادن والرمال والأشياء، فوجود قرى عربية تفصل بين كورد سوريا والعراق وتركيا هو محاولة يائسة لفصل أبناء أمة عن بعضهم بعضا، وهو مخطط استعماري لايقل خطرا على الكورد عن آثار معاهدة سايكس – بيكو الاستعمارية لعام 1916 .

- النظام يطمح من وراء ذلك اثارة فتنة كبيرة في الجزيرة، فيضطر معها إلى ارسال قواته العسكرية إلى هناك، ومن خلال ذلك يستطيع ابعاد قطعات عسكرية معينة وقواد عسكريين معينين عن العاصمة دمشق، وتبديد قوى الجيش الذي بات يظهر عدم رضاه عن عموم السياسة التي ينتهجها النظام.

- يسعى النظام لايجاد أرضية "عربية" له في أقصى أطراف الجزيرة تساعده في تكوين منطقة تابونية خالية من المعارضة، عن طريق منح أراضي للعرب المجلوبين من مناطق بعيدة كرشوة لهم، يبني فيها أعشاشا كبيرة لايواء الإرهابيين الذين يدعمهم في المناطق السنية العراقية القريبة من الجزيرة، وبخاصة في محافظة الموصل... والمسألة ليست مجرد منح أراضي على فلاحين فقراء، فكوردستان سوريا مليئة بهؤلاء الفقراء، ابناء المنطقة...

- النظام يسعى من وراء ذلك دق اسفين بين أطراف المعارضة في هذا الوقت بالذات لأنه فشل في الأوقات السابقة في ذلك، وعسى أن يحرج هذا المشروع بعض القوى العربية المعارضة فتؤيد النظام وتقف في مواجهة القوى الكوردية الرافضة للمشروع..

- النظام الذي فشل في تحرير الجولان ويسعى لاقامة علاقات مع اسرائيل وأرسل عدة أشخاص إلى اسرائيل لجس نبضها وفتح قناة معها، يريد بتنفيذ المرحلة الجديدة من "الحزام العربي" القول للعرب بأن معركته مع أربعة ملايين كوردي في شمال سوريا وليس مع اسرائيل في جنوبها، وقد يصدقه بعض البسطاء...

إضافة إلى بعض الأهداف الأخرى التي تدغدغ كالأحلام في رأس هذا النظام الذي باتت سياسته الداخلية تظهر وكأنها مظاهر "جنون"...

إن بقاء الرابط القومي على الأرض بين أجزاء كوردستان ليس واجبا كورديا سوريا فحسب وانما هو واجب قومي كوردستاني يقع على عاتق جميع القوى الوطنية الكوردستانية، في مختلف أجزاء كوردستان، وبخاصة على عاتق المثقفين والاعلاميين الكورد، في شتى أنحاء العالم...وعلى كل كوردستاني، في مختلف المستويات، أن يتحمل مسؤوليته القومية في هذا المجال ويتضامن قولا وعملا مع الشعب الكوردي في غرب كوردستان...

الأسئلة التي يجب أن تجيب عنها الحركة الوطنية الكوردية، هي:

- هل نكتفي بسيل من البيانات في وجه سياسة عنصرية فاضحة، وبخاصة في وجه "الحزام العربي" الفاشي؟
- هل التحالفات مع القوى العربية أهم من الوجود القومي الكوردي؟
- ما العمل إن كانت بعض هذه القوى ترفض الانخراط في فعاليات ونشاطات كوردية في الشارع ضد هذا المشروع؟
- ماذا إذا تراجعت فصائل كوردية عن الموقف العملي الرافض والعامل على احباط المشروع؟ هل سيستمر التحالف معها؟

إنني أنبه الإخوة في كل فصائل الحركة الكوردستانية إلى أن الخطأ الكبير يكمن في ارضاء الذين يعتبرون هذه المسألة ليست ذات أهمية حيوية واستراتيجية في وطننا العزيز، وإلى أن عدم المساهمة في انهاء هذه الجريمة سيعرض شعبنا إلى كارثة كبيرة...

إن الجواب القوي للنظام في هذا المجال يكمن في تقوية الجبهة الداخلية الكوردية وتعزيزها بقوة ال أربعة ملايين كوردي سوري وقوة الأمة الكوردية جمعاء...ولا يمكن القيام على الصعيد الدولي بشيء مثمر دون الاقتناع بضرورة "العامل الخارجي" في تحجيم قدرات مثل النظام لاهانة الشعب السوري والاستهتار بوجودنا القومي إلى هذه الدرجة من الطيش وعدم المسؤولية...