|
النظام الأسدي – البعثي
وسياسة ابادة القومية الكوردية في سوريا
جان كورد
22. Juni 2009
لنبدأ الحديث ببعض الأسئلة:
هل يعقل أن يكون منع بث أي برنامج ثقافي أدبي أو اذاعة أي أغنية كوردية أو أي
فعالية ثقافية أخرى في أي من وسائل الاعلام السوري (وهو اعلام حكومي رسمي) لما
يقارب الخمسين عاما، مجرّد "اجراء خاطىء أو ممارسات سيئة!" لبعض الادارات
والهيئات التنفيذية في وزارة الاعلام أو الثقافة، أم أنها سياسة شوفينية تم
التخطيط لها على أرفع المستويات الحزبية البعثية بهدف الابادة الثقافية للقومية
الكوردية؟
هل يصدّق أحد بأن تكون اللغة الكوردية في ألمانيا والسويد وغيرهما مادة دراسية
تعطى بسببها علامات للطلاب من أصول كوردية ، شأنهم شأن أبناء أي قومية أخرى،
وأن يكون حرمان الطالب الكوردي من لغته الأم طوال حياته في وطنه الذي نزح منه (سوريا)
مجرّد "عدم اهتمام!" من وزارة التربية والتعليم بلغة ثاني قومية أساسية أو
مؤسسة لسوريا كدولة؟ أم أن منع التعليم بالكوردية والسماح بتعليم غيرها من لغات
غير عربية ركن أساسي من هذه السياسة الشوفينية الحاقدة؟
هل يعقل أن يكون هناك فرع للكوردولوجي في جامعات أوروبية كما هو الحال في
ألمانيا الاتحادية وهولاندا وغيرهما، وتكون هناك دراسات عبرية في جامعة دمشق،
وفي الوقت ذاته يعتقل الجامعيون الكورد لأنهم ساعدوا أطفال شعبهم أثناء عطلتهم
الجامعية في تعلّم لغتهم الأم، ونرى ذلك مجرّد "تصرفات غير مقبولة!" لاداريين
في سلطة النظام، أم أن هذه "التصرفات" من صلب سياسة النظام المتخلّف حضاريا
وانسانيا، وهي العنصرية بكل معاييرها الدولية؟
هل يصدّق أن يحصل الطفل الكوردي على جنسية الدولة الأوروبية التي ولد فيها من
أبويين كورديين سوريين عندما ترى عيناه نور العالم مباشرة، بحكم ولادته هناك،
في حين يعيش ابن عمه في البلد الأصل (سوريا) طوال حياته "لاجئا أجنبيا"، رغم
أنه ملزم بخدمة العلم وبدفع الضرائب ولكن لايحق له التمتّع بحقوقه المدنية لأن
جدّه أو أباه فقد جنسيته السورية بموجب احصاء استثنائي طائش في ستينات القرن
الماضي، وننظر مع ذلك إلى هكذا سياسة ضد الشعب وكأنها مجرّد " أخطاء ادارية
لجهات تنفيذية في المناطق النائية من سوريا!"؟...
كلا...إنها ليست اجراءات خاطئة وتصرفات طائشة فحسب، وانما سياسة عنصرية كريهة
اللون والرائحة، تستهدف الوجود القومي الكوردي في سوريا، لاتقل شناعة عن سياسة
"الابادة" العرقية التي مارستها وتمارسها أنظمة عنصرية في العالم...وفي ضوء هذه
الحقيقة الأليمة يجب النظر إلى سياسة "الابادة" القومية لثاني أكبر قومية في
البلاد، من حيث الحجم السكاني والانتشار الجغرافي...ويجدر بالذكر أن العديد من
الجرائم التي ارتكبها النظام الشوفيني ضد الشعب الكوردي ولاتزال ترتكب بهدف
التعريب الشامل للوجود القومي الكوردي يمكن تقديم الأدلة والوثائق والحقائق
المثبتة بها إلى المحكمة الدولية التي تنظر في شؤون الجرائم ضد الانسانية...
وإذا كانت هذه سياسة من سياسات النظام، ذات أبعاد ومساحات واسعة وتأخذ حيزا من
اهتمامات ومسؤوليات مختلف أجهزة الدولة، فما هي أركان هذه السياسة، وما هي
وسائلها وأدواتها، وكيف يمكن السير في الاتجاه المعاكس لها سيرا حثيثا ومثمرا؟
أركان هذه السياسة:
أولا- عدم الاعتراف، لا دستوريا ولا قانونيا ولامؤسساتيا، بوجود شعب كوردي في
سوريا أو بوجود أي حق قومي له، وما قاله السيد رئيس الجمهورية الدكتور بشار
الأسد في قناة اعلامية عربية بأن الشعب الكوردي جزء من النسيج التاريخي، بعد أن
هزّت أركان نظامه الانتفاضة الشعبية المجيدة في آذار عام 2004، لم يكن سوى
محاولة احتواء للنقمة الجماهيرية الكوردية آنذاك ومحاولة اظهار نظامه وكأنه "يعترف"
بوجود هذا الشعب...ومع الأسف فقد انخدعت بتلك الأقول الدعائية العابرة قطاعات
واسعة من المعارضة السورية، ومن ضمنها معظم الأحزاب الكوردية السورية... إذ
لادستور البلاد يعترف بهذا الشعب وبوجوده، ولا دستور الحزب الحاكم، حزب البعث
العربي الاشتراكي، ولا أي وثيقة حكومية رسمية أخرى...
ثانيا- كبت أي طموح قومي كوردي في البلاد، على مختلف الصعد السياسية والثقافية
والاقتصادية، وبشتى الوسائل القمعية المتاحة.
ثالثا- تطبيق سياسة "الابادة" القومية على كافة مستويات الحياة الاجتماعية
والتعليمية والسياسية والاقتصادية، وفق نهج عنصري شوفيني محدد.
رابعا- التقليل من شأن القضية الكوردية واظهارها وكأنها مجرّد مسألة أو مشكلة
غير هامة في البلاد...
وسائل وأدوات هذه السياسة:
من أجل تحقيق أهداف هذه السياسة العدوانية المنافية لسائر القيم الانسانية
والمتعارضة مع ما وقعته الحكومات السورية من اتفاقيات ومعاهدات دولية بشأن حقوق
الانسان وحقوق الشعوب والأمم، فإن النظام يستخدم شتى الأساليب الماكرة والخبيثة
المتوفرة، منها :
- سياسية
- ثقافية وتربوية واعلامية
- ادارية وقمعية بوليسية
- اقتصادية...
وهي بمجملها تطبيق حرفي لدراسة عنصرية حاقدة لضابط أمن موتور ومعاد للكورد
وكوردستان هو محمد طلب هلال الذي وضعها في عام 1962 ونشرنا ردا مفصلا عليها قبل
أعوام عديدة، وعنوان دراسة ذلك المجرم الكبير هي (دراسة عن محافظة الحسكة
والجزيرة)، تلك التي لقيت ترحابا كبيرا لدى النظام العنصري، مما رفعه من ضابط
أمن إلى وزير للتموين كمكافأة له على جريمته هذه...
سياسيا:
يسعى النظام باستمرار إلى تقزيم الحراك السياسي الكوردي وتشتيته وتعريضه للقمع
البوليسي وتوجيه تهم "الانفصالية" ، بل "الخيانة للوطن" إلى رموزها وقادتها،
منذ أن استولى البعثيون على حكم البلاد عنوة في عام 1963...كما سعى بانتهاج
سياسة مرنة أحيانا بحيث لايقضى على الحركة تماما وانما يسمح لها باستنشاق بعض
الهواء حتى تبقى على قيد الحياة ضعيفة ممزقة وغير قادرة على تحريك الجماهير ضد
المشاريع العنصرية... اضافة إلى سعي النظام المستمر إلى ربط نشاطات الحراك
السياسي الكوردي بدوائر أمنية مباشرة، كما يحدث لاحتفالات نوروز الشعبية كل عام،
تلك التي يجلس فيها مسؤولون عن الأحزاب مع مسؤولين في الأمن مباشرة ويوقّعون مع
بعضهم تعهدا بالتقيد بالأوامر التي تأتي من تلك الجهات ولدينا وثيقة بذلك عن
لقاء حدث في مدينة عفرين تضم أسماء المسؤولين الحزبيين الكورد والمسؤولين من
الجهة الآمرة...

كما سعى أيضا إلى تأليب تنظيمات "كوردستانية!" على الحراك السياسي الكوردي
السوري بهدف انكار الوجود الكوردي كشعب على أرضه التاريخية، وما انتزعه النظام
من تصريحات موافقة لرؤية النظام من قيادات كانت تزعم أنها "كوردستانية وتقود
الأمة الكوردية!" بات معروفا للجميع...فمنهم من اعتبر القضية الكوردية في سوريا
مجرّد "مسألة ضيعتين!" لاتستحق اهتمامه الكبير، ومنهم من ادعى بأن الشعب
الكوردي في سوريا نازح من شمال كوردستان وهو عامل على اعادته إلى هناك بارسال
آلاف الشباب منه إلى القتال ضد الجيش التركي وضد "الجيب العميل في شمال العراق!"،
ومنهم من كانت له قدم في الساحة الكوردية السورية وقدم لدى النظام السوري...
ويعمل النظام بقوة على خلق بدائل للحراك السياسي الكوردي / الكوردستاني السوري
بتكوين جمعيات "غير سياسية" للكورد، سواء في داخل البلاد وخارجها، بهدف ابعاد
الكورد عن النشاطات الديموقراطية العلنية في الساحات والشوارع، ومنها "جمعية
المرتضى" سابقا، وجمعيات تظهر هنا وهناك لاتخرج قيد أنملة من "الخطوط الحمر"
التي تضعها الدوائر الأمنية، وتغري الكورد بالانتساب اليها لابعادهم تماما عن
الجو السياسي الوطني المعارض، مثل "جمعيات المغتربين!" التي تشرف عليها جهات
أمنية سورية خارج البلاد، بدليل أن معظم لقاءاتها في ألمانيا – مثلا- تحدث في
مباني السفارة السورية في برلين أو بون في ألمانيا، وأن ليس فيها أي كوردي
منتسب إلى الحراك السياسي يستطيع أن يعلن عن انتسابه ذلك في ذات الوقت الذي هو
عضو في جمعية المغتربين، كما أن رفض الهيئة العامة للمغتربين التي كان معظم
أفرادها من الكورد من قبل "المسؤولين!" مباشرة في دورة سابقة فضح حقيقة هذه
الجمعية منذ زمن بعيد...
ويعمل النظام على ضرب الكورد والعشائر العربية الأصيلة بعضهم ببعض ودق اسفين
بين العرب والكورد باستمرار، والقضاء في هذا الاتجاه أيضا على أي محاولة لبناء
جبهة أو تحالف سوري يضم الحركة الوطنية الكوردية والمعارضة الوطنية
والديموقراطية السورية، بمجرّد أن تفوح من تلك المحاولات رائحة العمل على تغيير
النظام القائم...وهذا الموضوع بات شيئا معروفا لاحاجة للدخول في تفاصيله...
ثقافيا وتربويا واعلاميا:
إن سياسة منع اللغة الكوردية منعا باتا في المدرسة والحياة السياسية ولدى
القضاء وفي الاعلام، والحرص المستمر الدائب على منع الاشارة إلى أي شيء يتعلق
بالوجود القومي الكوردي كشعب يعيش على أرضه التاريخية، سواء في سوريا أو خارجها
انما تستهدف تحقيق التعريب الشامل لمختلف أوجه الثقافة الكوردية، وعلى الرغم من
فشل النظام خلال ال46 عاما في القضاء على اللغة الكوردية، كما فشل الطورانيون
في ذلك خلال ثمانين عاما، لايعني أنه فشل تماما في مشروعه التعريبي العنصري،
فقد زادت نسبة المطربين الكورد الذين يغنّون بالعربية في الحفلات الكوردية كما
زادت نسبة الكورد الذين يتحدثون بالعربية في سهراتهم ولقاءاتهم، حتى في المهاجر،
وزاد عدد الشعراء الكورد الذين لايكتبون بالكوردية بتاتا، اضافة الى ازدياد
ملحوظ في عدد الصفحات المدونة بالعربية في النشرات والمواقع الكوردية، ومنها ما
هو عائد للحراك السياسي الكوردي الذي معظم منشوره السياسي والثقافي باللغة
العربية والقليل منه جدا بالكوردية...
إن الحكومات السورية المتعاقبة على دست الحكم مصرّة على تجاهل كل النداءات
الخارجية والداخلية، الكوردية والعربية والدولية، المطالبة بالسماح للطفل
الكوردي أن يتعلّم لغته الأم وفقا للائحة حقوق الانسان، ان لم يكن حسب الشرع
الرباني المهجور من قبل النظام تماما، ذلك الشرع الذي يدعو إلى التعارف بين
الشعوب والقبائل ويعتبر الاختلاف في الألسنة والألوان آية من آياته الله العلي
القدير...وها هي تركيا الطورانية الفاشية تتراجع عن سياستها الانكارية للغة
الكورد وتخطو خطوات ولو على حياء صوب السماح لهذه اللغة أن تأخذ مكانها في
الاعلام والجامعات على الأقل...
اداريا وقمعيا بوليسيا:
إن تلقي الادارات على مختلف المستويات في المحافظات الشمالية، بل حتى في المدن
السورية الكبيرة مثل دمشق وحلب، تعليمات خاصة بمنع واقصاء كل ما يمت إلى
القومية الكوردية بصلة، بات شيئا اعتياديا في سوريا، من منع للأسماء الكوردية
للمحلات التجارية وحملات دهم لمصادرة المواد الكوردية الفنية المسجّلة والكتب،
ومنع العديد من المواقع الكوردية الانترنتية، وتنفيذ التعريب الشامل اداريا في
المناطق ذات الأكثرية الكوردية...
ويرافق ذلك اعتقال المعلمين الذين يشاركون في حلقات تعليم اللغة الكوردية
وتعذيبهم، اضافة إلى تزايد كبير في عدد المعتقلين الكورد بالنسبة إلى معتقلي
الأحزاب السورية الأخرى، وبخاصة بعد انتفاضة آذار لعام 2004، وعلى مختلف
المستويات الحزبية، وبين صفوف الوطنيين، وحملات نقل الموظفين الكورد، والمعلمين
خاصة، من مناطقهم إلى مناطق بعيدة، وتأليب الكورد على بعضهم بعضا من قبل أجهزة
الأمن وعملائهم في المناطق التي تشتد فيها الصراعات العشائرية أو تنشب الخلافات
فيها بين العوائل الكوردية، وكذلك تسليح المواطنين العرب المنقولين بذرائع
مختلفة بهدف اسكانهم في مستوطنات عربية (أكثر من 40 مستوطنة) في الجزيرة
السورية بموجب مشروع (الحزام العربي السيء الصيت) وتجريد مئات الألوف من الكورد
من جنسيتهم السورية بموجب (قانون الاحصاء الاستثنائي) القذر ليس إلا جرائم ضد
الانسانية تقع فيها الادارات الحكومية السورية وأجهزة القمع المختلفة للنظام
تستحق عليها المحاسبة أمام المحكمة الدولية الخاصة بتلك الجرائم...
اقتصاديا:
معلوم جيدا أن البترول السوري يستخرج من مناطق كوردية تقع على الحدود السورية –
العراقية، وأن معظم منتوج القمح والقطن والمواشي من تلك المناطق، اضافة إلى أن
منتوج زيت الزيتون من منطقة جبل الأكراد في غرب سوريا، اضافة إلى ثروة حيوانية
وزراعية هائلة تاتي من منطقة كوباني الكوردية الواقعة في شمال سوريا أيضا، ولكن
هذه الوحدات الكبيرة المنتجة اقتصاديا بشكل فعّال تعتبر من المناطق الفقيرة في
سوريا وتعاني من مختلف مشاكل البطالة والهجرة التي لها أسباب عديدة، في مقدمتها
سياسة الاضطهاد والتمييز الهادفة إلى تهجير الكورد وتشتيتهم في سوريا، بدليل أن
معظم السوريين المهاجرين إلى البلاد الأوربية ولبنان وقبرص هم من الكورد
الباحثين عن لقمة عيش شريفة بعد أن ضاقت بهم الأرض في وطنهم نتيجة سياسات خرقاء
للنظام السوري...وحتى الأعمى يرى كم اتسعت الأحياء الكوردية الفقيرة حول مدن
الحسكة وحلب وحتى دمشق...إن مشاريع الحزام العربي والاحصاء الاستثنائي واسكان
العرب في مناطق الكورد مقابل تشريد الكورد منها واصدار المرسوم الرئاسي (49)
الذي لن يطبق إلا في المناطق الكوردية ما هي إلا حلقات في سلسلة طويلة من
المشاريع الهادفة إلى انهاء الوجود القومي الكوردي في سوريا...
إن سياسة اقصاء أو تقزيم أو محاربة شعب اقتصاديا جريمة بحق الانسانية لايقبلها
الشرع الرباني والعقل البشري والتشريعات الدولية التي وقعت عليها
سوريا...ولكنها تمارس بكل صفاقة بهدف القضاء على الوجود القومي الكوردي في
بلادنا، وهذا يعني أن النظام الأسدي – البعثي ينتهج بكل عنجهية سياسة استيطانية
تهجيرية يمكن وصفها بسياسة "الابادة" القومية (سياسيا وثقافيا واقتصاديا) ضد
شعبنا الكوردي، في ذات الوقت الذي تتشدّق أبواق الاعلام السوري يوميا بمحاربة
العنصرية والاستيطان والتهجير وانتزاع الملكية من الفلسطينيين في فلسطين...أليس
هذا تناقض واضح وصريح واختلال في الموازين، يا سيادة الرئيس الأسد وأتباعه
المشاركون والمشاركات في جرائم البعث ضد الانسانية؟
|