أمريكا بين… السنّة والشيعة


جان كورد
30.01.2007
ساهمت القوات الأمريكية أول أمس بالقرب من مدينة النجف المقدّسة لدى الشيعة في العالم أجمع في محاصرة وابادة شبه كاملة ومرعبة لمن يسمّون أنفسهم ب "جند السماء"، حيث قتلت منهم ما لايقل عن 250 عنصراً من بينهم زعيمهم واعتقال الآخرين في معركة شرسة وضارية تذكّرنا بمعارك اسكندر المكدوني الدموية في التاريخ... و "جند السماء" – حسب ما نسمعه من هنا وهناك، هم شيعيون ظاهراً ومتطرفون سنّة باطناً، يربط بعض المراقبين المطلّعين بينهم وبين تنظيم "القاعدة" السلفي الذي يعتبر من أخطر أعداء الولايات المتحدة الأمريكية في هذا العصر على الاطلاق... ويقال بأنّ ما يقارب ال600 عنصر من "جند السماء" كانوا قد توغلوا في العمق الشيعي العراقي للقيام بمجازر كبيرة ورهيبة في أيام "عاشوراء" الدينية التي يجتمع فيها ملايين الشيعة من مختلف بقاع الأرض، بعد أن كان النظام البعثي تحت زعامة صدام حسين قد منع اقامة مراسيم "عاشوراء" لفترة طويلة من حكمه، حتى قضي عليه من قبل قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2003... ولو لم ينكشف أمرهذا التوغّل الذي جاء بعد أيام من التهديدات الأخيرة للرجل الثاني في القاعدة أيمن الظواهري، لحدثت مذابح أكبر حجماً وأوسع ميداناً وأشد فتكاً حسب تقديرات الحكومة العراقية وزعماء الشيعة الذين كان العالم سيفقد منهم كثيرين، ومن بينهم آية الله سيستاني الذي كان من المزمع تصفيته حسب مخطط "جند السماء" وغيره ممن في الصفوف الأولى في التنظيم الهرمي الكبير للشيعة العراقيين... وهكذا يمكن القول بأن الأمريكان قد ساعدوا الشيعة من انقاذ رقبة كبار زعمائهم وخلق كثير من أتباعهم في أهم مناسباتهم الدينية، في نفس الوقت الذي تهطل التهديدات النجادية من طهران على أمريكا وأتباعها في المنطقة... وهذه ليست المرّة الأولى التي تقوم فيها الولايات المتحدة بتقديم اسعاف أوّلي سريع للشيعة في العالم... بل إن بعض الناس يقولون: أمريكا قد حررت الشيعة من طغيان صدّام حسين وأعادتهم من المهاجر إلى العراق وسلمّتهم حكم العراق ومفاتيح خزائن بلاد الرافدين لينهبوا منه ما يشاؤون كما كان السنّة ينهبونها من قبل، كما قدّمت لهم عنق أكبر أعدائهم (صدام حسين) ليشنقوه بأيديهم قبل أن ينهي الشهادة الإسلامية، حيث تم لف الحبل حول عنقه قبل أن يتمم "... ومحمّد رسول الله"... ويعتبر ذلك مؤامرة أمريكية – شيعية مشتركة على السنّة، كل فطاحل السنّة المتباكين على عرش فرعون العراق، من أيتامه الذين كانوا لايزالون يأملون في أن يفرج عنه الأمريكان رغم جميع جرائمه ضد الإنسانية لكونهم بحاجة إلى سفاك دماء مثله حتى يحقق لهم الأمن والاستقرار بالقوّة في العراق المفكك عربياً... بل منهم من يزعم بأن الشيعيين لم يمهلوه فرصة اتمام شهادته لأن "المتطرفيين منهم لايعتبرون محمداً (ص) نبياً رسولاً!!" ويبدو أن صدّام حسين السنّي أيضاً كان يحلم لدى غسله ثيابه في زنزانته في أن يفرج عنه الأمريكان، ولذا فقد كان طوال ضيافته لديهم في المعتقل ودوداً ومنضبطاً ولينّاً ومطيعاً للسجّانين الأمريكان، ويقال بأنه شكرهم شكراً جزيلاً على حسن معاملتهم له يوم سلّموه إلى أعدائه من رجال الدولة وشهود جرائمه وأقارب ضحاياه وجلاّديه الشيعة المتلهفين لاستلامه، والذين لم ينتظروا حتى يفرح صدام حسين وأهله في المهجر بأوّل أيام عيد الأضحى المبارك فجعلوه يأرجح قدميه في ذات المكان الذي أعدم رجاله الالآف من العراقيين في عهده، كما يقال بأنهم أهانوه قبيل اعدامه، وجعلوا منه شهيداً!!! وبطلاً للعروبة التي فقدت زعاماتها منذ زمن طويل وراحت تتسّكع مع العماد ميشال عون المتلفّح عباءة حسن نصر الله (الشيعي!) في شوارع لبنان بحثاً عمن يقودها في مسيرة التحرير الكبرى...

ومن فلاسفة السياسة العربية اليوم من يقول بأنّ هناك تحالفاً قائماً في الأنفاق السرّية بين أعداء العرب : أمريكا وإيران واسرائيل... وهذا التحالف هو الذي دفع بالأمريكان إلى انتزاع العراق من سنّة صدام حسين وتسليمه إلى شيعة الحكيم والصدر ومن على شكالتهما، وهو الذي كان السبب وراء إهمال زعماء السنّة ومن بينهم هيئة علماء السنّة الذين يكاد المرء لايفرّق بين دعواتهم الحماسية لارهاب الأمريكان وقتالهم عن دعوات الزرقاويين والظواهريين... وهؤلاء الذين يتحدثون عن "حلف المؤامرة الصليبية – الصهيونية – الشيعية!" يقولون: كيف تغامر أمريكا بإرسال مائة وخمسين ألفاً فقط من قواتها إلى العراق المتاخم لايران، دون أن تحسب لهجوم إيراني واسع النطاق بمجرّد سقوط تمثال صدّام حسين في بغداد؟... ولماذا أقدمت أمريكا من قبل أيضاً بأعداد أقل من قواتها على حرب الكويت التي تقع على مرمى حجر من السواحل الإيرانية؟... هذا ما كان ليحدث دون وجود استراتيجية مشتركة لأمريكا وإيران في المنطقة... هكذا يفكر الفريق السنّي اليوم...!

إلاّ أن هؤلاء ينسون الجانب الآخر من العملة، فالولايات المتحدة الأمريكية قد ساهمت بقوّة في تحرير الكويت السنّي من عدوان العراق الذي كان يحكمه السنّة في بداية التسعينات من القرن الماضي، ولوّحت باستمرار باستخدام القوّة فيما إذا حاولت إيران الشيعية الطامحة لاستعادة سيطرتها على طرفي الخليج مثلما كان في عهد الملوك القدامى، حيث كان يمتّد نفوذ الفرس ليشمل العراق واليمن، ولولا حاملات الطائرات الأمريكية وقواعدها العسكرية في الشرق الأوسط وتواجدها الكثيف في قطر والسعودية لهاجم الفرس الشيعة الكويت والبحرين وقطر والامارات والسعودية واحتلتها في وقت قصير، والولايات المتحدة الأمريكية قد قامت بجهود قوّية لقطع دابر "فرق الموت" الشيعية التي تعذّب وتقتل كل يوم عدداً كبيراً من أبناء الشيعة في عمليات منظمّة ومدروسة تستهدف اقتلاع التواجد السنّي في عاصمة الرشيد اقتلاعاً جذرياً... كما تقف الولايات المتحدة الأمريكية اليوم مع رئيس الحكومة اللبناني السنّي "السنيورة" في وجه جحافل "حزب الله" التي تدعمها إيران الشيعية عبر النظام السوري الذي يحكمه "العلويون" المعروف عنهم أنهم فرقة متطرّفة من الشيعة... ولكن في الوقت ذاته تقاتل أمريكا أنصار الزرقاوي والظواهري وبن لادن المشهورين بعدائهم الشديد للشيعة، وازداد هجوم الأمريكان على مقرات ومخابىء الزرقاوي عندما أعلن عزمه على تعميق الهوّة بين الشيعة والسنّة في العراق وتحرّك بايعاز من أسياده لضرب وقتل وحزّ رؤوس الشيعة عسكريين وسياسيين ومدنيين دون أن يردعه رادع ديني أو خلقي إنساني، وفجّر معابدهم ودمّرحسينياتهم وأهان زعماءهم ودعا أهل السنّة إلى محاربة الفرس "المجوس الكفرة المرتدين!"... كما تقف بقوّة في وجه رئيس الوزراء الفلسطيني الذي ينتمي إلى حركة "حماس" السنيّة المتطرّفة أيضاً بقدر تطرّف حزب الله لحسن نصر الله وجيش المهتدي لمقتدى الصدر الشيعي...

أمريكا تقوم بواجباتها كخادمة البيت، تساعد السنة الحنفيين في أفغانستان بأنصارهم العرب على طرد السوفييت والشيوعيين، ثم تنتزع أفغانستان من أيدي الملا عمر الطالباني "الغامض المجهول!" ورفيق دربه أسامة بن لادن، وتنتزع العراق من أيدي السنّة لتمنحه للشيعة وتضع على رأسه الكوردي السنّي الاشتراكي جلال الطالباني الذي كان في معظم مراحل حياته السياسية ناقداً لسياسة الامبريالية الأمريكية ، وتحرّر الكويت السنّي من الصداميين السنّة لتعيده لأمرائها الصباحيين السنّة، تساعد رئيس الدولة الفلسطينية السنّي (عباس) من رئيس وزرائها السنّي (هنيّة) ، وتحمي حسينيات الشيعة من إرهاب التكفيريين السنّة في العراق، ثم تعود لتحمي العراق من النفوذ الإيراني الشيعي، وتصرّ على أن يخفف النظام العلوي السوري من وطأة ظلمه واجحافه بحق الشعب السوري الذي غالبيته من السنّة... !!!

إن أشكال التفكير الطائفية الضيقة هذه هي من تصوراتنا المتخلّفة عن الركب الحضاري، تلك التصوّرات التي حدثنا عنها سيغموند فرويد في كتابه الرائع "المجهول الغامض في الخيال والواقع"، واعتبره ركاماً من مراحل البدائية التي عاشتها البشرية في العصور السحيقة في القدم، فأمريكا ليست سنيّة ولا شيعيه، ليست تكفيرية ولا علوية، وانما دولة علمانية يسيطر عليها في هذه الدورة الرئاسية مجموعة من النيوكون المسيحيين المتشددين دينياً، وهي ليست صديقة للعرب ولاعدوة لايران، أو عدوة للعرب وحليفة لايران، وانما تقوم بحماية مصالحها الاستراتيجية وأمنها الوطني، وتضرب عمرو بزيد، وزيداً بعمرو من أجل أن لاتصرف كل طاقاتها التي تحتاج بنفسها إليها، كما فعلت سابقاً أثناء حرب الفيتنام، واستغلت لذلك حكومات الصين ولاوس وكمبوديا وتايلاند، وهي ستستغل العرب والفرس والكورد والترك أيضاً لتمرير سياساتها التي تصطدم بمصالح هذا هنا ومصالح ذاك هناك، فهاهي مصالح أمريكا تتناقض مع مصالح حليفتها في الناتو "تركيا" التي تصرّ على أن تلعق أيضاً من عسل العراق، من بتروله في كركوك، وتجد لذلك ذرائع وحججاً...

وسنقع جميعاً في أخطاء مميتة إن لم نفهم هذه الحقائق عن الولايات المتحدة الأمريكية التي تجيد شمّ رائحة مصالحها من بعيد وتدرك كيف تشن حروبها دفاعاً عن أمنها الوطني، وجرّ أعدائها إلى ساحة عراقية أو أفغانية أو صومالية أو فلسطينية، بعيداً عن ديارها وشركاتها ومدنها الثرية حتى لاتصاب بالدمار... وإذا ما احتاج أحدنا إلى مساعدتها عسكرياً ومالياً أومعنوياً فهي لن تبخل علينا بذلك، فالصديق وقت الضيق كما يقال، وإن احتاجت إلينا، نحن الذين نقسّم أنفسنا طائفياً وعرقياً ومناطقياً، فإننا سنساعدها، ولكن منطلقاتنا وتحليلاتنا وتنظيرنا للمعركة تظل كما هي : طائفية أو عرقية أو مناطقية، في حين أن نظرة الأمريكان استراتيجية واقتصادية وسياستها كونية، وشتّان مابين التصنيفين والتقييمين في عالم اليوم.